بعد خمس شهور بقلم زيزي

لمحة نيوز

بعد خمس شهور من دفن جوزي شُفته بعيني ماشي في الشارع كأنه عمره ما مات.
أنا اسمي سلمى، وعندي ٢٩ سنة، ومن يوم اللي حصل وأنا مش قادرة أصدق إن حياتي اتقلبت بالشكل ده.
جوزي آدم مات فجأة.
الدكاترة قالوا مرض نادر وسريع، وإن حالته اتدهورت بشكل مرعب في أسابيع قليلة.
في يوم كان بيضحك معايا وبيحضّر القهوة الصبح وبعدها بشهر كنت واقفة قدام قبره، بحاول أستوعب إني خلاص بقيت لوحدي.
الناس كلها كانت بتقولي انسي. الحياة لازم تكمل. أنتِ لسه صغيرة.
بس محدش كان فاهم إني ماكنتش بس فقدت جوزي أنا فقدت الأمان نفسه.
آدم كان كل حاجة في حياتي.
صحبي، وسندي، والإنسان الوحيد اللي كنت بحس معاه إني مش خايفة من الدنيا.
بعد موته، البيت بقى بارد بطريقة مرعبة.
حتى صوته وهو بينادي عليا كنت أسمعه أوقات في خيالي وأجري أبص، وبعدين أفتكر الحقيقة فأنهار من جديد.
ورغم كده، كنت بحاول أعيش.
أصحى، أنزل أجيب طلبات البيت، أرجع، أطبخ لقمة أكل بالعافية، وأنام وأنا ببص على صورته.
لحد الصبح ده.
كان الجو ساقعة بشكل يخوف، والدنيا مغيمة، والشارع شبه فاضي.
كنت ماشية سرحانة، حاطة إيدي في جيب البلطو، لما لمحته.
راجل ماشي قدامي.
في الأول ماخدتش بالي
بس بعد ثواني، جسمي كله اتجمد.
نفس المشية.
نفس طريقة تحريك كتفه.
حتى الطريقة اللي بيحط بيها إيده في جيبه كانت بتاعة آدم.
قلبي وقف.


همست لنفسي مستحيل
الراجل لف وشه ناحية إزاز محل
وساعتها حسيت إن الأرض بتميد بيا.
آدم.
مش شبهه لا.
هو.
بنفس عينيه، بنفس ملامحه، بنفس الندبة الصغيرة اللي جنب صدغه لما وقع بالموتوسيكل زمان.
رجليا خانتني، واتسندت على عمود نور عشان ماقعش.
أنا بتجنن أكيد بتخيل.
لكن لا.
كان حقيقي.
واقف قدامي، بيتنفس، وبيبتسم كأنه عايش حياته عادي جدًا بينما أنا كنت بموت بالبطيء من يوم ما اتدفن.
من غير تفكير بدأت أمشي وراه.
قلبي كان بيدق بعنف لدرجة حسيت الناس كلها سامعاه.
كل خطوة كنت باخدها كانت مرعبة.
لو ده آدم فعلًا يبقى مين اللي دفناه؟
ولو كان عايش ليه سابني أعيش العذاب ده كله؟
وقف قدام محل، طلع موبايله، وبص فيه وهو بيبتسم.
ابتسامته خلت دموعي تنزل غصب عني.
دي نفس الابتسامة اللي كان بيبصلي بيها قبل النوم نفس النظرة اللي كانت بتطمني إن كل حاجة هتبقى بخير.
لكن فجأة، الخوف اتحول لغضب.
غضب حارق.
إزاي يقدر يعيش عادي وأنا كل ليلة بنام مكسورة؟
استخبيت ورا عربية مركونة وأنا بتابعه.
بدأ يمشي أسرع.
لف في شارع ضيق وبعدين شارع أضيق.
الناس قلت حوالينا، والصمت زاد بطريقة خلتني أتوتر.
كان حاسس بيا؟
كان عارف إني وراه؟
وفجأة وقف قدام باب قديم جدًا، مستخبي بين عمارتين شكلهم مهجور.
طلع مفتاح.
إيديا بدأت ترتعش.
المفتاح ده أنا عارفاه.
كان عند آدم واحد زيه بالظبط.

