الراهبة بقلم الهواري

لمحة نيوز

في قلب دير قديم معزول وسط الجبال، كانت الحياة ماشية بنظام صارم وهدوء يخوف. مفيش صوت غير تراتيل الصبح وخطوات الراهبات على الأرض الحجرية.
لكن الهدوء ده اتكسر في يوم
يا أمي أنا حامل.
الجملة دي خرجت من الأخت أمل بهدوء غريب، وهي واقفة قدام الأم عفاف، رئيسة الدير، اللي بصتلها وكأنها مش مستوعبة.
بتقولي إيه يا أمل؟!
أمل كانت شايلة طفل رضيع على إيدها، وطفل تاني متعلق في طرحتها، ووشها فيه نفس السلام اللي كان بيحير الكل.
نفس اللي حصل قبل كده يا أمي أنا حامل تاني.
سكتت لحظة، وبعدين كملت بثقة دي مش حاجة غلط دي إرادة ربنا.
الأم عفاف قامت من مكانها بعصبية إزاي؟! ده دير مغلق! مفيش راجل بيدخله أصلاً!
لكن أمل هزت راسها بهدوء وأنا زي ما أنا محدش لمسني. كل مرة الحمل بييجي بنفس الطريقة تعب، دوخة، وبعدها الحقيقة.
الحقيقة اللي محدش عارف يفسرها.
دي كانت تالت مرة في تلات سنين.
وفي كل مرة، نفس القصة نفس البراءة ونفس الغموض.
الأم عفاف قررت المرة دي متسكتش.
طلبت فورًا الدكتورة سلمى، الدكتورة الوحيدة اللي مسموح لها تدخل الدير بشكل دوري للكشف على الراهبات.
بعد ساعات، وصلت الدكتورة، بهدوءها المعتاد وشنطتها الطبية السودا.
دخلت أوضة الكشف وأمل قعدت قدامها.
الدكتورة ابتسمت ابتسامة خفيفة واضح إننا رجعنا لنفس الموضوع

