شر اختي و زوجي
الساعة اللي اديتهم لهم بدأت تمشي ببطء تقيل… كأن عقاربها بتتفرج على المشهد معايا.
آية فضلت واقفة مكانها لحظات، عينيها بتتنقل بين الورق اللي قدامها وبين طارق، كأنها مستنية حد يقول إن ده هزار. لكن الورق كان واضح: عقد البيت باسمي، الحسابات باسمي، حتى العربية اللي واقفة تحت العمارة باسمي.
أنا قعدت بهدوء على الكرسي، حطيت رجلي على رجل، وقلت بصوت ثابت:
"الساعة بدأت."
طارق حاول يفتح بقه يتكلم، لكن الكلمات كانت بتطلع متكسرة.
"نهى… إحنا ممكن نتكلم…"
رفعت إيدي أوقفه.
"لا. الكلام كان قبل كده."
البيت سكت تماماً. حتى صوت التكييف اللي كان شغال طول الوقت حسيت إنه اختفى فجأة.
آية أخيراً انفجرت. ضربت الترابيزة بإيدها وقالت بعصبية:
"إنتي بتطردينا؟!"
بصيت لها بهدوء وقلت:
"أنا بطرد حد دخل بيتي كضيف… ونسي إنه ضيف."
كلمتي كانت تقيلة. حسيتها وقعت على وشها زي باب بيتقفل.
طارق
"نهى… إحنا قضينا سنين مع بعض."
ضحكت ضحكة صغيرة، بس من غير أي فرحة.
"آه… سنين. وأنا كنت فاكرة إننا فريق."
بص في الأرض وسكت.
آية قربت منه بسرعة، شدته من دراعه وقالت بعصبية:
"واقف ليه؟ قولها حاجة! ده بيتك!"
طارق رفع عينه لها ببطء… وقال الجملة اللي خلّت الجو يتجمد أكتر:
"قولتلك… مش بيتي."
لحظة الصمت اللي بعدها كانت أطول من اللي قبلها.
آية بدأت تمشي في الصالون بعصبية، إيديها في شعرها، صوت خطواتها على الأرضية الرخام كان عالي جداً.
"مستحيل… مستحيل أخرج كده!"
بصيت للسقف لحظة… وخدت نفس طويل.
جوايا كان فيه حاجة بتتكسر، بس في نفس الوقت فيه حاجة تانية بتتقفل للأبد.
قمت وقفت، ومشيت ناحيتهم. لما قربت، الاتنين سكتوا.
قلت بهدوء:
"فضل قدامكم 45 دقيقة."
آية بصت لي بنظرة مليانة غضب.
"إنتي قلبك حجر."
هزيت كتفي:
"لا… قلبي بس اتعلم."
مرت أول عشر دقايق وهم لسه واقفين مكانهم.
بعد ربع ساعة، طارق أخيراً طلع فوق يلم هدومه. خطواته على السلم كانت بطيئة… كأن كل درجة بتفكره إنه خلاص بيخرج من حياة كاملة.
آية فضلت واقفة في الصالون، تبص لي بنظرات مليانة كره.
قعدت أنا على الكنبة وفتحت موبايلي، كأني مش مهتمة.
بعد شوية قالت بحدة:
"إنتي مستمتعة بالمشهد ده، صح؟"
رفعت عيني من الموبايل وقلت بهدوء:
"لا."
وسكتت لحظة قبل ما أكمل:
"أنا بس خلصت."
الجملة دي خلتها تسكت.
يمكن لأول مرة استوعبت إن الموضوع مش خناقة… الموضوع نهاية.
بعد نص ساعة، طارق نزل السلم وهو شايل شنطة صغيرة.
بص حواليه في البيت… نظرة طويلة.
أنا كنت عارفة النظرة دي.
نظرة حد فاهم إنه ضيع حاجة كبيرة.
وقف قدامي وقال بصوت واطي:
"أنا… آسف."
الكلمة خرجت متأخرة جداً.
بصيت له لحظة… وبعدين قلت:
"
ما ردش.
آية كانت واقفة عند الباب، متوترة ومستعجلة.
واضح إنها عايزة تمشي قبل ما كرامتها تتكسر أكتر.
مسكت شنطتها وفتحت الباب بعنف.
قبل ما تخرج، لفت لي وقالت بسخرية:
"هتفضلي لوحدك في البيت الكبير ده."
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
"على الأقل… بيتي."
الجملة دي كانت آخر حاجة سمعتها قبل ما تخرج.
طارق وقف لحظة عند الباب… كأنه عايز يقول حاجة تانية.
لكن في الآخر… نزل راسه وخرج.
الباب اتقفل.
أول ما سكتت الشقة… حسيت الهدوء نزل فجأة.
هدوء تقيل.
مشيت ببطء في الصالون… نفس الصالون اللي من ساعة بس كان مليان صراخ.
قعدت على الكنبة.
بصيت حواليا… على الصور… على العفش… على البيت اللي بنيته خطوة خطوة.
الغريب إني ما عيطتش.
يمكن لأن الدموع كانت خلصت من زمان… وأنا بس ماكنتش واخدة بالي.
بعد شوية، قمت وقفت.
فتحت الشبابيك كلها… دخل هوا الليل
وكأن البيت نفسه بيتنفس لأول مرة.
وقفت قدام الشباك وبصيت على الشارع تحت.
العربية اللي كانوا فيها اتحركت… واختفت في آخر الشارع.