عمري 45 عام

لمحة نيوز

نفسه.
لكن الحاج مصطفى سمعها، فضرب الأرض بعصاه وصاح
لا تنشري الإشاعات يا امرأة!
ضحك الحي كله يومها.
حتى أنا.
أما هو
فأدار وجهه بسرعة حتى لا نرى ابتسامته الصغيرة.
لكن الأيام لا ترحم أحدًا.
وفي مساء يوم ثلاثاء بارد
لاحظت أن ضوء شرفته لم يشتعل.
شعرت بانقباض غريب.
طرقت الباب.
لا جواب.
طرقت مرة أخرى.
ثم دفعت الباب ببطء
ودخلت.
كان مستلقيًا فوق سريره بهدوء شديد.
كأنه نائم فقط.
وجهه كان مرتاحًا للمرة الأولى منذ عرفته.
وعصاه الخشبية بجانب يده.
وقفت عاجزة عن الحركة.
ثم بدأت أبكي.
بكيت كما لو أنني فقدت أبي الحقيقي.
لأن الرجل الذي كان يخيف الحي كله
مات وحيدًا.
لكن ليس تمامًا لأنني كنت هناك.
ولأن أحدًا أخيرًا حزن عليه بصدق.
مرت أيام الجنازة ثقيلة .
الحي كله تغيّر فجأة بعد موت الحاج مصطفى بن عمار.
الرجال الذين كانوا يشتكون من صراخه صاروا يقفون أمام المسجد بعد صلاة العصر يروون قصصًا عنه، والنساء اللواتي كنّ يصفنه بالعجوز المجنون بدأن يترحمن عليه كلما مررن قرب بيته.
أما أنا
فكنت أشعر بفراغ غريب كل مساء.
في الساعة نفسها التي اعتدت فيها تجهيز طبقه، كانت يداي تتحركان تلقائيًا نحو الصحن الثامن ثم أتوقف فجأة.
وأتذكر أنه رحل.
في ليلة الجنازة، جلستُ وحدي داخل مطبخي الضيق في بيتنا المتواضع داخل باب الوادي، بينما أطفالي السبعة نائمون متلاصقين كعادتهم.
كان الصمت ثقيلاً.
حتى إنني وجدت نفسي أحدق في الطبق
الفارغ طويلًا.
ثم بكيت.
ليس لأنني كنت أتوقع شيئًا منه
ولا لأنني كنت أريد مقابلًا لكل تلك السنوات.
بل لأنني أدركت أن الرجل الذي أمضى عمره يطرد الناس بعيدًا كان في الحقيقة ينتظر شخصًا واحدًا فقط لا يتركه.
وفي صباح اليوم التالي، تلقيت اتصالًا غريبًا.
رجل يتحدث بلهجة رسمية قال
هل السيدة زهرة بوزيان موجودة؟
أجبته بحذر
نعم.
أغلقتُ الهاتف ببطء، وقلبي يدق بعنف.
الرجل أعاد سؤاله بصوت هادئ السيدة زهرة بوزيان؟
ابتلعتُ ريقي وقلت نعم أنا.
قال أنا الأستاذ مراد، محامي المرحوم الحاج مصطفى بن عمار. أحتاج حضورك اليوم إلى مكتبي بخصوص وصيته.
تجمدتُ تمامًا.
وصيته أنا؟
نظرت حولي داخل المطبخ الضيق كأنني أبحث عن تفسير فوق الجدران المتشققة. ثم قلت بتردد أظنك أخطأت الرقم.
لكنه أجاب بثقة لا يا سيدتي. المرحوم ذكر اسمك كاملًا، وطلب التواصل معك فور انتهاء إجراءات الدفن.
وأغلق الخط.
جلستُ على الكرسي الخشبي دقائق طويلة غير قادرة على الحركة.
أنا لم أكن من عائلته. ولا قريبة له. ولا حتى صديقة بالمعنى الحقيقي.
كنت فقط المرأة التي تترك له طبق عشاء كل ليلة.
لكن شيئًا داخلي أخبرني أن الأمر أكبر من مجرد شكر متأخر.
في اليوم التالي، ارتديتُ عباءتي السوداء القديمة وذهبت إلى المكتب الذي يقع قرب ساحة أول ماي.
المكان كان فاخرًا بشكل جعلني أشعر بالغربة. أرضية لامعة. مكاتب خشبية ضخمة. ورائحة قهوة باهظة الثمن.
وحين دخلتُ غرفة
المحامي
رأيتهم.
أبناء الحاج مصطفى الثلاثة.
عرفتهم فورًا من الصور.