فتح الباب ببطء
وقبل ما يدخل، وقف مكانه.
وبهدوء مرعب لف وشه ناحيتي.
وعنيه جت في عيني مباشرة.
واتجمدت لما سمعته بيقول
كنت عارف إنك هتيجي يا سلمىإيديا كانت بتترعش بعنف وأنا ببص للورقة.
ده خط آدم فعلًا.
نفس الطريقة اللي كان بيكتب بيها حرف السين ونفس الميل الخفيف في آخر الكلام.
حسيت نفسي هقع.
كريم قرب كرسي ناحيتي بهدوء اقعدي لأن اللي هتعرفيه دلوقتي هيغير كل حاجة.
لكنّي ماقعدتش.
فضلت واقفة، عيني مثبتة على الرسالة، وقلبي بيدق كأنه بيحاول يهرب من صدري.
وبدأت أقرأ
سلمى
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى يا أنا مت فعلًا يا في ناس أقنعتك إني مت.
وفي الحالتين، لازم تعرفي الحقيقة.
دموعي نزلت على الورقة.
كملت وأنا نفسي بيتقطع
من شهر تقريبًا، اكتشفت إن ليا أخ توأم اسمه كريم. أبويا خبّاه طول عمره عشان مشاكل الورث.
لكن ده مش أخطر سر.
رفعت عيني بسرعة ناحية كريم.
وشه كان شاحب بشكل مرعب.
رجعت للرسالة
أبويا مش مجرد راجل قاسي أبويا مجرم.
شهقت.
في ملفات ومستندات تثبت إنه غسّل فلوس وسرق ناس كتير، ولما حاولت أبلغ عنه هددني.
نفسي بدأ يضيق.
آدم عمره ما قال أي حاجة عن ده.
ولا مرة.
ولو حصلّي حاجة فجأة ما تصدقيش أي حد يقول إنه موت طبيعي.
الورقة وقعت من إيدي.
بصيت لكريم بصدمة إنت تقصد إن آدم اتقتل؟
كريم سكت.
وده كان أسوأ من أي إجابة.
صرخت فيه رد عليّا!

قال بصوت واطي أنا شفته قبل ما يموت بيوم.
اتجمدت.
إيه؟
جالي هنا. كان مرعوب. قال إن في ناس بتراقبه وإن أبوه عرف إنه خد نسخ من الملفات.
بدأت أفتكر.
ليالي آدم الأخيرة.
توتره الغريب.
صحوه المفزوع بالليل.
المكالمات اللي كان يقفلها أول ما أدخل.
يا نهار أبيض
أنا كنت عايشة معاه ومخدتش بالي.
كريم كمل تاني يوم اختفى وبعدها أعلنوا وفاته بسرعة جدًا.
بس أنا شُفته دفنّاه!
كريم بصلي بوجع النعش كان مقفول.
سكت.
وفجأة افتكرت.
لما طلبت أشوفه للمرة الأخيرة، حماتي انهارت ومنعتني، وقالوا إن حالته صعبة بسبب المرض.
حسيت معدتي اتقلبت.
إنت بتقول إن ممكن يكون
وقبل ما أكمل
سمعنا صوت عربية وقفت بعنف برا البيت.
كريم وشه اتسحب منه الدم.
جرى بسرعة ناحية الشباك، وبص ثانيتين
وبعدين لف ناحيتي وهو بيهمس بفزع هم عرفوا إنك هنا.
قلبي وقع.
مين؟
لكن قبل ما يرد
اتفتح باب البيت بعنف.
وصوت راجل جه من برا دوروا عليهم محدش يهرب المرة دي!اتسمرت مكاني.
الدم جرى ببطء في عروقي وأنا ببصله.
نفس الصوت.
نفس النبرة.
حتى الطريقة اللي بينطق بيها اسمي كانت بتاعة آدم.
لكن في حاجة كانت غلط.
حاجة صغيرة بس مرعبة.
عنيه.
آدم عمره ما كان بيبصلي بالخوف ده.
قربت منه خطوة، وصوتي خرج متكسر إنت إنت حي؟
سكت ثواني، وبعدين قال بهدوء ادخلي مينفعش نتكلم هنا.
كان المفروض أجري.
أصرخ.
أو حتى
أضربه.
لكن الفضول والوجع كانوا أقوى من أي حاجة.
دخلت وراه.
أول ما الباب اتقفل حسيت بقبضة برد على قلبي.
المكان كان قديم جدًا ريحة تراب
تم نسخ الرابط