شقا عمري ضاع في قلم… وأبويا طلع بيبيعني بالبنك
شقا عمري ضاع في قلم… وأبويا طلع بيبيعني بالبنك!
أنا اسمي فوزية، عندي 28 سنة، ولو سألت أي حد يعرفني يقولك دي البنت اللي عمرها ما قالت “لا” لحد في بيتها، البنت اللي شايلة الليلة كلها وساكتة، البنت اللي كانت بتشتغل شيفت الصبح في مركز علاج طبيعي، وبالليل تاخد حالات في البيوت، وترجع آخر اليوم مهدودة بس راضية… أو كانت فاكرة نفسها راضية.
خمس سنين كاملين، وأنا عايشة زي المكنة… لا فسحة، لا لبس جديد، لا حتى فنجان قهوة من كافيه حلو، كل جنيه كنت بحوشه وأنا حاطة في دماغي هدف واحد بس: شقة، مكان أهرب فيه من إحساس إني “تقيلة” على بيت مش حاسس بيا أصلاً. كنت شايفة أختي كريمان عايشة حياتها عادي، تخرج، تشتري، تتدلع… وأنا اللي بدفع، بحجة إنها “لسه صغيرة” و”لازم نساعدها في مستقبلها”.
بس أنا كمان كان ليا مستقبل… بس محدش كان شايفه غيري.
اليوم اللي مسكت فيه مفتاح الشقة، عمري ما هنساه… الباب كان بيزيق، الحيطان لونها باهت، والأرضية محتاجة تتغير، بس أول ما قفلت الباب عليا، حسيت لأول مرة إني في أمان. قعدت على الأرض وعيطت زي العيال، مش حزن… ده كان وجع بيتفك من صدري بعد سنين.
غلطتي الوحيدة إني فرحت… وغلطتي الأكبر إني شاركت الفرحة دي مع أهلي.
في يوم العشا، وأنا بابتسم وقلبي بيدق من الحماس، قلت: “أنا اشتريت شقة”. سكون… سكون غريب، كأن حد
الكلمة نزلت عليا زي الطوبة. إذن؟ أنا بشتغل وبصرف على نفسي وعلى البيت كمان!
وقبل ما أستوعب، كمل: “الشقة دي هتتباع… أختك محتاجة تعمل ماجستير، والفلوس دي أولى بيها”. بصيت لكريمان… كنت مستنية كلمة، أي كلمة، تقول “لا”، تدافع عني… بس لا، نزلت عينها في الأرض وسكتت.
في اللحظة دي حسيت إن ظهري اتكسر.
قلت بهدوء متكسر: “أنا مش هبيع بيتي”. بعدها كل حاجة حصلت بسرعة… صوته على، إيده اتمدت، والقلم نزل على وشي لدرجة إني وقعت على الأرض. طعم الدم في بوقي، وطنين في ودني، ونظرة أمي اللي فيها خوف… بس مفيهاش اعتراض.
محدش وقف في صفّي.
محدش قال “كفاية”.
سمعته بيزعق: “اطلعي برا! لو فاكرة نفسك مستقلة، عيشي بقى لوحدك!”
طلعت… من غير ما أبص ورايا. وأنا ماشية في الشارع، كنت بردانة، بس مش من الهوا… من الإحساس إن كل حاجة كنت فاكرة إنها “عيلة” طلعت وهم.
قعدت في شقتي الجديدة، لوحدي، وحاولت أبدأ من أول وجديد. قفلت موبايلي، عملت بلوك لكل حد، وقلت خلاص… اللي فات مات.
بس الماضي مبيموتش بسهولة.
بعد أربع أيام، موبايلي رن برقم غريب… رديت، لقيت أمي بتعيط بشكل هيستيري: “إلحقي يا فوزية… أبوكي
في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.
رحت البنك تاني يوم وأنا مش فاهمة حاجة… قعدوا قدامي بالأوراق، توقيعات… اسمي… بطاقتي… كل حاجة تثبت إني أنا اللي واخدة القروض دي. مبالغ مش صغيرة… أرقام عمري ما شفتها في حسابي حتى.
إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب في الورق… وبعدين شوفتها… توقيعي، أو حاجة شبهه.
أبويا.
أبويا كان مزور توقيعي… واخد قروض باسمي… وصارف الفلوس، وسايبني أنا ألبس القضية.
ساعتها بس فهمت… أنا مكنتش بنتهم… أنا كنت “استثمار”. حساب مفتوح يمشوا منه فلوس، واسم يتكتب عليه ديون.
رجعت البيت القديم، وأنا في حالة مش طبيعية… خبطت الباب بعنف، ولما فتح، دخلت من غير استئذان. بصلي باستغراب وقال: “إيه اللي جابك؟”
رميت الورق في وشه وقلت: “إيه ده؟!”
وشه اتغير… بس حاول يتمالك نفسه وقال: “متكبريش الموضوع… دي شوية فلوس وهتتسدد”.
ضحكت… ضحكة غريبة حتى أنا خفت منها. “هتتسدد؟ باسمي أنا؟ وأنا أتحبس؟!”
سكت… ولأول مرة، شفت الخوف في عينه.
كريمان خرجت من أوضتها، وأمي وراها… الكل واقف بيتفرج. قلت بصوت عالي: “مين فيكم كان عارف؟”
الصمت رجع تاني… نفس الصمت اللي اتكسر بيه وشي من كام يوم.
قربت منه وقلت بهدوء مخيف: “أنا هبلغ عنك”.
الكلمة وقعت زي القنبلة. أمي صرخت، كريمان قالت: “إنتي
بس المرة دي… أنا ما خفتش.
لأول مرة في حياتي، حسيت إني لو رجعت خطوة، هموت مش هعيش.
بلغت.
القضية كبرت، والبنك دخل، وتحقيقات بدأت، والتوقيعات اتفحصت… وكل حاجة كانت بتثبت إنه هو اللي عمل كده. حاول يساومني، يبعت ناس تكلم، أمي تعيط، كريمان تترجى… بس أنا كنت خلاص خرجت من الدور القديم.
مش بنتهم… ولا الحصالة… ولا الضحية.
أنا بقيت حد تاني.
القضية خدت وقت، واتعرضت لضغط نفسي مش طبيعي، بس في الآخر… الحقيقة ظهرت. اتحكم عليه، والقروض اتلغت من عليا بعد ما ثبت التزوير.
طلعت من المحكمة وأنا حاسة إن في جبل اتشال من على صدري… بس برضه، في حاجة ماتت جوايا للأبد.
رجعت شقتي… قفلت الباب… نفس الباب اللي دخلته أول مرة وأنا بحلم، دخلته المرة دي وأنا عارفة إن الحلم ده اتدفع تمنه غالي قوي.
بس على الأقل… كان بتاعي.
مش هقولك إن النهاية سعيدة… بس هقولك إنها حقيقية.
وأحيانًا… الحقيقة أهم من أي نهاية.
بعد ما خرجت من المحكمة، كنت فاكرة إن الكابوس خلص… إن الصفحة اتقفلت، وكل واحد هيروح لحاله. بس الحقيقة إن اللي حصل كان مجرد بداية لحرب تانية… حرب جوايا أنا.
رجعت شقتي في هدوء، قفلت الباب ورايا، وسندت ضهري عليه… نفس الحركة اللي عملتها أول يوم، بس الإحساس