قسوة زوجي

لمحة نيوز

وياسين؟ بقى ينام من غير ما يصحى مفزوع.

وأنا؟

أنا بقيت أعرف حاجة واحدة بس…

إن السكوت مش دايمًا حكمة.

أوقات… السكوت بيبقى شراكة في الجريمة.

ولو الزمن رجع بيا؟

كنت هقف من أول قلم.

مش هستنى لحد ما بنتي تتكسر قدامي.

بس على الأقل… النهاية دي كانت بداية.

بداية لحياة من غير خوف… ومن غير “سلاسل” بتتوارث.

ونهاية لـ “مسلخ” كان لازم يتقفل… بأي تمن.

بعد ما خرجنا من القسم في اليوم ده، كنت فاكرة إن أصعب حاجة عدّت… وإن اللي جاي هيبقى أهدى شوية، حتى لو مليان تعب… بس الحقيقة كانت عكس كده تمامًا، لأن أول ما بتكسر نظام قائم على الخوف والفلوس والنفوذ، هو مش بيقع بسهولة… هو بيقاوم، وبيحارب، وبيحاول يرجّعك لنفس الحفرة تاني.

ليلى كانت قاعدة جنبي في العربية، ساكتة، عينيها على إيديها اللي كانت لسه باين فيها آثار الكدمات، وأنا ماسكة الدركسيون بإيد بتترعش، مش من الخوف… من الغضب اللي لسه مولّع جوايا. بصّت لي فجأة وقالت بصوت واطي: “هو خلص كده يا ماما؟”… السؤال كان بسيط، بس إجابته كانت تقيلة… هزّيت راسي وقلت: “لسه يا بنتي… بس إحنا ابتدينا صح.”

أول أسبوع بعد البلاغ كان جحيم… تليفونات ما بتسكتش، أرقام غريبة، ناس بتتكلم بنبرة تهديد مبطّن، وناس تانية بتمثل إنها “بتنصح”

وبتقول لي “اقفلي الموضوع عشان بنتك”… وكأن اللي بنتي عاشت فيه ده موضوع يتقفل! وكأن كرامتها دي حاجة قابلة للتفاوض.

وفي يوم بالليل، حد خبط على الباب خبط عنيف… قلبي وقع، بس ما فتحتش… فضلت واقفة ورا الباب أسمع صوت رجالة بيهمسوا، وبعدها مشيوا… تاني يوم الصبح لقيت ورقة متزحلقة من تحت الباب، مكتوب فيها: “خليكي في حالك… عشان اللي حصل زمان ممكن يتكرر.” فهمت الرسالة كويس… هم بيلعبوا على الخوف القديم… على موت أم رامي… على الفكرة إن اللي حصل قبل كده ممكن يحصل تاني.

بس المرة دي… أنا ما خفتش.

خدت الورقة، وحطيتها مع باقي الأدلة.

ليلى بدأت تدخل في حالة صعبة… كوابيس، صحوة مفزوعة، صوتها بيرتعش لو التليفون رن… كانت بتلوم نفسها، بتقول: “أنا اللي سمحت بكده… أنا اللي سكت”… وكنت كل مرة أمسك وشها بإيدي وأقولها: “إنتي كنتي بتحاولي تعيشي… مش بتوافقي على الأذى… في فرق كبير.”

قررت أودّيها لدكتورة نفسية… في الأول رفضت، قالت “أنا مش مجنونة”… قلت لها “ولا أنا شايفة كده… بس إحنا محتاجين نداوي اللي محدش شايفه.” وبعد جلسات، بدأت تفك… تتكلم… تبكي… وتطلع كل اللي جواها سنين.

أما “ياسين”… فكان التحدي الأكبر.

