اشتغلت 17 سنة عشان تبني لأمها بيت أحلامها…
هناء فضلت واقفة في نص الأوضة كأن الأرض اتسحبت من تحت رجليها، عينها بتلف على كل ركن في البيت اللي كانت فاكرة إنه بقى جنة، لكن الحقيقة كانت أقسى من أي كابوس نفس التراب، نفس الشقوق، نفس الفقر اللي سابته من 17 سنة. قلبها كان بيدق بعنف، مش من الصدمة بس من الخيانة.
بصت لأمها تاني، الصوت خرج منها مبحوح
أنا بسألك تاني يا ماما الفلوس راحت فين؟
الست هدى قعدت على الكرسي الخشب القديم، وكأن رجليها مبقتش شايلها، وحطت إيديها في حجرها وهي بتفركهم بتوتر
الدنيا كانت صعبة يا بنتي مصاريف ظروف
هناء قاطعتها بعصبية، صوتها علي لأول مرة
ظروف إيه؟! أنا كنت ببعت آلاف! آلاف يا ماما! مش فلوس أكل وشرب بس!
سكتت الأم، وسكوتها كان أبلغ من أي رد. هنا هناء حسّت إن الحقيقة أوحش بكتير من أي توقع. قربت منها خطوة، عينيها دموعها متحجرة
قوليلي الحقيقة عصام خد الفلوس؟
الاسم خرج تقيل، وكأنه اتهام جاهز من سنين.
الست هدى غمضت عينيها، ودمعة نزلت ببطء، وده كان الاعتراف اللي هناء كانت مستنياه بس مش مستعدة له.
أخوكي كان محتاج
ضحكة مريرة طلعت من هناء، ضحكة وجع مش هزار
محتاج؟! محتاج 17 سنة؟!
بدأت الصورة تكتمل في دماغها، كل مرة كانت أمها تتهرب،
عمل إيه بالفلوس؟! قولي!
الأم بصت في الأرض، وقالت بصوت واطي
فتح مشروع وخسر وبعدين دخل في شغل تاني وبرضه خسر
هناء حست إن صدرها بيضيق
يعني أنا كنت بشقى وأموت نفسي عشان واحد بيلعب بالفلوس؟!
الأم رفعت صوتها فجأة وكأنها بتدافع
ده أخوكي! دمه من دمك! كنت أعمل إيه؟ أسيبه يضيع؟!
اللحظة دي كانت القشة اللي قصمت كل حاجة. هناء رجعت لورا خطوة، وكأنها بتبعد عن غريبة مش أمها.
وأنا؟ أنا كنت إيه؟! مش بنتك؟! ولا كنت ماكينة فلوس؟!
سكتت الأم، والسكوت المرة دي كان اعتراف كامل.
هناء افتكرت كل ليلة نامت فيها وهي جعانة، كل مرة جسمها وقع من التعب، كل عيد قضته لوحدها وهي بتكلم نفسها عشان متعيطش كل ده عشان حلم واحد طلع وهم.
يعني كل مرة كنتي بتقوليلي البيت بيخلص كنتي بتكذبي؟
الأم مردتش بس دموعها نزلت.
كنتِ بتطبطبي عليا عشان أبعت أكتر؟!
الست هدى همست
كنت خايفة أقولك كنت هتبطلي تبعتي
الكلمة دي خبطت هناء في قلبها زي السكينة.
آه يعني أنا كنت بنك مش بنت.
في اللحظة دي، الباب اتفتح بعنف، ودخل عصام شكله متبهدل، هدومه مكركبة، وعينه فيها قلة راحة. أول ما شاف هناء، اتصدم
إيه ده؟! إنتي
هناء بصتله نظرة كلها احتقار
أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده إيه ده؟ إنت عملت إيه في فلوسي؟
عصام حاول يضحك بتوتر
فلوس إيه بس الدنيا قسمة ونصيب
قبل ما يكمل، هناء قربت منه وخبطته على صدره بإيدها
قسمة ونصيب إيه؟! ده عرق 17 سنة! 17 سنة يا بني آدم!
عصام اتعصب هو كمان
ما أنا أخوكي! مش غريب! وبعدين أنا كنت هقف على رجلي بس الحظ وحش!
هناء صرخت
الحظ؟! ولا الفشل؟! ولا الاستهتار؟!
الأم دخلت بينهم تحاول تهدي
خلاص بقى اللي حصل حصل
هناء بصتلها بصدمة
خلاص؟! إزاي خلاص؟! عمري ضاع!
سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت هادي مخيف
أنا كنت ببني بيت إنتو هديتوه.
الجو كله سكت، وكأن الزمن وقف.
هناء مسحت دموعها بإيد ثابتة، وبصت حواليها آخر مرة البيت اللي كان حلمها بقى دليل خيانتها.
أنا مش هقعد هنا.
الأم شهقت
هتمشي؟ تسيبيني؟!
هناء ردت ببرود
زي ما سبتيني 17 سنة.
عصام حاول يتكلم
استني بس نفهم
لكنها رفعت إيدها توقفه
مفيش كلام تاني.
راحت ناحية شنطها، شالتهم، ومشيت ناحية الباب وقبل ما تخرج، وقفت لحظة من غير ما تبص وراها وقالت
أنا سامحت التعب سامحت الغربة حتى سامحت الوحدة بس الخيانة؟ لأ.
وفتحت الباب وخرجت.
الشارع كان زحمة، والدنيا
ركبت تاكسي من غير ما تحدد هتروح فين بس كانت عارفة حاجة واحدة إنها لازم تبدأ من جديد لنفسها المرة دي.
عدّى وقت شهور، يمكن سنة وهنا كانت البداية الحقيقية.
هناء ما رجعتش أمريكا قررت تعيش في مصر، بس مش بنفس الطريقة القديمة. اشتغلت، تعبت، بس كل جنيه كان ليها هي. واحدة واحدة، بدأت تبني مش بيت بس كرامتها.
وفي يوم، كانت واقفة قدام شقة صغيرة، مفاتيحها في إيدها مش قصر، بس نظيف، آمن ملكها هي.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت لنفسها
المرة دي محدش هيخد حلمي مني.
أما الست هدى فضلت في البيت القديم، وكل يوم تبص على الباب، مستنية بنتها ترجع بس المرة دي، مفيش فلوس جاية ومفيش كدب ينفع.
وعصام؟ فضل يلف في نفس الدايرة بس من غير حد يسنده.
القصة مخلصتش بس هنا لأن الوجع بيعلّم، وهناء اتعلمت درس عمره ما هتنساه
إن الحب من غير أمانة بيبقى .
عدّى وقت طويل، بس الوجع اللي جوا هناء مكنش بيعدّي بسهولة كان ساكن فيها، بيظهر في تفاصيل صغيرة في صوت باب بيتها الجديد وهي بتقفله كل ليلة وتتأكد منه مرتين، في قلقها وهي بتعد فلوسها بإيديها، وفي إحساسها الدائم إن الأمان مش حاجة مضمونة.
رغم