ابنتي دفعتني بقلم زيزي
ابنتي دفعتنا من فوق الجرف وبعدها جوزي همسلي ما تتحركيش اعملي نفسك ميتة
عمري ما تخيلت إن وأنا عندي 59 سنة، هحتاج أعمل نفسي ميتة عشان أعيش بسبب بنتي اللي خرجت من رحمي.
اسمي سعاد محمود، وعمري ما شكّيت إن العيلة ممكن تبقى أخطر مكان في الدنيا. كنت فاكرة إن حب الأم بيشفي أي جرح، وبيغطي على أي غلطة، وبيحمي الكل تحت سقف واحد.
كنت غلطانة.
جوزي حسن كان نجار في الفيوم. إيده كانت دايمًا مليانة شغل وجروح، بس كانت بتعمل معجزات سرير، ترابيزة، كراسي تعيش أكتر من أي وعود.
أنا كنت مدرسة ابتدائي. قضينا عمرنا نبني بيت بسيط في الهرم، فيه ورد على الباب، وقهوة الصبح، وهدوء الناس ما تعرفش قيمته غير لما يضيع.
كان عندنا ولدين.
محمود كان الكبير قلبه أبيض وبيحمي أي حد حتى لو غريب.
ونورا كانت أصغر منه بخمس سنين هادية زيادة عن اللزوم، بتراقب أكتر ما بتتكلم.
زمان وأنا مش واخدة بالي، كنت بشوفها قاعدة في الركن تبص لأخوها وهو بيضحك ويلعب، كأنها بتحسب كل حاجة عنده.
كأنها شايفة إنه واخد أكتر منها.
بس كانت بنتي فكنت بحبها.
من 20 سنة، محمود مات.
الشرطة قالت حادثة. وقع من فوق جرف في الجبال في سيناء بعد خروجة مع صحابه، ومحدش لحقه.
أنا وحسن عيطنا لحد ما الصوت اختفى مننا.
لكن نورا ما عيطتش.
كانت هادية بشكل يخوف. حضنتني،
ساعتها افتكرتها قوية
بس الحقيقة إني كنت عمياء.
السنين عدت، ونورا اتجوزت واحد اسمه سامح، تاجر عقارات شكله دايمًا مبتسم بزيادة عن الطبيعي. وخلفت ولدين كريم وسلمى. والأطفال رجّعوا شوية روح للبيت.
نورا فتحت ورشة أثاث مع أبوها.
ولحظة صدقت إننا رجعنا عيلة طبيعية.
لحد ما بدأ موضوع الميراث.
إحنا مش أغنياء، بس عندنا البيت، وأرض صغيرة من أهلي، وتوفير عمره حوالي 240 ألف دولار.
ونورا بقت مهتمة زيادة عن اللزوم.
قالت يوم وهي بتقلب في فنجان القهوة
يا ماما يا بابا، خلّوني أنا الوريثة الوحيدة أضمنلكم كل حاجة.
الكلمة دخلت قلبي زي سكينة ساقعة.
بعدها كل زيارة بقت شبه اجتماع شغل مش عيلة. بتتكلم عن بيع البيت، وتحويل الحسابات، وإن سامح هيدير كل حاجة أحسن.
في ليلة، بعد ما مشيت، بصيت لحسن وقلت
إحنا كبرنا ولا إيه اللي بيحصل ده؟
سكت شوية.
وبعدين قال بصوت مكسور
يا سعاد في حاجة عن موت محمود ما قلتلكيش.
الدنيا وقفت.
اعترف إنه في ليلة موت محمود، كان ماشي وراه لأنه كان حاسس إنه مضايق. ومحمود كان اكتشف إن نورا بتاخد فلوس من حساباتنا من زمان.
واجهها فوق الجرف.
اتخانقوا.
ونورا صرخت وقالت إن محمود دايمًا المفضل، وإن كل حاجة هتروح له، وإنها عايشة في ظله طول عمرها.
وفي
حسن وصل متأخر.
محمود كان وقع ومات.
ونورا كانت منهارة وبتقول إنه حادثة.
