إهانة في حفل التخرج
استنوا لحظة.
القاعة سكتت تاني.
العميد بصلي باستغراب وقال
خير يا ياسين؟
قلت وأنا بحاول أسيطر على دموعي
أنا طول عمري كنت فاكر إن أعظم لحظة في حياتي هتكون لما أمسك الشهادة بس الحقيقة إن أعظم لحظة حصلت من شوية لما أهلي دخلوا القاعة.
الناس بدأت تسمع بتركيز.
كملت
أنا كنت طفل يتيم والناس دي هي اللي عملت مني بني آدم.
بصيت لعم جابر.
الراجل اللي عمره ما قال كلمة حب بصوت عالي لكن كل حياته كانت حب.
قلت
عم جابر كان بيصحى قبل الفجر يشتغل في الأرض طول اليوم ويرجع بالليل يسألني ذاكرت؟
ضحكة خفيفة طلعت من الطلبة.
كملت
ولو قلتله تعبان يقولي تعبك دلوقتي راحة بعدين.
بصيت للست زينب.
وأمي زينب كانت تقعد جنبي بالساعات مش فاهمة أنا بذاكر إيه بس تقولي كمل يا ابني.
الست زينب مسحت دموعها بطرف عبايتها.
قلت وأنا باخد نفس طويل
النهارده الناس كلها بتتكلم عن المبنى اللي اتبرعوا بيه خمسين مليون جنيه.
القاعة همهمت.
كملت
بس الحقيقة إن التبرع الحقيقي كان أنا.
الناس سكتت تاني.
الراجل ده صرف عمره عشان يعلمني.
عم جابر بص للأرض كأنه مكسوف.
العميد قرب مني وقال بابتسامة
كلامك مؤثر جدًا يا ياسين.
لكن قبل ما يكمل
مدام نيفين اتحركت خطوة لقدام.
واضح إنها كانت بتصارع نفسها.
قالت بصوت واطي
أنا عايزة أقول حاجة.
الناس كلها بصت لها.
وقفت قدام الميكروفون ووشها محمر.
قالت
أنا غلطت.
الكلمة خرجت بصعوبة.
كملت
أنا حكمت على الناس من شكلهم وده أكبر درس اتعلمته النهارده.
وبعدين بصت لعم جابر والست زينب.
وقالت
سامحوني.
القاعة سكتت.
عم جابر قرب منها شوية.
وبص لها بنفس الهدوء اللي متعود عليه.
وقال
يا بنتي إحنا ناس بسيطة وما بنزعلش.
بعدين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
بس متحكميش على حد من هدومه يمكن يكون شايل جواه حكاية أكبر منك ومني.
القاعة انفجرت تصفيق.
لكن اللي حصل بعد كده ماكانش حد متوقعه.
العميد قال وهو متحمس
أنا عندي اقتراح.
الناس سكتت.
بما إن الأستاذ جابر والست زينب هم أصحاب الفضل في المبنى أنا بقترح
القاعة قامت واقفة.
التصفيق كان يهز المكان.
لكن عم جابر رفع إيده.
الناس هديت.
قال ببساطة
لا.
العميد اتفاجئ
ليه؟
عم جابر قال
المبنى يتسمى باسم العلم مش باسمنا.
الناس استغربت.
كمل
لكن لو عايزين تعملوا حاجة اعملوا منحة للطلبة الغلابة.
العميد قال فورًا
تتعمل.
بص له عم جابر.
وكل سنة تختاروا ولد أو بنت من الريف وتعلموه.
القاعة كلها كانت بتسقف.
وأنا حسيت إن صدري هيطير من الفخر.
لكن المفاجأة الأكبر
لما عم جابر بصلي وقال
تعالى هنا يا ياسين.
طلعت جنبه.
قال للناس
الواد ده فاكر إننا عملنا كل ده عشانه.
ضحك بخفة.
الحقيقة إننا عملناه عشان البلد.
بعدين قرب مني وقال بصوت واطي سمعه الميكروفون
بس أنا فخور بيك.
الجملة دي
أنا استنيتها طول حياتي.
حسيت رجلي مش شيلاني.
الست زينب ضحكت وهي بتمسح دموعها وقالت
يا سلام لو أبوك وأمك كانوا شايفينك دلوقتي.
وفجأة
طالب من الصفوف الخلفية وقف.
وقال بصوت عالي
أنا كمان من الريف وأهلي زينا.
طالب تاني وقف.
وأنا.
وبعدها عشرات الطلبة وقفوا.
القاعة بقت مليانة شباب بيرفعوا إيديهم.
واحد منهم قال
إحنا كلنا ولاد ناس تعبت عشاننا.
في اللحظة دي
العميد قال بابتسامة
واضح إن الجامعة دي خرجت مهندسين لكن كمان خرجت رجالة.
الناس ضحكت.
لكن عم جابر قال جملة خلت القاعة كلها تسكت تاني
الرجالة الحقيقيين هما اللي بيرفعوا غيرهم.
بعد الحفلة
خرجنا من القاعة.
الشمس كانت بدأت تغيب.
عم جابر كان ماشي بنفس الشبشب.
لكن المرة دي
الطلبة كانوا بيقفوا يسلموا عليه واحد واحد.
واحد قال له
شرفتنا يا عم جابر.
واحدة قالت للست زينب
نفسي أبقى زيك.
الست زينب ضحكت وقالت
خلي قلبك نضيف بس.
وصلنا لباب الجامعة.
وقبل ما نركب العربية القديمة بتاعتنا
لقيت مدام نيفين جاية تجري.
وقفت قدام عم جابر وقالت
لو سمحت ممكن آخد صورة معاكم؟
عم جابر بصلي.
قلت له وأنا بضحك
دلوقتي الشبشب بقى ينفع؟
ضحك للمرة الأولى بصوت عالي.
وقال
واضح إن الشبشب بقى موضة.
اتصورنا الصورة.
ولما
بصيت للجامعة من الشباك.
وساعتها فهمت حاجة واحدة بس
الناس ممكن تبني مباني بفلوسها
لكن اللي بيبني البشر
هو القلب.