شقا عمري ضاع في قلم… وأبويا طلع بيبيعني بالبنك

لمحة نيوز

عدّت أيام وأنا بحاول أرجع لحياتي الطبيعية… شغلي، حالاتي، المرضى اللي مستنيين مني ابتسامة وأمل. كنت بضحك في وشهم، أتكلم عادي، أشتغل بإيدي… لكن أول ما أرجع البيت، كل حاجة تقع. الصمت كان تقيل… تقيل لدرجة إنه كان بيوجع.

كنت فاكرة إن أصعب حاجة هي اللي حصل في البنك… بس لا، الأصعب كان الإحساس إني بقيت لوحدي بجد. مفيش بيت أرجع له غير ده، ومفيش حد أتكلم معاه من غير ما أفكر ألف مرة.

وفي وسط ده كله… الموبايل رن.

رقم كريمان.

بصيت له كتير… قلبي دق بسرعة، مش خوف، بس حاجة غريبة كده بين الحنين والغضب. سيبته يرن… قفل. بعد دقايق، رسالة:
“ماما تعبانة… وعايزة تشوفك.”

قعدت أبص للكلام… جوايا صوتين، واحد بيقول “ملكيش دعوة، سيبيهم يتحملوا نتيجة اللي عملوه”، والتاني… صوت ضعيف بيقول “دي أمك”.

روحت.

دخلت البيت وأنا حاسة إني داخلة مكان غريب… نفس الحيطان، نفس الريحة، بس أنا مش أنا. أمي كانت نايمة على السرير، وشها أصفر وعينيها غرقانة دموع.

أول ما شافتني، مدت إيدها وقالت بصوت مكسور:
“سامحيني يا بنتي…”

الكلمة وجعتني… مش لأنها اعتذار، لكن لأنها جات متأخر قوي.

قعدت جنبها، وسكت… مش عارفة أقول إيه. كريمان كانت واقفة في الركن، باصة في الأرض، لأول مرة شكلها مش واثقة من نفسها.

أمي بدأت تتكلم… كلام كتير عن إنها كانت خايفة، وإنها كانت دايمًا بتسكت عشان “تحافظ على البيت”، وإنها عارفة إنها غلطت بس مكانتش قادرة تواجه.

بصيت لها وقلت بهدوء:
“والبيت ده كان فين لما اتضربت؟ لما اترميت برا؟ لما اتحطيت في قضية ممكن تدخلني السجن؟”

ما ردتش… بس دموعها نزلت أكتر.

كريمان قربت وقالت بصوت واطي:
“أنا… أنا كنت عارفة عن القروض.”

الجملة خبطتني زي صاعقة.

لفيت لها ببطء:
“كنتي عارفة؟”

هزت راسها وهي بتعيط:
“بس كنت فاكرة إنه هيصلح الموضوع… والله يا فوزية ما كنت فاهمة إنها هتوصل لكده…”

ضحكت… ضحكة مرة:
“طبعًا… ما انتي طول عمرك متعودة حد تاني يدفع التمن.”

سكتت، ومقدرتش تبصلي.

قمت

من مكاني، حسيت إن المكان بيخنقني. قبل ما أمشي، أمي مسكت إيدي وقالت:
“إحنا محتاجينك… أنا لوحدي دلوقتي.”

وقفت شوية… وبعدين سحبت إيدي بهدوء وقلت:
“وأنا كنت لوحدي من زمان… بس محدش خد باله.”

ومشيت.

رجعت شقتي، وأنا حاسة إن في حاجة جوايا اتقفلت خلاص… باب اتقفل ومفيش رجوع.

الأيام عدّت… وبدأت أركز على نفسي لأول مرة. غيرت في الشقة، لونت الحيطان، اشتريت حاجات بسيطة تفرحني، وبدأت أحوش تاني… بس المرة دي مش عشان أهرب، لأ… عشان أعيش.

وفي يوم، وأنا في الشغل، جاتلي حالة جديدة… شاب عنده إصابة في ضهره، محتاج جلسات علاج طبيعي. كان هادي، محترم، وبيتكلم بطريقة مختلفة… مش زي الناس اللي أنا متعودة عليها.

اسمه “سليم”.

في الأول، العلاقة كانت شغل بس… جلسات، تعليمات، التزام. بس مع الوقت، بدأ يسألني عني، عن يومي، عن رأيي في حاجات بسيطة. ومع كل مرة كنت بحاول أقفل الكلام، كان بيلاقي طريقة يفتح باب صغير… مش بإلحاح، بس بهدوء.

وفي يوم، سألني:
“هو

انتي دايمًا لوحدك كده؟”

سكت… السؤال كان بسيط، بس وراه حكاية طويلة. قلت له:
“آه… أحسن.”

بصلي شوية وقال:
“مش دايمًا الوحدة بتبقى أحسن… ساعات بتبقى أأمن بس.”

الجملة فضلت ترن في دماغي.

بدأت أحس إني بخاف… مش منه، لكن من إني أفتح باب تاني، أثق، وأتوجع تاني. بس في نفس الوقت، كان في جزء جوايا… صغير، بيقول يمكن مش كل الناس زي بعض.

وفي نفس الفترة، المشاكل في البيت القديم ما خلصتش… كريمان اتصلت تاني، المرة دي مش عشان أمي… عشان فلوس.

“محتاجين مساعدة… إحنا في أزمة.”

قفلت المكالمة من غير رد.

المرة دي، ما فيش صراع جوايا… القرار كان واضح.

أنا مش مسؤولة عنهم تاني.

أنا مش الحصالة… ولا الضحية.

أنا فوزية… اللي اتكسرت، بس ما انتهتش.

وفي يوم، وأنا واقفة في البلكونة، ببص على الشارع، حسيت بهدوء غريب… لأول مرة من سنين، مفيش حد بيطلب مني حاجة، مفيش صوت بيضغط عليا، مفيش خوف من بكرة.

يمكن حياتي مش مثالية… يمكن لسه في جروح، ولسه

في حاجات بتوجع لما بافتكرها.

بس أنا بقيت حرة.

والحرية… طعمها يستاهل كل اللي اتدفع.

تم نسخ الرابط