قسوة أم

لمحة نيوز

جوايا كان لسه عايز يصدق إنهم ممكن يتغيروا، وجزء أكبر بقى واعي إن الرجوع زي زمان مستحيل وإن أقصى حاجة ممكن تحصل هي بداية جديدة بشروط جديدة.
الأيام اللي بعد كده، أمي كانت بتبعتلي رسايل كل يوم مش زي الأول، مفيش أوامر ولا طلبات كانت قصيرة، خجولة عاملة إيه؟، خدي بالك من نفسك، لو احتاجتي حاجة قوليلي وكنت برد أوقات، وأوقات لا مش تجاهل، بس كنت بتعلم لأول مرة إن الرد مش واجب.
كوكي كانت الحالة الأصعب لأنها مش متعودة تخسر الامتيازات في الأول فضلت تتصل وتزعق وتتهمني إني قاسية وقلبت فجأة لحد ما في يوم بعتتلي رسالة مختلفة أنا قدمت في شغل ومقبولة تدريب بس المرتب قليل قوي قريت الرسالة أكتر من مرة، وحسيت بحاجة غريبة مش شفقة، لكن إدراك يمكن دي أول مرة في حياتها تواجه الواقع من غير ما حد يشيله عنها.
ما ردتش عليها وقتها، بس بعد يومين لقيتها بعتت صورة كارت موظفة باسمها وشكلها تعبانة بس مبتسمة ابتسامة مش متعودة أشوفها
عليها ابتسامة حد بدأ يفهم الدنيا بجد.
أما أمي، فكانت بتحاول تثبت إنها اتغيرت مرة بعتتلي أكل، مرة سألتني عن مواعيد علاجي، مرة جابتلي دوا من غير ما أطلب كنت باخد منها الحاجات دي بهدوء، من غير ما أفتح الباب زيادة لأن الثقة، لما بتتكسر، بترجع نقطة نقطة مش مرة واحدة.
في نفس الوقت، أنا كنت ببني نفسي من جديد رجعت شغلي تدريجياً، وبدأت أركز في حياتي اللي كنت مأجلاها سنين عشانهم اشتركت في جلسات علاج نفسي، ودي كانت أول مرة أتكلم فيها عن كل اللي جوايا من غير ما أحس إني ببالغ فهمت حاجات كتير عن نفسي عن ليه كنت بدي بلا حدود، وليه كنت بربط قيمتي بقدرتي على إنقاذ غيري.
اكتشفت إن اللي كنت بعمله ما كانش بس حب كان خوف خوف من إني ما أكونش كفاية لو ما بقيتش المسؤولة دايماً.
وفي يوم من الأيام، جالي اتصال من المحامي بيقولي إن إجراءات بيع بيت العيلة تمت والفلوس اتوزعت حسب الديون والباقي اتحط في حساب باسمي قفلت معاه
وأنا ساكتة البيت ده كان فيه ذكريات كتير حلوة ووحشة بس في اللحظة دي حسيت إنه اتقفل كفصل واتفتح مكانه فصل تاني.
بعدها بأسبوع، أمي طلبت تقابلني وافقت، لكن في مكان عام قعدت قدامها في كافيه، وكانت أول مرة نشوف بعض من غير أدوارنا القديمة لا هي الأم اللي دايماً صح، ولا أنا البنت اللي لازم تراضي كنا اتنين بني آدمين بيحاولوا يفهموا بعض من الأول.
قالتلي بهدوء أنا طول عمري كنت معتمدة عليكي زيادة يمكن ظلمتك ويمكن كنت فاكرة إنك قوية لدرجة إنك مش بتتأذي بصيتلها وقلت أنا كنت قوية عشان ما كانش عندي اختيار مش عشان أنا ما بتوجعش.
سكتت وبعدين هزت راسها كأنها فهمت لأول مرة.
ما سامحتش فوراً وما نسيتش بس سمحت بمساحة صغيرة ترجع فيها مساحة فيها حدود فيها احترام فيها وعي إن كل حاجة ممكن تتسحب تاني لو اتكررت نفس الأخطاء.
كوكي بقت بتيجي تزورني كل فترة مش عشان تاخد حاجة بس عشان تقعد تحكيلي عن شغلها، عن تعبها، عن أول مرتب
قبضته وفي مرة جابتلي هدية صغيرة وقالتلي وهي متوترة دي من أول فلوس تعبت فيها الهدية كانت بسيطة جداً بس معناها كان كبير يمكن دي أول مرة تديني حاجة من غير ما تستنى مقابل.
ومع الوقت العلاقة بينا اتغيرت مش بقت مثالية بس بقت حقيقية.
أما أنا، فكنت كل يوم بحس إني أخف أهدى أقوى بطريقة مختلفة قوة مش مبنية على إني أتحمل كل حاجة لكن على إني أختار إيه اللي أستحمله، وإيه اللي أرفضه.
وفي ليلة هادية، وأنا واقفة في بلكونة شقتي، نفس الشقة اللي صحيت فيها لوحدي بعد العملية، افتكرت اللحظة دي وابتسمت لأن البنت اللي كانت مرمية على الأرض وبتزحف عشان تجيب مية ما اختفتش لكنها اتعلمت.
اتعلمت إن الوحدة مش دايماً ضعف وإن الوجع ممكن يكون بداية وإن أقسى القرارات أوقات هي اللي بتنقذنا.
بصيت للسما وقلت لنفسي بصوت واطي أنا نجيت ومكنتش مبالغة لأن النجاة مش إن كل حاجة تبقى حلوة النجاة إنك تبقى واقف على رجلك، حتى لو لوحدك بس المرة
دي، باختيارك.

تم نسخ الرابط