في ليلة زفافنا، اكتشفت السر اللي كان جوزي مخبيه… وساعتها فهمت ليه عيلته ادّوني بيت على البحيرة تمنه مليون دولار علشان أتجوزه. أنا اسمي كاميليا.. كبرت في منطقة شعبية على أطراف القاهرة، حتة من اللي الشمس فيها بتاكل الأسفلت والواحد بيجري ورا لقمة العيش قبل ما يحلم. أبويا مات وأنا عيلة صغيرة، وأمي تعبت تعب شديد، فسابرت مدرستي وأنا في أولى ثانوي عشان أشتغل وأصرف على البيت. سنين طويلة وأنا بلف على البيوت أنضف وأطبخ وأغسل، ساعات أنام من التعب قبل ما حتى أغير هدومي. الدنيا كانت ضيقة قوي، وكل يوم أصحى وأسأل نفسي: هو ده نصيبي؟ لحد ما ربنا فتحلي باب ماكنتش أتخيله في يوم. اشتغلت شغالة مقيمة عند عيلة من أغنى عائلات مصر، عيلة الباشا، في فيلا ضخمة في التجمع الخامس، بوابة حديد عملاقة، جنينة فيها نخل طويل وحمام سباحة أكبر من الشارع اللي كنت ساكنة فيه وأنا صغيرة. كنت دايمًا ماشية بهدوء، رأسي في الأرض، شغلي بس هو اللي يتكلم عني. جوزي رأفت الباشا كان ابنهم الوحيد. شاب وسيم، لبسه دايمًا شيك، ريحته عطر غالي، بس هادي زيادة عن اللزوم. عمره ما كان بيضحك مع حد، وعينيه فيها حاجة غريبة… حزن تقيل كأنه شايل جبل فوق صدره. عشت في البيت ده تلات سنين، عمري ما فكرت أبص له حتى نظرة طويلة، لأن الفرق بينا كان أكبر من السما والأرض. وفجأة في يوم حصل اللي قلب حياتي كلها. الهانم، والدة رأفت، ندهتلي الصالون الكبير. دخلت وأنا قلبي بيدق، لأنها عمرها ما كانت بتندهلي بنفسها. قعدت قدامي،
وشها هادي بشكل يخوف، وحطت ورقة على الترابيزة وقالت بمنتهى البرود: كاميليا… لو وافقتي تتجوزي رأفت، شاليه في مارينا تمنه ملايين جنيه هيتكتب باسمك. دي هديتنا ليكي. حسيت الأرض بتلف بيا. أنا؟ شغالة غلبانة؟ أتجوز ابن الباشا؟ افتكرت إنها بتهزر أو بتختبرني، لكن ملامحها كانت جد لدرجة خلت جسمي يقشعر. سألتها وأنا صوتي بيتهز: ليه أنا؟ قالت بهدوء غريب: لأنك بنت محترمة، وهادية، ومحدش ليكي ظهر يضغط علينا بعدين. ساعتها عقلي وقف. افتكرت أمي المريضة اللي محتاجة علاج كل شهر، وفاتورة الدواء اللي بتكسر ضهري. افتكرت الليالي اللي كنت ببكي فيها وأنا مش لاقية فلوس التحاليل. عقلي كان بيقولي اهربي… بس قلبي كان بيقول دي فرصة يمكن ربنا بعتها. وافقت. الفرح كان أسطوري… قاعة ضخمة في فندق خمس نجوم، موسيقى، كاميرات، معازيم ببدل غالية وفساتين تلمع. وأنا لابسة فستان أبيض تقيل، حاسة إني مش كاميليا بتاعة الحارة… حاسة إني شخصية في فيلم. بس طول الفرح رأفت كان هادي… ساكت… كأنه بعيد عن كل اللي بيحصل. ولما بصيت في عينيه لقيت نفس الحزن اللي شفته أول مرة. لما خلص الفرح وطلعنا الجناح، الدنيا كانت هادية فجأة بعد الضوضاء. ورد أحمر في كل حتة، شمع منور، منظر أي عروسة تحلم بيه. لكن رأفت كان واقف بعيد عني، وشه شاحب كأنه داخل معركة. قرب خطوة، وبصلي بعينين مليانين تعب وقال بصوت واطي: لازم تعرفي الحقيقة. وفي اللحظة دي قال السر اللي قلب الدنيا في دماغي. رأفت كان مولود بعيب خلقي مخليه غير قادر يعيش
