رحلة شرم الشيخ
سكتنا لحظة، اللحظة اللي بعدها سألتها السؤال اللي كان جوايا من يوم ما قالت لي الخبر:
— إنتِ خفتي تقولي لي ليه؟
سنية بصت للسقف شوية وبعدين رجعت تبص لي وقالت:
— لأني كنت خايفة تتلخبط حياتك… أو تحس إن ده حمل تقيل عليك.
الكلام ده وجعني. قلت لها بهدوء:
— ده ابني يا سنية… عمره ما هيبقى حمل.
ابتسمت ابتسامة صغيرة لكن فيها دموع. في اللحظة دي حسيت إن بينا كلام كتير اتدفن سنين طويلة.
الأيام اللي بعد كده عدت بسرعة غريبة. بقيت أسافر الغردقة كل أسبوع تقريباً. شغلي في القاهرة كان بياخد وقت، لكن أول ما ييجي الخميس كنت أركب العربية وأنزل البحر. البيت اللي سنية كانت مأجرته هناك كان بسيط جداً، شقة صغيرة قريبة من الممشى. لكن كل ما أدخلها كان عندي إحساس غريب بالألفة، كأن المكان ده بيجمع بين الماضي والمستقبل في نفس الوقت.
الطفل سميناه “آدم”. الاسم ده اخترناه سوا بعد
لكن الحقيقة إن الرجوع لبعض ماكانش سهل. في حاجات كتير كانت مكسورة بينا. سنين كاملة من الصمت والمسافة. مرات كنا نقعد نتكلم بهدوء ونضحك، ومرات تانية كنا نسكت فجأة كأن كل واحد فينا فاكر الأيام اللي سببت الانفصال.
مرة وأنا قاعد في البلكونة في شقتها في الغردقة، وسنية جوه بتهدي آدم اللي كان بيعيط، لقيت نفسي بفكر في أول يوم اتقابلنا فيه زمان. كنت شاب لسه بادئ شغل، وهي كانت لسه متخرجة. يومها قعدنا ساعات نحكي ونضحك كأننا عارفين بعض من سنين. سألت نفسي: فين راحت البساطة دي؟ وإزاي اتحولت لعلاقة تقيلة وصلتنا للانفصال؟
الجواب بدأ يظهر تدريجياً في الشهور اللي بعدها. كل مرة كنت أزورهم كنت أحاول أساعدها في أي حاجة: أغير لآدم، أو أطبخ حاجة بسيطة،
في ليلة من الليالي، بعد ما آدم نام أخيراً، قعدنا سوا في الصالة. البحر كان صوته داخل من الشباك. سنية كانت ساكتة شوية وبعدين قالت:
— سيد… إنت عمرك فكرت إننا ممكن نرجع؟
السؤال جه فجأة لدرجة إني ما عرفت أرد فوراً. بصيت لها وبعدين قلت بصدق:
— أنا مش عارف… بس اللي عارفه إني مش عايز نكرر نفس الغلطات.
هزت راسها وقالت:
— وأنا كمان.
الكلام ده فضل معلق بينا فترة. ماخدناش قرار سريع. لكن مع الوقت بقينا أقرب من أي وقت فات.
آدم كبر شوية، وبقى يضحك لما يشوفني داخل من الباب. الضحكة الصغيرة دي كانت كفيلة تنسي أي تعب أو تفكير. وفي مرة وأنا شايله وسنية بتبص لنا من بعيد، حسيت إن المشهد ده كان ممكن يحصل من
بعد حوالي سنة من ولادته، حصلت اللحظة اللي غيرت كل حاجة. كنا قاعدين التلاتة على البحر وقت الغروب. آدم كان بيلعب في الرمل، وسنية كانت بتضحك وهي بتحاول تمنعه ياكل الرمل. المنظر كان بسيط جداً، لكن جواه سلام غريب.
بصيت لها وقلت فجأة:
— سنية… تيجي نبدأ من الأول؟
سكتت لحظة، عينيها اتملت دموع خفيفة، وبعدين قالت:
— من غير ما نمسح اللي فات… لكن نتعلم منه؟
ابتسمت وقلت:
— بالظبط.
بعد شهور قليلة رجعنا نعيش سوا. مش بنفس الاندفاع القديم، لكن بهدوء ونضج أكبر. بقينا نتكلم أكتر، ونحاول نفهم بعض قبل ما نحكم.
وأحياناً لما الليل بيهدى وآدم يكون نايم، كنت أفتكر صباح الفندق في شرم… اللحظة اللي شفت فيها البقعة الحمراء واتجمدت مكاني. وقتها افتكرتها بداية مصيبة.
لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد كل اللي حصل إن اللحظة دي كانت بداية حياة جديدة