الاقتراح رفضًا قاطعًا واعتبره إهانة كبيرة لوالده في هذا العمر، وقال إن والده قضى حياته كلها في العمل والتعب من أجله ولا يمكن أن يعامله بهذه الطريقة. تحولت الخلافات بعد ذلك إلى شجار دائم في البيت، واشتدت الضغوط النفسية على الابن حتى شعر أنه محاصر من كل الجهات، فهو لا يريد أن يظلم والده ولا يريد أن يخسر زوجته أو يدمر بيته، لكن الزوجة لم تتوقف عن الضغط، وفي النهاية طرحت الحل الأقسى وهو إيداع الأب في دار للمسنين بحجة أن هناك رعاية طبية أفضل وأنه سيجد من يهتم به طوال الوقت. كان القرار قاسيًا جدًا على قلب الابن، لكنه تحت الضغط المتواصل والجدال اليومي بدأ يشعر أنه لا يملك خيارًا آخر، وفي لحظة ضعف وافق مضطرًا وهو يشعر في داخله أنه يخون قلبه ووصية أمه وحق أبيه عليه. في ذلك اليوم ذهبوا جميعًا إلى دار المسنين، وكان الأب صامتًا طوال الطريق، لم يعاتب ابنه
ولم يشتكِ، فقط كان ينظر من نافذة السيارة وكأنه يودع الشوارع والبيوت والذكريات، وعند باب الدار احتضن الابن والده وبكى بكاءً مريرًا، بينما كان الأب يمسح على رأسه بحنان ويهمس له بكلمات خافتة لم يسمعها أحد. تركه هناك ومضى، وكل خطوة يبتعد بها عن المكان كانت تمزق قلبه أكثر، وعاد إلى منزله وهو يشعر أن شيئًا انكسر داخله. مرت الأيام بعد ذلك ثقيلة جدًا، لم يذق فيها الابن طعم النوم ولا الراحة، وكانت صورة والده لا تفارق خياله، يتخيله وحيدًا في غرفة غريبة بين أشخاص لا يعرفهم، وبعد أسبوع كامل لم يحتمل الشوق والذنب أكثر، فقرر أن يذهب لزيارته فجأة دون أن يخبر زوجته، اشترى بعض الفاكهة والدواء وتوجه إلى دار المسنين وقلبه يخفق بين الخوف والحنين. عندما دخل الدار سأله الموظفون عن اسم والده وأخبروه برقم الغرفة، فمشى في الممر الطويل بخطوات ثقيلة، وكل خطوة كانت أصعب
من التي قبلها، حتى وصل إلى الباب وتوقف أمامه للحظة، شعر بخوف غريب وكأنه يخشى مواجهة الحقيقة، ثم فتح الباب ببطء وهو ينادي على والده بصوت مكسور. لكن ما رآه داخل الغرفة لم يكن أبدًا في حسبانه، فقد كانت الغرفة خالية تمامًا، لا سرير مشغول ولا حقيبة ولا أي أثر يدل على وجود والده هناك، فالتفت مرتبكًا وسأل الممرضة القريبة عن والده، فنظرت إليه بحزن وقالت إن والده توفي قبل يومين فقط، وإنه في ساعاته الأخيرة كان يتحدث عن ابنه كثيرًا ويطلب منهم ألا يخبروا أحدًا بأنه كان حزينًا، بل كان يكرر دائمًا أن ابنه رجل طيب وأنه يعرف أنه لم يفعل ذلك إلا لأنه مضطر. شعر الابن في تلك اللحظة أن الأرض تميد تحت قدميه، وجلس على الكرسي القريب وهو يبكي بحرقة لم يعرفها في حياته، فأخرجت الممرضة من درج صغير ظرفًا وقالت إن والده ترك له هذه الرسالة قبل وفاته. فتح الابن الرسالة بيدين
مرتعشتين وقرأ كلمات والده التي كانت تقول يا بني لا تحزن ولا تلُم نفسك، أنا أعرف قلبك وأعرف أنك لم تقصد أن تؤذيني، لقد تعبت في حياتي بما فيه الكفاية ولا أريد أن أكون سببًا في تعبك أو في خراب بيتك، إن كنت قد أخطأت في حقي فسامحتك قبل أن تفعل، فقط أرجوك أن تتذكر دائمًا أن الوالدين لا يريدان من أبنائهما سوى القليل من الوقت والاهتمام، فلا تؤجل الحب لمن تحب لأن الأيام تمضي أسرع مما نظن. عندما انتهى الابن من قراءة الرسالة انهار بالبكاء وهو يدرك أن قراره في تلك اللحظة كان أغلى خطأ ارتكبه في حياته، وأن بعض الأخطاء لا يمكن إصلاحها مهما حاول الإنسان بعد فوات الأوان، ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياته تمامًا، وظل يحمل في قلبه درسًا لن ينساه أبدًا أن الوالدين عندما يكبران لا يحتاجان مالًا ولا بيوتًا فخمة، بل يحتاجان فقط قلبًا قريبًا لا يتركهما وحدهما في آخر الطريق.