عمري 45 عام
المحتويات
شيء داخل الصندوق.
دفتر صغير.
فتحته ببطء
وكانت الصدمة الحقيقية.
داخل الدفتر سجلّ كامل.
تواريخ. مبالغ مالية. إيصالات تحويل.
كل السنوات الماضية كان الحاج مصطفى يرسل المال سرًا لعائلات فقيرة في الحي.
يدفع علاج الأرامل. ومصاريف دراسة الأطفال. وحتى إيجار بعض البيوت المتعثرة.
دون أن يعرف أحد.
حتى أنا لم أكن أعرف.
ثم وجدت آخر صفحة.
وفيها جملة واحدة
الناس ظنوا أنني قاسٍ ربما كانوا محقين أحيانًا. لكن زهرة وحدها رأت الرجل الذي حاول الاختباء خلف القسوة.
لم أتمالك نفسي.
وبكيت.
أما أبناؤه الثلاثة
فكانوا يبكون أيضًا.
لكن بطريقة مختلفة.
طريقة أشخاص اكتشفوا متأخرًا جدًا أن أباهم لم يكن يكره العالم.
بل كان ينتظر منهم فقط أن يطرقوا بابه كما فعلت امرأة فقيرة تحمل كل ليلة طبق عشاء إضافيًا وقف الابن الأكبر فجأة وأغلق الدفتر بعنف، كأنه لم يعد يحتمل رؤية المزيد.
كان وجهه شاحبًا بطريقة أخافتني.
قال بصوت مبحوح هذا هذا غير ممكن.
لكن المحامي اقترب منه بهدوء وقال كل التحويلات موثقة. والدكم كان يدفع من معاشه القديم ومن بعض الأملاك التي باعها سرًا خلال السنوات الأخيرة.
رفعت الابنة رأسها بسرعة. باع أملاكه؟
أومأ المحامي ببطء.
ثم أخرج ملفًا آخر من الحقيبة الجلدية ووضعه فوق الطاولة.
وقال حتى البيت الذي أنتم فيه الآن كان ينوي بيعه.
ساد الصمت.
الابن الأوسط ضرب الطاولة بيده ولماذا لم يخبرنا؟!
ولأول مرة صرخ المحامي في وجهه.
لأنكم لم تتركوا له فرصة!
تجمد الجميع.
حتى أنا.
كان الرجل هادئًا طوال الوقت، لكن صوته الآن خرج ممتلئًا بالغضب المكبوت.
قال وهو ينظر إليهم واحدًا واحدًا كنتُ محاميه منذ خمسة عشر عامًا. تعرفون كم مرة طلب مني الاتصال بكم؟ كم مرة قال لي أخبرهم أنني اشتقت لهم فقط؟
انخفضت عينا الابنة إلى الأرض.
أما هو فأكمل في آخر سنة من حياته كان يضع كرسيًا إضافيًا على طاولة الطعام كل عيد. كل عيد. ثم يجلس وحده حتى منتصف الليل.
شعرتُ بقلبي ينقبض.
لأنني تذكرت فعلًا ذلك الكرسي.
رأيته مرة ولم أفهم وقتها لماذا كان يترك مكانًا فارغًا بجواره.
الابن الأكبر جلس ببطء فوق الأريكة القديمة، ثم دفن وجهه بين يديه.
وهمس كنا نظن أنه لا يحبنا.
ضحك المحامي بمرارة.
والدكم كان فظًّا نعم. عنيدًا نعم. لكنه كان يحبكم بطريقة مؤذية لنفسه.
ثم التفت نحوي فجأة.
وقال هناك شيء آخر.
ارتبكت.
أخرج ظرفًا أبيض صغيرًا من الملف وسلّمني إياه.
كان مكتوبًا عليه بخط الحاج مصطفى
إلى زهرة بعد رحيلي.
ارتجفت أصابعي وأنا أفتح الظرف.
وفي الداخل وجدت رسالة قصيرة.
لكن كلماتها كسرت شيئًا داخلي.
