اشتغلت 17 سنة عشان تبني لأمها بيت أحلامها…

لمحة نيوز

القاهرة، الأول كانت مجرد موظفة عادية، بس بطبعها اللي اتعود على التعب، كانت أول واحدة تيجي وآخر واحدة تمشي. مديرها بدأ يلاحظ، وبعد شهور قليلة بقت مسؤولة عن قسم كامل.
الناس حواليها كانوا شايفينها قوية بس محدش كان شايف اللي جواها. كانت بترفض أي حد يقرب، أي صداقة، أي علاقة حتى لما واحد من زملائها حاول يتقرب منها، قالتله بمنتهى الهدوء
أنا مش ناقصة وجع جديد.
وفي ناحية تانية من المدينة، كانت الست هدى قاعدة في نفس البيت القديم بس المرة دي الصمت كان تقيل. مفيش مكالمات كل أسبوعين، مفيش فلوس جاية، مفيش بنت بتقول حاضر يا ماما. كل يوم كانت بتصحى وتبص على الباب، يمكن هناء ترجع بس الباب كان ساكت.
عصام بقى حاله أسوأ الديون كترت، الناس بقت تطلبه، وأصحابه اللي كانوا بيظهروا وقت الفلوس اختفوا. حاول يشتغل كذا شغلانة، بس كان متعود على الطريق السهل وكل مرة يفشل، كان يرجع يزعق في أمه
إنتي السبب! لو كنتي خليتيها تبعت أكتر
الست هدى كانت بتسمع وتسكت
لأنها عارفة الحقيقة هي اللي خربت كل حاجة بإيديها.
في يوم، بعد شهور من القطيعة، جرس باب شقة هناء رن. كانت واقفة في المطبخ، قلبها دق فجأة من غير سبب. مسحت إيديها وراحت تفتح أول ما فتحت، اتجمدت.
قدامها كانت الست هدى شكلها اتغير، وشها شاحب، وظهرها بقى محني كأن السنين جريت عليها فجأة.
هناء قالتها بصوت ضعيف.
هناء وقفت مكانها، مش قادرة تقرر تعمل إيه تقفل الباب؟ ولا تسمع؟
الأم كملت
أنا عارفة إني غلطت وغلطتي كانت كبيرة بس أنا جيت أقولك كلمة واحدة سامحيني.
الصمت كان تقيل بينهم، لدرجة إن صوت الشارع كان مسموع جوا الشقة.
هناء بصتلها، عينيها فيها دموع بس مش نفس دموع زمان. دي دموع واحدة اتعلمت.
سامحك؟ قالتها بهدوء، إنتي عارفة يعني إيه 17 سنة؟ يعني عمري كله تقريبًا.
الأم بدأت تعيط
كنت خايفة على ابنك
هناء قاطعتها بسرعة
وانا؟! كنتي خايفة عليا؟! ولا كنتي متأكدة إني هفضل أبعت وخلاص؟
الست هدى سكتت، ومردتش لأن مفيش رد.
هناء خدت نفس عميق، وبصت بعيد
لحظة، وبعدين رجعت تبصلها
أنا مش هقدر أنسى اللي حصل ده مش سهل. بس سكتت لحظة، مش عايزة أعيش بكره ليكي طول عمري.
الأم رفعت راسها بسرعة، وفي عينها أمل صغير.
يعني سامحتيني؟
هناء هزت راسها ببطء
أنا بس قررت أسيب الوجع ورايا إنما كل حاجة ترجع زي الأول؟ لأ ده مستحيل.
الكلمة كانت واضحة قاسية، بس عادلة.
الست هدى حاولت تقرب خطوة
طب أرجع معايا؟ نعيش سوا؟
هناء ابتسمت ابتسامة حزينة
أنا أخيرًا بقيت عندي حياة مش هسيبها تاني.
وقفت لحظة، وبعدين قالت
لو احتاجتي حاجة أنا مش هتأخر بس من بعيد.
الأم فهمت ده أقصى حاجة ممكن تاخدها.
مشيت الست هدى ببطء، وكل خطوة كانت تقيلة بس المرة دي، كانت شايلة ندمها لوحدها.
عدّى وقت تاني وهناء بدأت تسمح لحياتها تتفتح. رجعت تضحك شوية، خرجت مع زمايلها، وبدأت حتى تفكر تثق في الناس تاني بحذر، آه، بس مش مقفولة زي الأول.
وفي يوم، وهي قاعدة في شقتها، جالها اتصال رقم غريب. ردت بتردد.
ألو؟
الصوت اللي رد كان مهزوز
هناء أنا عصام.

الاسم خلاها تسكت لحظة.
عايز إيه؟
صوته كان مختلف مفيهوش الغرور القديم
أنا أنا تعبان ومفيش حد جنبي.
هناء قفلت عينيها الماضي كله رجع في ثانية.
وأنا كنت مين لما كنت بتضيع فلوسي؟
سكت وبعدين قال
كنت غبي وأناني وأنا بندم كل يوم.
الصمت رجع تاني.
أنا مش بطلب فلوس بس كنت عايز أقولك آسف.
هناء حسّت بحاجة بتتحرك جواها مش ضعف، بس حاجة أقرب للراحة.
خلي بالك من نفسك يا عصام. قالتها بهدوء.
يعني خلاص؟
كل واحد يشيل نتيجة اختياراته.
وقف الكلام هنا بس المرة دي، مفيش صراخ مفيش كسر بس نهاية هادية.
قفلت المكالمة، وبصت حواليها شقتها، شغلها، حياتها كل حاجة هي بنتها بنفسها.
قربت من الشباك، بصت للشارع، والهواء دخل يلمس وشها.
ابتسمت، ابتسامة حقيقية المرة دي، وقالت بصوت واطي
أنا اتأخرت بس وصلت.
ومن ساعتها، هناء بقت مثال للي يقدر يقوم حتى لو اتكسر للي يقدر يحب نفسه بعد ما اتخذل وللي فهم إن العيلة مش دايمًا دم العيلة الحقيقية هي الأمان.
والأهم إن الأحلام
ممكن تتسرق مرة بس لو صاحبها قوي بيبنيها تاني، وأحسن كمان.

تم نسخ الرابط