حياة زوجية طبيعية زي أي راجل. الكلمات وقعت عليّ زي حجر تقيل. فجأة كل حاجة بقت مفهومة… ليه اختاروني أنا، ليه الشاليه، ليه الفرح المستعجل، ليه عيون أمه الباردة. هما كانوا محتاجين زوجة… اسم… ست قدام الناس… بس الحقيقة تتدفن جوا الجدران. دموعي نزلت من غير ما أحس. مش عارفة بعيط على نفسي… ولا عليه هو. لأنه رغم كل حاجة، شكله كان مكسور أكتر مني. قعد على الكرسي وقال بصوت متعب: أنا حاولت أرفض الجوازة دي… بس أهلي شايفين اسم العيلة أهم من أي حاجة. دلوقتي بعد ما عرفتي… القرار قرارك. لو عايزة تمشي… أنا مش هلومك. اللي حصل بعد اللحظة دي كان أصعب قرار في حياتي. بصيتله كويس لأول مرة… مش كابن باشا… لكن كإنسان مكسور. قلتله بهدوء: أنا مش جاية هنا عشان الفلوس بس… أنا وافقت عشان أمي تعيش. ولو هكمل… يبقى بشروط. رفع عينيه باستغراب. قلتله: مفيش كدب بينا… إحنا ممكن نبقى شركاء في حياة مش زوجين بالمعنى اللي الناس فاهمه… لكن لازم يبقى فيه احترام وصدق. لأول مرة شفت ابتسامة صغيرة على وشه. الأيام بعد كده عدت غريبة في الأول… لكن مع الوقت اكتشفت إن رأفت شخص طيب بشكل ماحدش متخيله. كان بيهتم بأمي، دفع علاجها بالكامل، وفتحلي حساب باسمي. ومع الشهور، العلاقة اللي بدأت كتمثيلية قدام الناس بقت صداقة حقيقية بين اتنين اتظلموا بطرق مختلفة. وفي يوم، بعد سنة تقريبًا، حصل شيء غير متوقع… الدكتور قال إن في عملية جديدة ممكن تساعد حالته. الأمل رجع لعينيه لأول مرة. وبعد شهور من العلاج والسفر، رجع
رأفت شخص مختلف… أقوى… وأهدى. وفي ليلة هادية على شاطئ الشاليه اللي كتبوه باسمي، وقف جنبي وقال: يمكن الجوازة دي بدأت ككدبة… بس أنا عمري ما كنت أتمنى شريكة غيرك. وساعتها بس فهمت إن ربنا ساعات بيكتب بداية غريبة جدًا… عشان يوصلنا لنهاية ماكنّاش نحلم بيها. كاميليا الشغالة الفقيرة بقت ست بيت كبيرة… بس الأهم إنها لقت إنسان شايفها بجد… مش مجرد اسم يخبي وراه سر. والنهاية اللي بدأت بصفقة… انتهت بحياة حقيقية ماكنش حد فينا متوقعها.
بعد الليلة دي، حياتي أنا ورأفت بدأت تمشي في طريق غريب… طريق محدش فينا كان متخيله. في البداية كنا زي اتنين غرباء ساكنين تحت سقف واحد. قدام الناس إحنا زوجين مثاليين: نروح حفلات سوا، نبتسم في الصور، نمسك إيدين بعض قدام المعازيم. لكن أول ما باب الفيلا يتقفل، كل واحد يرجع لعالمه. أنا كنت لسه مش مصدقة اللي حصل في حياتي… من شقة ضيقة في حارة قديمة لفيلا فيها خمس صالونات. ومن شغلانة خدامة لمرات ابن الباشا. بس رغم كل الرفاهية دي، كنت حاسة بثقل كبير جوا قلبي. كل مرة أبص لرأفت وأشوف التعب في عينيه، كنت أعرف إن الجوازة دي بالنسبة له مش أسهل مني.
أمه، الهانم "نادية الباشا"، كانت بتراقبني بنظرات باردة. كانت بتتعامل معايا بلطف قدام الناس، لكن بيني وبينها كان في جدار واضح. هي شايفاني حل لمشكلة… مش بنت دخلت العيلة بجد. ومع ذلك، ماقدرتش تنكر إن البيت بقى أهدى بعد جوازنا. رأفت بقى يخرج أكتر، يشارك في شغل العيلة، ويبتسم أحيانًا… ابتسامة خفيفة بس
حقيقية.