الابن الطويل بالنظارات صار رجلًا أصلع يرتدي بدلة رمادية أنيقة. والثاني ما يزال يحمل تلك الابتسامة الواثقة، لكنها بدت متكبرة الآن. أما الابنة، فكانت تضع حقيبة جلدية فاخرة ونظراتها باردة كالجليد.
وحين رأتني رفعت حاجبها باستهجان واضح.
كأنها تسأل ما الذي تفعله هذه المرأة هنا؟
أما أخوها فقال للمحامي بحدة هل ستبدأ أخيرًا؟ لدينا أعمال.
أشار المحامي للجميع بالجلوس، ثم فتح ملفًا سميكًا أمامه.
وقال بهدوء هذه هي الوصية الأخيرة للمرحوم الحاج مصطفى بن عمار.
ساد الصمت.
ثم بدأ يقرأ.
في البداية كانت الأمور عادية بعض الممتلكات. حسابات بنكية. البيت القديم في باب الوادي.
كل شيء قُسم بينهم بالتساوي تقريبًا.
رأيت الارتياح يظهر على وجوههم.
إلى أن توقف المحامي فجأة ثم رفع ورقة منفصلة.
وقال وهناك بند إضافي.
تغيرت ملامحهم فورًا.
فتح المحامي الورقة وقرأ ببطء
إلى السيدة زهرة بوزيان المرأة الوحيدة التي طرقت بابي دون أن تريد شيئًا مني.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
أما أبناؤه فنظروا إليّ بصدمة.
وأكمل المحامي القراءة
لقد أطعمتني حين نسيني الجميع، وسألت عن صحتي حين لم يسأل أحد من دمي عني. لذلك أترك لها صندوقي الخشبي الخاص، وكل ما بداخله.
ساد الصمت تمامًا.
ثم انفجر الابن الأوسط غاضبًا صندوق؟ أي صندوق؟
لكن المحامي لم يجب مباشرة.
بل أخرج مفتاحًا
نحاسيًا قديمًا ووضعه أمامي.
وقال المرحوم أوصى ألا يُفتح الصندوق إلا بحضور الجميع.
شعرتُ بالتوتر يلتف حول صدري.
ثم انتقلنا جميعًا إلى بيت الحاج مصطفى.
ولأول مرة دخل أبناؤه المنزل بعد سنوات طويلة.
كانوا ينظرون حولهم بعدم ارتياح، كأن البيت صار غريبًا عنهم.
أما أنا فكنت أرى كل زاوية تحمل ذكرى.
عصاه قرب الباب. كرسيه الخشبي القديم. وفنجانه الصغير الذي كان يرفض أن يشرب القهوة في غيره.
قادنا المحامي إلى غرفة النوم.
ثم انحنى ببطء وسحب صندوقًا خشبيًا قديمًا من تحت السرير.
كان صغيرًا لكنه ثقيل.
وضعت المفتاح بيد مرتجفة وفتحته ببطء.
وفي اللحظة التالية
شهقت الابنة بصوت عالٍ.
الصندوق لم يكن مليئًا بالمال كما توقعوا.
بل بالرسائل.
مئات الرسائل المرتبة بعناية، وكل واحدة تحمل تاريخًا.
نظر الابن الأكبر بتوتر ما هذا؟
ناول المحامي أول رسالة له.
فتحها بسرعة ثم تغير وجهه بالكامل.
كانت الرسالة بخط والده.
وفيها
إلى ابني سامي اليوم هو عيد ميلادك الخامس والأربعون. اتصلت بك ثلاث مرات هذا الأسبوع، لكن سكرتيرتك قالت إنك مشغول.
ارتجفت يد الرجل.
فتح رسالة أخرى.
اليوم دخلتُ المستشفى بسبب ضيق التنفس. تمنيت لو رأيتك فقط لخمس دقائق.
أما الابنة فكانت تقرأ رسالة بصمت ودموعها تنزل دون صوت.
اشتريت لكِ العقد الذي أحببتِه يوم كنتِ صغيرة لكنه ما يزال عندي منذ سبع سنوات.
الابن الأوسط بدأ يفتح الرسائل بجنون.
كلها كانت محاولات.

محاولات أب عجوز أراد أبناءه فقط.
مكالمات لم تُرد. أعياد قضاها وحده. مرض أخفاه حتى لا يزعجهم.
ثم وصلتُ إلى آخر
تم نسخ الرابط