قصة مؤثرة يقال إنها حدثت في الأردن، عن شاب كان متعلقًا بوالدته تعلقًا شديدًا، كانت هي كل حياته وسنده في الدنيا، لكنها مرضت مرضًا طويلًا استمر سنوات، وكان يقضي أغلب وقته بجانب سريرها في المستشفى يدعو الله أن يطيل عمرها، لكن القدر كان له رأي آخر، فقد توفيت قبل زفافه بشهرين فقط، فانهار الشاب تمامًا، وشعر أن الدنيا أظلمت في وجهه، وقرر من تلقاء نفسه تأجيل زفافه عامًا كاملًا وفاءً لروح أمه وحزنًا عليها، غير عابئ بكلام الناس ولا تعليقات الأقارب الذين استغربوا قراره وقالوا إن الحياة يجب أن تستمر، لكنه كان يرى أن أقل ما يمكن أن يقدمه لأمه هو أن يحزن عليها كما يليق بحبها وتعبها معه طوال حياته. مر العام ببطء شديد، وكان خلاله يقضي أغلب وقته مع والده الذي فقد شريكة عمره، وكان الأب يعيش حالة صمت وحزن عميقين، فقد كانت زوجته بالنسبة له كل شيء، ومع ذلك كان يحاول أن يظهر القوة أمام ابنه حتى لا يزيد حزنه أكثر،
وبعد مرور العام تم الزواج أخيرًا، وانتقل الابن ليعيش مع زوجته في منزل جديد، بينما بقي الأب وحيدًا في المنزل الكبير الذي عاش فيه سنوات طويلة مع زوجته الراحلة، ولم يكن لديه من الأبناء غير هذا الابن الوحيد الذي كان كل حياته ودنياه. مرت الأيام وبدأ الابن حياته الجديدة مع زوجته، كانت حياة عادية في ظاهرها لكنها مع مرور السنوات أصبحت مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي تغير القلوب ببطء، فخلال أكثر من خمس سنوات كان الابن يزور والده بين فترة وأخرى، أحيانًا كل أسبوعين وأحيانًا مرة في الشهر، وكان يحاول أن يقضي معه بعض الوقت، لكن زوجته لم تكن دائمًا متحمسة لتلك الزيارات، أحيانًا كانت ترافقه مجاملة، وأحيانًا كثيرة كانت تفضل الذهاب إلى بيت أهلها حتى ينتهي هو من زيارة والده. كانت الزوجة تحرص دائمًا على زيارة أهلها والاهتمام بهم، وكانت تطلب من زوجها أن يرافقها باستمرار ويقضي وقتًا طويلًا معهم، بينما لم يكن قادرًا
على إجبارها على زيارة والده المسكين الذي كان ينتظر رؤية ابنه بالساعات، يجلس أمام باب البيت أو قرب الهاتف ينتظر مكالمة أو زيارة، وكان كلما جاءه ابنه حاول أن يخفي فرحته حتى لا يحرجه، لكنه كان يشعر بالوحدة التي أصبحت رفيقته بعد رحيل زوجته. مع مرور الوقت تدهورت صحة الأب، وبدأ المرض يشتد عليه، وصار ضعيفًا لا يقوى على الاهتمام بنفسه كما في السابق، فشعر الابن بالذنب الشديد وبدأ يفكر أنه أخطأ عندما ترك والده وحيدًا كل هذه السنوات، فقرر أخيرًا أن يستضيفه في منزله ليقدم له الرعاية الكاملة ويعوضه عن وحدته الطويلة. عندما أخبر والده بالفكرة رفض الأب بشدة في البداية، ليس لأنه لا يريد العيش مع ابنه، بل لأنه كان يخاف أن يكون ضيفًا غير مرغوب فيه في عيني زوجته، وكان يخشى أن يشعر بالإهانة أو الثقل في آخر أيام عمره، لكن الابن أصر كثيرًا وبكى أمامه وقال إنه لا يستطيع تركه وحده في هذه الحالة، وبعد إلحاح طويل وافق
الأب أخيرًا وانتقل للعيش في منزل ابنه وهو يحمل في قلبه الكثير من القلق والصمت. منذ الأيام الأولى شعرت الزوجة بثقل وجوده، ولم تكن تخفي انزعاجها من الأمر، فكانت تتعامل معه ببرود واضح، وأحيانًا كانت تتعمد إعداد صنف واحد فقط من الطعام دون مراعاة لحالته الصحية أو سنه، وتجبره أن يأكل معهم دون أي اهتمام خاص، وكان الأب يحاول أن يتقبل كل شيء بصمت، يأكل القليل ويشكرها حتى لو لم يكن الطعام يناسبه، بينما كان الابن يقف حائرًا بين إرضاء والده المريض وبين تجنب المشاكل مع زوجته. ازداد الضغط على الابن يومًا بعد يوم، فبدأت الزوجة تلمح أحيانًا ثم تصرح صراحة بأن وجود الأب في البيت أصبح عبئًا عليها، وكانت تقول إن حياتها تغيرت وإنها لم تعد تشعر بالراحة في منزلها، ثم وصل بها الأمر إلى اقتراح غريب وصادم، وهو أن يبحث الابن عن زوجة لوالده المسن حتى تتولى رعايته وتخفف عنها عبء وجوده في البيت، لكن الابن رفض هذا