الهدوم القديمة تكشف السر
إحساس إن مريم لسه ما حكتش كل اللي حصلها، وإن اللي اتكشف مجرد أول طبقة من مصيبة أكبر بكتير.
في أول ليلة بعد دفن بقايا مريم، جمال نام بالعافية، ولأول مرة من سنين، شافها في الحلم… مريم، مش صغيرة زي ما فاكرها، كانت أكبر، وشها شاحب بس عينيها فيها نفس النظرة، نظرة خوف واستغاثة، وقفت قدامه وقالت جملة واحدة بس: “مش لوحدي…” وصحى مفزوع، قلبه بيدق بعنف، الجملة دي فضلت ترن في ودانه طول اليوم، مش لوحدي؟ يعني إيه؟ يعني كان فيه حد تاني؟
رجع البيت تاني يوم، رغم إن كل حاجة جواه كانت رافضة، دخل أوضة جده، اللي بقت متقفلة بالشمع الأحمر، بس قدر يدخل بتصريح من الظابطة نهى، اللي بدأت هي كمان تحس إن في حاجة مش مظبوطة، خصوصًا بعد ما جمال حكى لها الحلم، حاولت تقنع نفسها إنه مجرد صدمة نفسية، بس حدسها كان بيقول غير كده.
بدأ جمال يبص في كل تفصيلة في الأوضة، مش كواحد بينضف، لكن كواحد بيدور على روح تايهة، فتح
نفسه اتقطع وهو بيقرا، وكل كلمة كانت بتكسر فيه حتة، مريم كانت بتكتب عن أول يوم اتحبست فيه، عن صراخها، عن توسلاتها، عن خوفها من الضلمة، عن صوت الخطوات فوقها وهي بتستنى حد ينزل، ووسط الكلام، جملة خلت الدم يجمد في عروقه: “مش أنا بس… في واحدة تانية قبلي… سمعت صوتها… كانت بتعيط في الضلمة…”
جمال حس إن الأرض بتميد بيه، واحدة تانية؟ يعني مريم ماكنتش أول ضحية؟ جري على الظابطة نهى، واداها الدفتر، قعدت تقراه بتركيز، وكل ما تكمل صفحة، ملامحها كانت بتتغير، لحد ما قفلت الدفتر وقالت بحزم: “إحنا لازم نفتح المكان ده تاني… بالكامل.”
رجعوا للسرداب، المرة دي مش
الاسم وقع زي الصاعقة على ليلى، اللي كانت واقفة بتتفرج، أول ما سمعت الاسم، صرخت ووقعت، لأنها كانت عارفة… نادية كانت أختها… اختفت من 25 سنة، وقالوا وقتها إنها هربت، نفس الكدبة… نفس السيناريو… نفس النهاية.
الحقيقة بقت أوضح وأبشع: الحاج محمود ماكنش مجرد راجل قاسي… كان بيخبي جرايمه تحت رجليهم، وكل مرة يختار ضحية، وكل مرة العيلة تسكت، تخاف، أو تتغاضى.
مارك، لما واجهوه بالاكتشاف الجديد، انهار أكتر، واعترف إن نادية كمان اتحبست بنفس الطريقة، وإنه كان أصغر ومش فاهم وقتها، وإنه عاش عمره كله خايف، وإن مريم لما حصل لها نفس اللي حصل لنادية، حس إن التاريخ بيعيد نفسه، بس جبنه خلاه يسكت تاني.
القضية قلبت البلد، بقت حديث الناس، مش مجرد
جمال، رغم كل الألم، قرر يكمل، بدأ يدور في تاريخ جده، علاقاته، أي حد اختفى فجأة وكان ليه علاقة بيه، وكل ما يحفر، يلاقي خيوط أكتر، كأن الحكاية مالهاش نهاية.
وفي ليلة تانية، بعد ما رجع مرهق، حلم بمريم تاني، بس المرة دي ماكنتش لوحدها، كانت واقفة جنب بنت تانية، ملامحها شبه ليلى، فهم على طول إنها نادية، الاتنين كانوا بيبصوا له، ومريم قالت له: “فيه غيرنا… دور كويس…”
صحى وهو عارف إن النهاية لسه بعيدة، وإن اللي حصل لعيلته ممكن يكون جزء من حاجة أكبر، شبكة أسرار، أو تاريخ أسود محدش فتحه قبل كده.
وقف قدام البيت، بص له نظرة طويلة، وقال لنفسه: “أنا مش همشي… مش قبل ما أعرف كل حاجة… ومش قبل ما كل اللي اتظلموا يرتاحوا.”
ومن اللحظة دي، جمال مبقاش مجرد أخ بيدور على حق أخته… بقى واحد بيحارب ماضي كامل، ماضي مليان دم وسكوت،