قسوة أم
لما صحيت في شقتي لوحدي بعد العملية بيومين، عرفت إن فيه حاجة غلط من قبل ما أفتح عيني السكون كان تقيل، خانق، كأنه بيضغط على صدري وبيقولي إن اللي جاي مش سهل. ناديت على أمي ومحدش رد، اتصلت بيها مردتش، كلمت أختي كوكي وردت عليا ببرود وهي في الساحل، وقالتلي إنهم طالعين يغيروا جو، وإن أمي محتاجة بريك ساعتها بس حسيت إن فيه حاجة جوايا اتكسرت للأبد، مش جرح العملية لأ، جرح أعمق بكتير، جرح إنك تكتشف إنك كنت طول عمرك لوحدك بس مخدوع.
الخمسة أيام اللي بعد كده كانوا أصعب أيام في حياتي كنت بزحف على الأرض عشان أوصل للحمام، وبطلب أكل بالعافية، وبنام من التعب والوجع وأنا بعيط في صمت محدش سأل، محدش اهتم، ولا حتى رسالة كدب تقول إنتي عاملة إيه؟ وفي اليوم الخامس، حصل التحول وجعي اتحول لغضب، والغضب اتحول لوعي افتكرت كل حاجة عملتها ليهم، كل فلوس دفعتها، كل مرة شلت عنهم مصايب، كل مرة فضلتهم على نفسي ولأول مرة سألت نفسي أنا باخد إيه في المقابل؟ الإجابة كانت صادمة ولا حاجة.
في الليلة
عدى أسبوعين، وابتديت أتعافى مش بس جسدياً، لكن نفسياً كمان ووقتها الموبايل بدأ يرن أمي كوكي عشرات المكالمات سبتهم يرنوا، لأول مرة أنا اللي مش برد لحد ما جات الرسالة ليلى، إنتي عملتي إيه؟ الفيزا مش شغالة وبيت العيلة فيه مشكلة!
ابتسمت لأن ده كان بس أول فصل من اللي جاي.
الحقيقة إن بيت العيلة ماكنش ملكهم زي ما هما فاكرين كان باسمي أنا قانونياً، لأنهم زمان سجلوا كل حاجة باسمي عشان أنا العاقلة وأنا ساعتها صدقت إن ده ثقة بس في الحقيقة كان استغلال مغلف بكلام حلو ولما كلمت المحامي، بدأنا الإجراءات البيت اتعرض للبيع لتسديد الديون المتراكمة عليهم، الديون اللي أنا كنت دايماً بغطيها من غير ما حد يحس المرة دي سبتهم يواجهوا
بعدها بأيام، رجعوا من الساحل مش للراحة ولا للضحك رجعوا على صدمة البيت بيتسحب منهم، الفلوس وقفت، وكل الأبواب اتقفلت في وشهم كوكي جتلي الشقة أول واحدة، بتخبط بعنف وكأنها صاحبة المكان، فتحت الباب بالعافية لقيتها واقفة منهارة إنتي عملتي فينا إيه؟! هنروح فين؟!
بصيتلها بهدوء لأول مرة في حياتي، وقلت نفس السؤال اللي كنت بسأله لنفسي وأنا لوحدي بعد العملية أنا كنت هروح فين؟
مقدرتش ترد لأنها لأول مرة مش لاقية حجة.
بعدها بساعات، أمي جات أول ما فتحت الباب، كانت مش شبه نفسها لا في كبرياء، ولا في صوت عالي عينيها مليانة خوف قربت مني وبصتلي بنظرة عمرها ما بصتها قبل كده وقالت بصوت مكسور سامحيني يا ليلى أنا غلطت.
سكت شوية كنت مستنية الكلمة دي سنين، بس لما جات محستش بالراحة اللي كنت متخيلاها قلتلها بهدوء غلطتي مش إنك سيبتيني غلطتي إنك عمرك ما شفتيني.
وقبل ما تكمل كلامها، نزلت على رجلي تبكي وتمسك في إيدي المنظر كان صعب أم بتبكي تحت رجل بنتها بس الحقيقة؟ أنا ما شمّتتش،
قلت لها أنا هساعدكوا تقفوا على رجلكم بس مش هكون مسؤولة عنكم تاني كل واحد يشيل نتيجة اختياراته.
ومن اليوم ده، حياتي اتغيرت بقيت بحط نفسي الأول بقيت بقول لأ من غير خوف بقيت بعرف إن الحب مش تضحية من طرف واحد وإن اللي يسيبك في ضعفك، ما يستاهلش قوتك.
أمي حاولت ترجع تقرب بس العلاقة بقت مختلفة فيها حدود فيها وعي وكوكي؟ اضطرت تشتغل لأول مرة في حياتها ويمكن دي كانت أول مرة تفهم يعني إيه مسؤولية.
أما أنا؟ فبدأت حياة جديدة مش مثالية، بس حقيقية حياة فيها راحة، فيها كرامة، وفيها أهم درس اتعلمته
مش كل خسارة وجع في خسارات بتكون بداية نجاة.
بعد اليوم اللي أمي نزلت فيه تبكي عند رجلي، ما حصلش المشهد اللي الناس بتحبه في الأفلام لا حضن طويل، ولا دموع بتغسل كل اللي فات، ولا رجوع فوري زي الأول الحقيقة كانت أهدى وأقسى شوية. لأن اللي اتكسر جوايا مكنش سهل يتصلّح بكلمتين ولا باعتذار متأخر.
قفلت الباب وراهم يومها، وقعدت على الكنبة أبص في الفراغ قلبي