تاني يا أمل.
أمل ردت بهدوء أنا مش فاهمة بيحصل إيه يا دكتورة بس أنا متأكدة إن ده مش حاجة وحشة.
الدكتورة ما ردتش لكن عينيها كان فيها حاجة غريبة.
بعد الكشف، خرجت أمل عشان تطمّن على أطفالها.
الأم عفاف دخلت الأوضة بسرعة قوليلي الحقيقة يا دكتورة إيه اللي بيحصل هنا؟!
الدكتورة قفلت الشنطة بتاعتها بهدوء وقالت الحمل موجود فعلاً لكن
سكتت.
لكن إيه؟!
الدكتورة بصتلها نظرة تقيلة في حاجة مش طبيعية خالص في التحاليل.
في اللحظة دي
عين الأم عفاف وقعت على حاجة صغيرة على الأرض جنب السرير.
انحنت جابتها
وكانت قطعة بلاستر طبية لسه جديدة، وعليها نفس ريحة المطهر القوي اللي بتستخدمه الدكتورة سلمى.
قلبها دق بسرعة.
ليه حاجة زي دي تقع هنا؟ وليه شكلها كأنها اتشالت من على حقنة؟
رفعت عينيها للدكتورة ببطء
والسكون في الأوضة اتحول لتوتر تقيل.
الدكتورة ابتسمت بس المرة دي ابتسامة مختلفة.
أظن إن الوقت جه تعرفي الحقيقة يا أم عفاف.
الحقيقة اللي كانت مخفية جوه الدير مكنتش معجزة.
كانت تجربة.
تجربة بدأت من سنين والأخت أمل ما كانتش غير البداية الأم عفاف حسّت إن الأرض بتميل بيها.
تجربة؟! تجربة إيه؟! انتي بتقولي إيه يا دكتورة؟!
الدكتورة سلمى أخدت نفس عميق، وبصّت حوالين الأوضة كأنها بتتأكد إن محدش سامع وبعدين قالت بهدوء تقيل
من حوالي
أربع سنين جاتلي فرصة أشارك في مشروع طبي مهم جدًا هدفه علاج ستات كتير محرومات من الإنجاب.
الأم عفاف قاطعتها بعصبية وإيه علاقة ده بديري؟!
العلاقة إننا كنا محتاجين بيئة آمنة مغلقة مفيهاش أي عوامل خارجية ممكن تأثر على النتائج.
سكتت لحظة، وبعدين كملت الدير كان المكان المثالي.
عيون الأم عفاف وسعت انتي استغليتي الدير؟!
الدكتورة هزت راسها في البداية كان كل حاجة بموافقة.
بصّت نحية الباب الأخت أمل كانت أول واحدة.
في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء
وأمل دخلت.
كانت واقفة بثبات، مفيش خوف مفيش ارتباك.
كمّلي يا دكتورة خلاص مفيش داعي نخبي.
الأم عفاف بصتلها بصدمة أمل؟! انتي كنتي عارفة؟!
أمل قربت خطوة، وابتسمت ابتسامة هادية أيوه يا أمي أنا وافقت من الأول.
وافقتي على إيه؟!
أمل مسكت إيدها بلطف إنهم يجربوا تقنية جديدة تساعد الستات إنها تحمل من غير الطرق التقليدية.
الأم عفاف سحبت إيدها بسرعة يعني إيه؟!
الدكتورة سلمى تدخلت تقنية اسمها الإخصاب المعملي المتقدم بس بطريقة مطورة جدًا.
سكتت لحظة وبعدين قالت أخطر جملة
الأجنة دي اتكونت في المعمل.
وبعد كده تم نقلها لأمل عن طريق حقن بسيطة.
الصمت نزل تقيل.
الأم عفاف صوتها طلع مكسور يعني الأطفال دول؟
أمل ردت بهدوء أطفال طبيعيين يا أمي زي أي طفل بس جُم بطريقة مختلفة.
الأم
عفاف بصّت للدكتورة بغضب وكل ده من غير ما تقوليلي؟! من غير علمي؟!
الدكتورة قالت بجدية أنا كنت محتاجة السرية لأن التجربة لو نجحت، هتغير حياة ملايين.
ولو فشلت؟! صرخت الأم عفاف.
مفشلتش ردت أمل وهي بتبص على أطفالها.
لكن الأم عفاف كانت لسه شاكة.
رفعت البلاستر في وش الدكتورة طيب وده؟ ده إيه؟!
الدكتورة ابتسمت المرة دي بثقة ده الخيط اللي كشف الحقيقة مش كده؟
سحبت نفس، وقالت
ده كان على حقنة الحقنة اللي بننقل بيها الأجنة.
الأم عفاف سكتت بس قلبها لسه مش مرتاح
ليه أمل تحديدًا؟
أمل ردت بنفسها المرة دي عشان أنا وافقت وعشان جسمي استجاب بسرعة وعشان كنت مؤمنة إن ده ممكن يبقى خير لناس كتير.
الأم عفاف قعدت على الكرسي بتعب
بصّت للأطفال بصّت لأمل وبعدين للدكتورة.
الدنيا كلها كانت بتتغير قدامها.
بعد شهور
الدير بقى مختلف.
الموضوع اتعرض على الجهات المختصة، وتم تقنين المشروع بشكل رسمي، وتحت رقابة كاملة.
الدكتورة سلمى بقت بتشتغل بشكل علني.
وأمل
أمل بقت رمز.
رمز للأمل الحقيقي.
وفي يوم، واحدة من الراهبات سألتها انتي ندمانة؟
أمل ابتسمت وهي شايلة طفلها أنا كنت سبب في حياة إزاي أندم؟
أما الأم عفاف
فكانت كل ليلة تبص للأطفال وهم بيلعبوا في ساحة الدير
وتقول لنفسها
يمكن المعجزة مش دايمًا بتبقى خارقة أوقات بتبقى علم بس بإيد
ربنا الأم عفاف ما ارتاحتش
رغم كل الكلام ورغم التفسيرات كان فيه حاجة جواها بتقول إن الحقيقة
تم نسخ الرابط