إهانة في حفل التخرج

لمحة نيوز

الشمس كانت واقفة في كبد السما يومها كأنها عايزة تحضر الحفلة هي كمان.
أنا اسمي ياسين ابن عم جابر والست زينب، الناس اللي ربوني من وأنا عندي ست سنين بعد ما أبويا وأمي ماتوا في حادثة على طريق الصعيد.
النهارده كان يوم تخرجي من كلية الهندسة اليوم اللي حلموا بيه أكتر مني بكتير.
وقفت قدام المراية لابس روب التخرج الأسود، والقلنسوة المضحكة اللي الطلبة بيلبسوها. كنت ببص لنفسي وبفتكر كل اللي فات أيام ما كنت بصحى الفجر مع عم جابر عشان نروي الأرض، وبعدها يركبني الميكروباص ويقولي
ذاكر يا ابني العلم هو السند الحقيقي.
الست زينب كانت تحطلي في الشنطة سندوتش جبنة قديمة وتدعي
ربنا يفتحها في وشك يا نور عيني.
النهارده هما واقفين جنبي في ساحة الجامعة.
بس لما بصيت عليهم قلبي اتوجع.
عم جابر كان لابس قميص أبيض قديم، مكوي بعناية، لكنه واضح إنه اتلبس ألف مرة قبل كده.
الست زينب لابسة عباية سودا بسيطة بس نضيفة لدرجة تلمع.
واللي كان لافت النظر الشبشب البلاستيك اللي في رجليهم.
مش لأنهم ماقدروش يشتروا غيره لكن لأنهم ببساطة ناس عايشين على طبيعتهم، ومش فارق معاهم المظاهر.
قلت بابتسامة
يلا يا أمي يا أبويا ندخل القاعة.
وقتها حسيت إني أطول واحد في الدنيا.
لكن فرحتي ماكملتش.
عند

بوابة القاعة وقفت ست في الأربعينات، شعرها مصبوغ أشقر زيادة عن اللزوم، ومسكه دفتر في إيدها اسمها مدام نيفين، منسقة الحفل.
بصت لعم جابر والست زينب من فوق لتحت نظرة كفيلة تجرح الحجر.
وقالت ببرود
استنى يا أستاذ.
قلت
في حاجة؟
ردت وهي شايفة الشبشب
اللي لابسين شباشب مينفعش يدخلوا القاعة.
افتكرت إنها بتهزر.
ضحكت خفيف وقلت
يا مدام دول أهلي.
قالت بحدة
وأهلك فوق راسي بس القوانين قوانين.
عم جابر سكت.
لكن عينيه اتغيرت.
قلت وأنا حاسس الدم بيغلي
دول جايين من 500 كيلو عشان يحضروا تخرجي!
قالت وهي بتعدل نظارتها
الحفلة فيها ممولين كبار ومتتبرعين ومينفعش يبقى المنظر كده.
الجملة دي كسرتني.
الست زينب شدت طرف عبايتها وقالت بابتسامة باهتة
خلاص يا ابني إحنا هنستناك برا.
قلت
مستحيل!
لكن عم جابر حط إيده التقيلة على كتفي وقال
اسمع الكلام روح خد شهادتك.
بصيت له
ولأول مرة في حياتي حسيت بالعجز.
دخلت القاعة
والسقف العالي والأنوار والبدل والسواريهات كانوا حواليا بس أنا كنت شايف بس صورتين ورا السور الحديد.
أهلي.
واقفين على الرصيف.
كل ما حد يسقف لطالب وهو بياخد شهادته قلبي كان يتقبض.
لحد ما العميد طلع على المسرح.
قال بصوت فخم
قبل ما نكمل التكريم لازم نشكر المتبرع العظيم اللي
بنى مبنى التكنولوجيا الجديد للجامعة بتبرع قدره خمسين مليون جنيه.
القاعة كلها اتنفضت.
العميد كمل
المتبرع طلب يفضل اسمه مجهول لحد النهارده.
مدام نيفين كانت واقفة جنب المسرح مبتسمة ابتسامة واسعة، وعينيها بتدور على رجال أعمال لابسين ساعات غالية.
العميد قال
يشرفنا نعلن عنهم الأستاذ جابر أبو المعاطي وزوجته الست زينب.
ثانية واحدة
القاعة سكتت.
الناس بصت حوالين نفسها.
مدام نيفين قالت باستغراب
مين؟
العميد نادى تاني
الأستاذ جابر الست زينب
وقتها قلبي دق بعنف.
قمت من مكاني.
مسكت الميكروفون.
وقلت بصوت كان بيتهز
موجودين بس واقفين برا.
القاعة اتجمدت.
كملت وأنا شايف نيفين بتصفر
اتمنعوا يدخلوا عشان لابسين شباشب.
السكوت كان تقيل لدرجة تسمع أنفاس الناس.
العميد نزل من المسرح يجري.
وبعد دقيقة
الباب اتفتح.
ودخل عم جابر والست زينب.
الناس كلها قامت تسقف.
لكن هم كانوا ماشيين بخطوات هادية زي ما يكونوا داخلين جامع.
لما وصلوا المسرح العميد حاول يدي عم جابر الميكروفون.
عم جابر حك دقنه وقال
أنا مش بتاع كلام.
الناس ضحكت بخفة.
بص ناحيتي وبعدين للقاعة.
وقال
إحنا ناس غلابة يا جماعة عمرنا ما عرفنا نلبس بدل ولا ساعات غالية لكن ربنا رزقنا أرض ورزقنا ولد زي ياسين.
القاعة هديت.

كمل
لما شوفته بيذاكر تحت نور اللمبة قلنا العلم أهم من الفلوس فبعنا نص الأرض وبنينا المبنى.
الناس كانت مصدومة.
مدام نيفين كانت واقفة وشها أحمر.
عم جابر قال بهدوء
بس الظاهر إن المبنى ممكن يبقى كبير لكن القلوب لسه محتاجة تتوسع.
الكلمة نزلت تقيلة.
وبعدين خلع الشبشب من رجله ورفعه قدام الناس وقال
الشبشب ده دخل حقول وطين واتعب عشان الواد ده يقف هنا.
القاعة كلها انفجرت تصفيق.
أنا كنت بعيط.
العميد جاب درع التكريم واداهولي.
مسكته
بعدين بصيت لأمي وأبويا.
ونزلت من المسرح.
وقفت قدامهم.
وقلت قدام الكل
الدرع ده مش ليا.
وحطيته في إيد عم جابر.
الست زينب بكت.
عم جابر قال
ليه يا واد؟
قلت
عشان الشهادة دي أنتم اللي خدتوهالي.
القاعة كلها وقفت تسقف.
لكن اللحظة اللي محدش نسيها
لما مدام نيفين قربت منهم تحاول تسلم.
عم جابر بص لها بهدوء.
وبعدين قال
متزعليش يا بنتي الشبشب ساعات بيكون أنضف من جزم كتير.
وسابها واقفة
وخرج وهو ماسك إيد الست زينب.
وأنا ماشي وراهم.
وفي اللحظة دي بس
حسيت إن أغنى راجل في القاعة
ماكانش لابس بدلة.
كان لابس شبشب.
الناس كانت لسه واقفة بتسقف لما عم جابر مسك إيد الست زينب وابتدى ينزل من على المسرح.
بس أنا حسيت إن اللحظة دي أكبر من إنها تخلص كده.

وقفت مكاني، وبصيت حواليّ الطلبة، الأهالي، الأساتذة وحتى مدام نيفين اللي كانت واقفة وشها شاحب كأن حد سحب الدم منه.
قلت بصوت عالي
تم نسخ الرابط