زهرة أعرف أنك ستبكين عليّ رغم أنني لم أقل لك يومًا كلمة طيبة كما يجب. كنتِ تدخلين الطعام إلى بيتي لكن الحقيقة
أعرف أنك متعبة. وأعرف أن أبناءك يستحقون حياة أفضل من تلك التي عشتِها.
لهذا الدفتر البنكي الموجود داخل الصندوق باسمك.
لا ترفضي. لأول مرة في حياتي أشعر أن هناك شخصًا يستحق مني شيئًا.
توقفت أنفاسي.
رفعت عيني ببطء نحو المحامي.
فقال بهدوء الحساب يحتوي على مبلغ كبير.
شهقت الابنة ماذا؟!
أما الابن الأوسط فوقف غاضبًا هذا جنون! امرأة غريبة تأخذ مال أبي؟!
لكن أخاه الأكبر أوقفه فجأة.
رفع يده بصمت ثم قال بصوت محطم
لا.
نظر إليه الجميع بدهشة.
فأكمل وهو يمسح دموعه هي ليست غريبة.
ثم نظر إليّ لأول مرة دون تكبر.
وقال هي كانت العائلة الوحيدة التي امتلكها أبونا في آخر عمره.
لم أستطع الكلام.
كل ما استطعت فعله أن أضم الرسالة إلى صدري وأبكي.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ بعد.
لأن الابنة اقتربت مني فجأة، ثم سألت بصوت مرتجف
هل هل كان أبي يتحدث عنا أحيانًا؟
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت كل يوم.
انهارت المرأة تمامًا.
جلست على الأرض تبكي كطفلة صغيرة، وهي تردد أنا كنت أظنه يكرهني أقسم بالله كنت أظنه يكرهني.
اقترب منها أخوها ببطء.
ثم للمرة الأولى منذ دخولهم البيت احتضنها.
وبينما كانوا يبكون معًا
رفعتُ عيني نحو صورة الحاج مصطفى المعلقة على
ولأول مرة شعرت أن ملامحه لم تعد غاضبة.
كأنه أخيرًا ارتاح مرت دقائق طويلة من الصمت داخل الغرفة، لم يعد فيها صوت سوى بكاء متقطع وأنفاس متكسرة.
أبناء الحاج مصطفى لم يعودوا كما دخلوا.
شيء فيهم انكسر وشيء آخر بدأ يتشكل لأول مرة.
اقترب الابن الأكبر من الصندوق مرة أخرى، هذه المرة بهدوء مختلف، ثم قال بصوت منخفض أريد أن آخذ شيئًا واحدًا فقط صورته.
مدّ يده وأخرج صورة قديمة لوالدهم وهو يحملهم أطفالًا.
ثم وضعها على صدره كأنه يخشى أن تضيع.
الابنة مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور نريد أن ندفنه كما كان يحب بهدوء.
نظروا إليّ.
كأنهم لأول مرة يرونني حقًا.
ليس كغريبة بل كشخص كان موجودًا في حياة أبيهم حين غاب الجميع.
في يوم الدفن، كان المسجد ممتلئًا أكثر مما توقع الجميع.
ليس فقط أبناء الحي بل وجوه كثيرة لم أعرفها.
أرامل. أطفال. رجال كبار في السن.
كل واحد منهم كان يحمل قصة صغيرة مع الحاج مصطفى لم نكن نعرفها.
هذا يقول إنه دفع له إيجار سنة كاملة دون أن يذكر اسمه. وذاك يقول إنه أنقذه من الديون في سرٍّ تام. وطفل شاب يقول إن الرجل العجوز كان يترك له كتب المدرسة كل بداية عام دون أن يسأله من هو.
وقفتُ في الخلف، أراقب كل ذلك بصمت.
ويدي لا تزال تمسك بطرف الرسالة التي كتبها لي.
اقتربت الابنة مني فجأة، وقالت بهدوء هل تسمحين أن نجلس
نظرت إليها طويلاً.
ثم أومأت.
بعد انتهاء الجنازة، عاد الجميع إلى بيت الحاج مصطفى.
لكن هذه
متابعة القراءة