حسن ما قدرش يبلغ عنها خاف يخسر بنته زي ما خسر ابنه.
ساعتها مش عارفة أكره مين.
بس الحقيقة كانت واضحة بنتنا قتلت أخوها ودلوقتي عايزة كل حاجة.
ولو كانت دفعت مرة ممكن تدفع تاني.
بعد يومين، كلمتنا وقالت نحتفل بذكرى جوازنا في مكان فوق الجبل.
يوم جميل صور وذكريات.
أنا وحسن بصينا لبعض.
وفهمنا.
دي مش عزومة.
دي فخ.
ولما وقفنا على حافة الجرف، ونورا بتبتسم لنا حسيت بنفس البنت الصغيرة اللي كانت دايمًا بتراقب من الضل.
بس المرة دي ما كانتش بتراقب بس.
كانت بتقرر مين لازم يختفي وقفنا على حافة الجرف الهوا كان بيشد هدومي كأنه عايز يزقني قبل ما حد يلمسني.
نورا كانت قدامنا، مبتسمة ابتسامة غريبة مش ابتسامة فرح، ابتسامة حد مستني اللحظة تمشي زي ما هو عايز.
قالت بهدوء
يلا نتصور ده يوم جميل.
حسن مسك إيدي جامد جدًا. لدرجة إني حسيت عظامي هتتكسّر.
وبص لي من غير ما يفتح بقه بس عينه قالت كل حاجة اعملي زي ما أنا هعمل.
أنا كنت مرعوبة بس سكت.
طلع تليفونه كأنه بيجهّز ياخد صورة، ووقف قريب من الحافة.
نورا قربت خطوة خطوة وهي بتضحك
إيه يا بابا؟ واقفين بعيد كده ليه؟
وفي اللحظة دي حسن وقع التليفون عمدًا ناحية الحافة.
اتدحرج على الأرض ناحية
نورا بصت بسرعة ناحيته.
ثانية واحدة بس.
ثانية كانت كفاية.
حسن مسكني من إيدي وقال بصوت واطي جدًا
دلوقتي انبطحي.
أنا ما فهمتش.
بس عملت زي ما قال.
وقعت على الأرض بين الصخور الصغيرة.
ونورا أول ما بصت لينا تاني حسن دفعها بخفة ناحية نفس اتجاه التليفون.
مش دفعة عنف دفعة تخليها تفقد توازنها لحظة.
لكن اللي حصل بعدها ما كانش متوقع.
نورا صرخت بس مسكت في صخرة جنبها في آخر لحظة.
فضلت معلّقة.
عيونها اتسعت لأول مرة من غير ابتسامة.
إنتوا بتعملوا إيه؟!
حسن صرخ فيها لأول مرة
إنتِ اللي بتعملي إيه يا نورا؟! فاكرة إننا مش عارفين؟!
سكتت.
الصمت كان أثقل من الهوا.
وفي اللحظة دي سمعت صوت بعيد خطوات.
حد بيقرب.
راجل من أهل المنطقة كان ماشي في الطريق الجبلي وشاف الحركة.
صرخ
في إيه هنا؟!
نورا بصت حوالينها بارتباك لأول مرة إيدها بدأت تضعف على الصخرة.
وحسن همسلي
متتحركيش خلاص مش لازم نمثل.
الراجل قرب بسرعة وساعدنا نسحبها من على الحافة قبل ما تقع.
نورا قعدت على الأرض، بتنهج، ودموعها نازلة لأول مرة من سنين.
لكن مش دموع ضعف دموع انهيار.
الراجل قال
لازم نبلغ الشرطة.
وحسن رد بهدوء
بلّغ.
نورا رفعت عينيها بصدمه
هتودوني فين؟
سكتنا.
مش انتقام
مش صراخ
بس الحقيقة أخيرًا طلعت للنور من غير ما حد يقع تاني.
وحسن بص لها
هنوديك للمكان اللي اتدفن فيه أخوكي علشان الحقيقة تخلص هناك، وتبدأ محاسبة هنا.
ونورا