ابنتي دفعتني بقلم زيزي

لمحة نيوز

لأول مرة ما ردّتش.
بس بصّت للفراغ كأنها شافت كل اللي عملته مرة واحدة.
والجرف اللي كان ناوي يبلعنا
كان هو نفسه اللي كشف كل حاجة بعد ما العربية اختفت في الطريق الجبلي، سكت الجبل كله كأنه بيقفل الصفحة.
فضلنا قاعدين على الأرض شوية. مفيش حد فينا قادر يقوم الأول.
حسن كسر الصمت
فاكرة دانيال كان بيحب يقعد هنا؟
بصيت له واستوعبت إنه لأول مرة بيذكر اسم ابننا من غير ما ينهار.
هزيت راسي.
قال
كان بيقول المكان ده بيخليه يحس إنه صغير بس مش وحيد.
سكت لحظة، وبعدين كمل
إحنا بقينا وحيدين من غير ما نحس.
الكلمة دخلت قلبي تقيلة.
الطريق الجبلي اللي كنا واقفين عليه من شوية، بقى فجأة مش مكان رعب بقى مكان كشف.
رجعنا البيت في صمت.
البيت الأبيض اللي عمرنا بنيناه بإيدينا كان شكله مختلف النهارده. كأن الجدران نفسها عارفة إن فيه حاجة اتكسرت جوا.
في الليل، وأنا قاعدة في المطبخ، سمعت صوت الباب.
خبط خفيف.
قلبي اتنفض.
حسن فتح ووقف.
كان الظابط.
في حاجة لازم تتعرفوا عليها.
دخل وحط ملف صغير على الترابيزة.
في تحقيق أولي لقينا تحويلات مالية قديمة، مش بس من حساباتكم من حسابات تانية كمان.
سكت لحظة.
نورا كانت متورطة في سرقات مالية منظمة مع جوزها.

ساعتها حسن بص لي.
مش صدمة
دي كانت إجابة سؤال عمره سنين.
الظابط كمل
والحادثة اللي حصلت من 20 سنة لسه فيها علامات استفهام. هنحتاج نرجع نفتح الملف.
الكلمة وقعت زي حجر في وسط المطبخ.
رجعنا لنقطة ما كناش مستعدين لها
مش بس بنتنا
حتى الماضي نفسه مش كان واضح.
بعد ما الظابط مشي، حسن قعد وقال بصوت واطي
إحنا عايشين عمرنا كله بنقفل أبواب ورا كل باب كان فيه باب تاني.
بصيت له وقلت
بس المرة دي مش هنقفل حاجة.
سكت.
وبعدين لأول مرة من زمان مسك إيدي.
وفي نص الهدوء ده، كان فيه حاجة غريبة بتحصل
مش نهاية مأساة
لكن بداية معرفة متأخرة جدًا،
لسنين كاملة كنا عايشينها وإحنا فاكرين إننا فاهمينها الشرطة وصلت بعد وقت قصير.
صوت العربية وهو بيقرب كان بيكسر الصمت أكتر من أي كلمة. نورا كانت قاعدة على الأرض، حضنها لركبها، وعيونها مش ثابتة على حاجة. حسن كان واقف جنبي، إيده لسه بتترعش، بس واقف.
الظابط بص حوالينا بسرعة، وبعدها ركّز نظره علينا
في بلاغ عن حادثة هنا؟
حسن رد بهدوء غريب على واحد لسه طالع من على حافة موت
مش حادثة اعتراف متأخر.
نورا رفعت راسها بسرعة
إنت بتقول إيه؟
لكن صوتها كان أضعف من الأول.
الظابط طلب منهم كلنا نهدى، وبدأ
يسمع.
حسن حكاله كل حاجة مش مرة واحدة، لكن كأنه بيطلع حمل سنين من على صدره. عن محمود عن اللي شافه وعن الصمت اللي عاش فيه.
كل كلمة كانت بتقع على الأرض تقيلة.
أنا كنت واقفة مش قادرة أتكلم. مش لأن مفيش كلام لكن لأن كل الكلام اتقال متأخر جدًا.
نورا بدأت تهز راسها
أنا أنا ما قصدتش
بس محدش رد.
لأول مرة، محدش بيجادلها. محدش بيصرخ فيها. وده كان أصعب من أي صراخ.
الظابط أشار لمساعده
هننزلها تحت الملاحظة لازم تحقيق كامل.
لما مسكوا إيديها، ما قاومتش.
بس وهي ماشية، بصت لي.
نظرة طويلة مش فيها كره، ولا دفاع.
نظرة حد فجأة فهم إنه خسر كل حاجة وهو لسه عايش.
وقبل ما يودوها، همست بصوت واطي جدًا
أنا كنت فاكرة إن لو أخدته مني هبقى أخف
سكتت.
وبعدها كملت
بس أنا بقيت أوقع أكتر كل يوم.
محدش رد.
العربية اتحركت، والصوت ابتعد.
فضلنا واقفين فوق الجرف.
الهوا رجع طبيعي فجأة كأن المكان كان بيحبس أنفاسه طول السنين دي.
حسن قعد على الأرض لأول مرة، وحط إيده على وشه.
إحنا اتأخرنا أوي.
أنا قعدت جنبه.
والمرة دي ما عيطناش بصوت عالي
بس سكتنا سوا.
مش لأن كل حاجة اتصلحت
لكن لأن لأول مرة من سنين، مفيش كذبة واقفة بيننا وبين الحقيقة.
وبعيد تحت الجبل
كان
الطريق اللي بنهرب منه سنين، بيبتدي أخيرًا يبان قدامنا من جديد الليلة دي ما عرفناش ننام.
البيت كان هادي بشكل يخوف هدوء مش طبيعي بعد العاصفة اللي حصلت. كل صوت بسيط كان بيكبر جوا دماغي.
حسن كان قاعد في الصالة، ماسك صورة قديمة لمحمود وهو صغير. بيمرر إيده عليها كأنه بيحاول يرجّع ريحة الأيام.
قلت له
إحنا لازم نعيش حتى لو الحقيقة وجعت.
رفع عينه وقال
وإحنا عايشين لحد دلوقتي كنا بنعمل إيه؟
سكت.
لأول مرة، مفيش إجابة سهلة.
بعد يومين، الشرطة طلبت منا نروح نكمّل أقوالنا. الطريق لنفس المكان كان تقيل، بس المرة دي مفيهوش خوف فيه مواجهة.
في قسم التحقيق، الظابط حط قدامنا صور ومستندات.
في تسجيلات قديمة وشهادات كانت متجاهلة وقتها.
بصيت للصورة وقلبي وقع.
محمود ضحكته كانت زي ما هي. بس تحتها حاجة ما كناش شايفينها توتر، أسئلة، وجرح قديم.
الظابط قال
واضح إن فيه سلسلة ضغط ومشاكل مالية كانت أكبر من اللي اتقال زمان. الموضوع مش لحظة غضب كان تراكم.
حسن بص لي وقال بصوت مبحوح
يعني إحنا كنا عايشين في نص الحقيقة؟
الظابط ما ردّش.
بس نظراته كانت كفاية.
لما خرجنا، الشمس كانت بتغرب.
المشهد كله كان غريب نفس الدنيا، بس إحساس مختلف.
حسن قال
فجأة
لو رجع الزمن كنت هعمل إيه؟
وقفت لحظة.
وبعدين قلت
كنت هسمع أكتر وأسأل أكتر وما أسيبش الصمت يكبر.

تم نسخ الرابط