شكوي بنتي الصغيره
بس شغل وفلوس ومأموريات الأبوة أحيانًا معناها إنك تسمع همسة صغيرة وتنقذ قلب صغير قبل ما ينكسر للأبد.
مرت شهور بعد اللي حصل، والبيت اللي كان شكله مثالي من برّه بقى مليان صمت تقيل. أحمد حاول يرجّع الإحساس بالأمان لليلى بأي طريقة. بقى يروح شغله ويرجع بدري، يساعدها في واجباتها، يحكي لها حواديت قبل النوم زي ما كانت تطلب منه وهي أصغر. في الأول كانت ليلى لسه بتخاف كل ما حد يرفع صوته كانت كتافها تنكمش، وكل ما الكوباية تقع من إيدها كانت تبص حوالين نفسها بسرعة وكأنها مستنية حد يزعق. أحمد كان بيلاحظ ده كله، وكل مرة قلبه يتوجع أكتر.
ندى من ناحيتها بدأت تروح جلسات علاج نفسي، بناءً على إصرار أحمد. في البداية كانت بتروح وهي مقتنعة إن كل ده مبالغة، وإن المشكلة اتضخمت. لكن مع الوقت بدأت تسمع حاجات عن نفسها ما كانتش عايزة تسمعها قبل كده. بدأت تفهم إن الغضب اللي جواها كان أكبر من مجرد عصبية لحظة. كان تعب سنين، إحساس بالوحدة، وضغط ما عرفتش تتعامل معاه صح. لكن المشكلة إن الضحية كانت طفلة صغيرة ما لهاش أي ذنب.
في البيت، العلاقة بين ندى وليلى بقت متوترة
في يوم من الأيام، بعد حوالي أربع شهور من الحادثة، أحمد كان قاعد في الصالة يشتغل على اللابتوب، وليلى في أوضتها بتلون في كراسة الرسم. ندى كانت رجعت من جلسة العلاج وقعدت ساكتة شوية. وبعدين قالت بهدوء
أحمد ممكن أتكلم معاك؟
قفل اللابتوب وبص لها. ملامحها كانت مختلفة عن زمان، فيها تعب واضح، لكن كمان نوع من الصدق ما كانش موجود قبل كده.
قال
قولي.
ندى أخدت نفس طويل وقالت
الدكتورة سألتني سؤال النهارده خضّني بصراحة.
أحمد سأل
سؤال إيه؟
قالت وهي باصة في الأرض
قالت لي إنتي خايفة من بنتك؟
أحمد استغرب
خايفة منها؟ ليه؟
ندى قالت بصوت واطي
لأنها بتفكرني بنفسي وأنا صغيرة.
السكوت نزل على المكان لحظة.
ندى كملت
أنا ما حكيتش لك قبل كده بس وأنا صغيرة كنت بتضرب كتير. أمي كانت عصبية جدًا. أي حاجة صغيرة كانت تتحول لعقاب كبير. كنت طول الوقت حاسة إني غلطانة حتى لو ما عملتش
أحمد سمع الكلام ده لأول مرة. ما كانش متخيل إن في حاجة زي كده في ماضيها.
ندى قالت وهي عينيها بتلمع بالدموع
لما ليلى بتغلط حتى لو غلطة صغيرة بحس فجأة بنفس الغضب اللي كانت أمي بتحسه. كأن في صوت جوايا بيقول لازم تتعاقب.
أحمد سكت شوية وبعدين قال
بس إنتي عارفة إن ده غلط.
ندى هزت راسها بسرعة
عارفة وده اللي مخليني مرعوبة من نفسي.
في اللحظة دي خرجت ليلى من أوضتها وهي شايلة الكراسة. كانت جاية توري أبوها الرسمة. لكن لما شافت أمها واقفة ساكتة اترددت.
أحمد ابتسم لها وقال
تعالي يا ليلى.
قربت بحذر وورته الرسمة. كانت رسمة بسيطة لثلاثة أشخاص ماسكين إيد بعض.
أحمد ابتسم وقال
ده أنا وإنتي ومين التالت؟
ليلى سكتت لحظة وبعدين قالت
ماما بس هي واقفة بعيد شوية.
الكلمة كانت بريئة لكنها نزلت زي الحجر في قلب ندى.
ندى قربت خطوة وقالت بهدوء
ممكن تبقى أقرب شوية؟
ليلى بصت لها وما ردتش.
اللحظة دي كانت صعبة جدًا.
ندى ركعت على ركبتها قدام بنتها وقالت بصوت مكسور
أنا عارفة إنك لسه زعلانة مني وده حقك. بس أنا بحاول أكون أحسن.
ليلى كانت بتبص لها بعيون مليانة حيرة.
ندى قالت
مش هطلب منك تسامحيني دلوقتي بس ممكن تديني فرصة أثبت إني مش هأذيكي تاني؟
ليلى ما ردتش بالكلام. لكنها قربت خطوة صغيرة.
الخطوة دي كانت بسيطة لكنها كانت أول خطوة حقيقية.
الأيام اللي بعدها بدأت تتغير حاجات صغيرة. ندى بقت أهدى، بقت لما تتعصب تمشي لدقيقة قبل ما تتكلم. بقت تعتذر لو صوتها علي. وليلى بدأت تدريجيًا تبطل تبص حواليها بخوف.
وفي يوم بعد حوالي سنة كاملة من اللي حصل، أحمد كان واقف في المطبخ بيعمل شاي. سمع ضحكة عالية جاية من الصالة.
خرج يشوف في إيه.
لقى ليلى وندى قاعدين على الأرض بيلعبوا لعبة تركيب الصور. ليلى كانت بتضحك وهي بتقول
لا يا ماما القطعة دي هنا!
ندى كانت بتضحك معاها.
أحمد وقف عند الباب لحظة يتفرج عليهم. المشهد كان بسيط لكن معناه كبير جدًا.
لأن البيت اللي كان ممكن يتكسر في يوم واحد بدأ يتصلح ببطء.
مش لأنهم نسوا اللي حصل.
لكن لأنهم قرروا يواجهوه بدل ما يهربوا منه.
وفي اللحظة دي فهم أحمد إن أحيانًا النجاة الحقيقية ما بتكونش إنك تسيب المكان وتمشي النجاة الحقيقية