الحكاية من قلب أوضة المستشفى بدأت بعد ست شهور من طلاقي من تامر، ست شهور حاولت فيهم أتعلم أعيش من غيره وأقنع نفسي إن اللي حصل كان نصيب. جوازنا في الأول كان جميل، تامر كان طموح جدًا ودايمًا بيحلم يكبر شغله ويبقى رجل أعمال معروف، وأنا كنت بحبه لدرجة إني كنت مستعدة أستحمل ضغطه وعصبيته طول الوقت. لكن مع الوقت بقيت حاسة إني مش زوجته بقيت مجرد تفصيلة في حياته، حاجة ثانوية جنب شغله وصفقاته. المشكلة الكبيرة بدأت يوم ما اكتشفت إني حامل. كنت فرحانة بطريقة مش طبيعية، افتكرت إن الطفل ده ممكن يرجع الدفا بينا. لكن رد فعل تامر كان صدمة عمري. لما قلتله الخبر، بصلي كأني قلت له مصيبة. قال لي ببرود إنتي أكيد بتقولي كده عشان تربطيني بيكي. فضلت أعيط وأحلفله إن الحمل حقيقي وإنه ابنه، لكنه كان مقتنع إن ده توقيت مقصود عشان أمنعه يسافر ويكبر شغله. خلال شهر واحد بس، حياتي اتقلبت. خناقات، اتهامات، ضغط نفسي رهيب لحد ما وقف قدامي في يوم وقال ببرود قاتل أنا مش مستعد أبقى أب دلوقتي والموضوع ده مش هيحصل. وبعدها طلقني واختفى من حياتي تمامًا. حاولت أوصل له كذا مرة عشان أقول له إن الطفل فعلاً
موجود، لكن تليفونه كان مقفول دايمًا، ورسايلي كانت بترجع كأن الرقم مش شغال. بعد فترة قصيرة عرفت من الناس المشتركة بينا إنه اتعرف على واحدة تانية اسمها ريم بنت من عيلة غنية جدًا، وكانت دايمًا معاه في الشغل. فهمت وقتها إن الصفحة اتقفلت. قررت أركز في نفسي وفي طفلي اللي جاي. الحمل كان صعب، خصوصًا وأنا لوحدي. أمي كانت جنبي طول الوقت، وكانت بتقول لي إن ربنا أكيد شايل لنا الخير. وفي يوم الولادة أخيرًا بعد ساعات طويلة من الألم سمعت صوت بكاء بنتي لأول مرة. اللحظة دي غيرت كل حاجة جوايا. لما حطوها في حضني حسيت إن الدنيا كلها اتلخصت في المخلوق الصغير ده. كانت هادية وملامحها بريئة لكن أول حاجة لاحظتها إن شكلها شبه تامر بشكل يخض. نفس الملامح تقريبًا نفس الجبهة ونفس الفم الصغير. وأنا لسه بحاول أستوعب إحساسي الجديد كأم، الموبايل رن فجأة. الاسم اللي ظهر على الشاشة خلاني أتنفس بصعوبة تامر. للحظة فكرت أسيبه يرن لكن في الآخر رديت ببرود عايز إيه يا تامر؟ صوته كان غريب فيه نبرة فرحة مستفزة أنا هتجوز الأسبوع ده وقلت من باب الذوق يعني أعزمك. ضحكت ضحكة كلها تعب وقلت تامر أنا لسه والدة
حالاً وأنا في المستشفى. مش هروح في حتة. سكت لحظة وقال ببرود تمام قلت بس أعرفك. وقفل السكة. فضلت باصة للسقف والدموع في عيني. الغريب إني ما حسيتش بالغيرة حسيت بس بوجع قديم رجع يتحرك جوايا. بعد حوالي نص ساعة وأنا شبه نايمة، باب الأوضة اتفتح فجأة بهبدة قوية خلت الممرضات تصرخ وأمي تقوم مفزوعة. دخل تامر ووشه أصفر وعينيه مليانة رعب هي فين؟ فين البنت؟ اتصدمت من شكله وقلت بعصبية إنت اتجننت؟ إزاي تدخل كده؟ لكنه مسمعنيش. جري ناحية السرير وبص للبنت بذهول كأن الزمن وقف. إيديه كانت بتترعش. همس دي دي شبهي بالظبط نسخة مني. الأوضة سكتت تمامًا. سألت بجمود إيه اللي جابك هنا؟ مش المفروض بتجهز لفرحك؟ بصلي وعينيه مليانة صدمة وقال ليه مقلتيش إنها بنت؟ ضحكت بوجع وأقولك ليه؟ إنت أصلاً قلت إن الطفل ده مش ابنك. فجأة قال بسرعة أنا كنت فاكر إنك سقطتي! ريم قالتلي كده قالت إنك مكنتيش حامل وإن الموضوع خلص. سكت لحظة وبعدين قال بصوت متخنق وقالتلي كمان إنك بعتي رسالة بتقولي فيها إنك خلصتي من الورطة. حسيت إن الأرض بتميد بيا. قلت له ببطء أنا عمري ما بعتلك الرسالة دي. تامر مسح وشه بإيده وقال أنا
كنت جاي أواجهك كنت فاكر إنك كدبتي عليا لكن لما شوفت البنت فهمت إن كل حاجة كانت كذبة. قعد على الكرسي جنب السرير وفضل يبص لبنته كأنه بيحاول يحفظ ملامحها. بعد لحظات قال بصوت واطي أنا كنت غبي صدقت واحدة كانت عايزة تمسح أي حاجة تربطني بيكي. بعدها طلع موبايله وطلب رقم حد. لما الشخص رد، صوته اتغير تمامًا وبقى حاد الفرح اتلغى واللي بينا انتهى. واضح إن ريم كانت على الطرف التاني. صرخاتها كانت مسموعة حتى من الموبايل، لكنها ما قدرش تكمل كلامها لأن تامر قفل في وشها. بعد كده بصلي وقال أنا عارف إني ما استحقش فرصة لكن أنا عايز أصلح اللي عملته. بصيت لبنتي الصغيرة اللي كانت نايمة بهدوء بين إيديا. حياتي كلها اتغيرت في يوم واحد. قلت له بهدوء أنا مسامحتك كإنسان لكن حياتي مش هترجع زي الأول. هز راسه وقال أنا مش طالب ترجعيلي أنا بس عايز أبقى أب لبنتي. مرت الشهور بعدها ببطء. تامر بدأ يزور بنته بانتظام. كان واضح إنه بيحاول يعوض السنين اللي ضاعت قبل ما تبدأ. كل مرة يشيلها فيها كنت بشوف الندم الحقيقي في عينيه. وفي يوم وهو شايلها بين إيديه بصلي وقال جملة عمرها ما هتتنسي البنت دي أنقذتني
من