الولد بقى يخاف من أي صوت عالي، لو شاف راجل بيعلي صوته في الشارع يمسك في

هدومي ويستخبى… مرة سألني: “هو بابا وحش؟”… السؤال ده كسرني نصين… ما قدرتش أقول له “آه” ولا “لأ”… قلت له: “بابا غلط… وإحنا بنحاول نمنع الغلط ده.” كان لازم أحافظ على براءته… من غير ما أزوّر الحقيقة.

القضية بدأت تكبر… واتحولت من “خناقة أسرية” زي ما كانوا عايزين يصوروها… لقضية عنف ممنهج… في شهود طلعوا، جيران قدام قالوا إنهم كانوا بيسمعوا صريخ زمان… خدامة قديمة اعترفت إنها شافت بعينيها حاجات كتير وسكتت عشان كانت خايفة.

والصورة… الصورة كانت الضربة القاضية.

خط إيد رامي ما قدرش ينكره… حاولوا يقولوا إنها مفبركة… بس التقارير أثبتت إنها حقيقية، وإن الحبر قديم، وإن الكلام مكتوب من سنين.

أكتر حاجة كانت صادمة بالنسبة لي… إن رامي في التحقيق انهار… مش ندمان… لأ… كان بيصرخ وبيقول: “أنا اتربيت على كده! ده الطبيعي! الراجل يسيطر!”… ساعتها فهمت إن اللي إحنا بنحاربه مش شخص واحد… ده فكر كامل.

عثمان بيه حاول يستخدم كل نفوذه… محامين كبار، علاقات، فلوس… بس كل ده بدأ يقع قدام الأدلة، وقدام صوتنا اللي ما سكتش.

وفي يوم الجلسة… اليوم اللي استنيته وأنا مش عارفة نهايته… دخلت المحكمة وأنا إيدي في إيد ليلى… كانت ضعيفة، بس ماشية… وده كان كفاية بالنسبة لي.

رامي كان واقف، شكله مش

زي الأول… مش واثق… مش متحكم… لأول مرة، باين عليه الخوف.

القاضي سمع الكل… الأدلة، الشهادات، التقارير… وكل دقيقة كانت بتعدي كأنها سنة.

ولما الحكم اتقال… حسيت إن نفسي رجع لي بعد ما كان محبوس.

رامي اتحكم عليه بعقوبة قاسية… مش بس عشان اللي عمله في ليلى… عشان كمان اللي كان جزء منه من تاريخ أبوه.

وعثمان بيه؟ ما وقعش مرة واحدة… بس سمعته… اسمه… كل حاجة بدأِت تتكسر.

خرجنا من المحكمة، وليلى كانت بتعيط… بس لأول مرة دموعها كانت فيها راحة، مش خوف.

حضنتها جامد، وقلت لها: “خلصنا يا بنتي.”

بصّت لي وقالت: “لأ… إحنا ابتدينا من جديد.”

عدّى وقت… مش قليل… بس الحياة بدأت ترجع.

ليلى اشتغلت… بدأت تعتمد على نفسها… تضحك تاني، واحدة واحدة.

ياسين دخل مدرسة جديدة… وبقى يرسم… كل رسوماته كانت فيها شمس كبيرة… يمكن لأنه أخيرًا حس بالدفا.

وأنا؟

أنا بقيت أقوى… مش عشان كنت عايزة… عشان اضطرّيت.

بقيت أساعد ستات تانية… أي واحدة تيجي تحكي لي قصتها، ما بسيبهاش تحس إنها لوحدها… بقولها نفس الجملة اللي غيرت حياتي:

“السكوت مش بيحميكي… السكوت بيكسرِك.”

وأوقات… كنت بقعد لوحدي، أفتكر اليوم اللي في المطعم… اللحظة اللي شد فيها شعر بنتي… وأقول لنفسي:

“الحمد لله إني ما سكتش المرة دي.”

لأن

قرار واحد… في لحظة واحدة… ممكن يغيّر مصير أجيال كاملة.

وإحنا… اخترنا نكسر السلسلة.

للأبد.

تم نسخ الرابط