بابا قالي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

قدامك 48 ساعة وتكوني بره البيت ده، عشان البيت ده خلاص بقى ملك أخوكي....
بابا قال الجملة دي من غير ما صوته يتهز، كان قاعد على رأس التربيزة، وماما بتفرك في منديل قماش بين صوابعها بقلة حيلة، وأخويا هاني قاعد مبتسم وكأنه لسه كاسب ورقة يانصيب....
أنا اسمي مريم.. كبرت وأنا فاهمة إن البنت الجدعة هي اللي مابتطلبش، هي اللي بتسد لما الفلوس تنقص، هي اللي بتجيب دوا أمها من سكات، وهي اللي بتصلح الحنفيات وتدهن الحيطان وتغير الثلاجة القديمة، وفي الآخر تسمع كلمة ما عملتيش حاجة يعني.. ده واجبك.
كنا عايشين في بيت قديم في حي مصر الجديدة، بيت بأرضية بلاط موزايكو وبلكونة مليانة قواوير ورد، وريحة شاي بالنعناع كل يوم الصبح، جدران تعبانة أنا اللي وقفت وسندتها بدل المرة عشرة. ماكانش قصر، بس كان المكان اللي اتعلمت فيه أمشي، وأكتم عياطي، وأشيل ذنب حاجات ماليش يد فيها.
أنا بشتغل مهندسة ديكور.. وطول ما أنا بساعد الناس تبني بيوتهم وتجملها، كنت أنا اللي شايلة بيت أهلي على كتافي. لما بابا رأفت كان هيخسر البيت بسبب الديون، سحبت كل مليم شقيت فيه عشان أجيب شقتي الخاصة، ودفعت المتأخرات، والمصاريف، والدهانات، والعفش، وحتى السفرة اللي كانوا قاعدين بيطردوني من عليها دي.. أنا اللي شاريها.
أما هاني أخويا،

فكان بيظهر كل فين وفين بقمصان غالية وجزم بتلمع وحكاوي عن مشاريع وهمية مابتخلصش. ومع ذلك، كان دايمًا في نظرهم الواد المسكين اللي محتاج زقة، أما أنا؟ فكنت أنا الجامدة اللي بتسد.
ليلتها، ماما كريمة عملت محشي ورق عنب وفراخ محمرة. فاكرة كويس المفرش اللي جبتهولها من خان الخليلي والنجفة النحاس اللي فوقنا، كل حاجة كانت طبيعية لحد ما بابا حط كوباية المية على التربيزة بحدة وقال
مريم، يوم السبت عايز أوضتك تكون فاضية.
ضحكت بوجع وقلتله
نعم؟ مش فاهمة!
زي ما سمعتي، هاني هييجي يعيش هنا، والبيت هيبقى بتاعه.
بصيت لماما وأنا مستنية منها كلمة، بس هي وطت راسها في الأرض وقالت بصوت واطي
يا بنتي أخوكي محتاج يستقر، وعايز يتجوز.
حسيت ببرودة في صدري وكأن قلبي اتجمد
وأنا يا ماما؟ أنا ما احتجتش أستقر طول السنين دي؟
هاني ساند ضهره على الكرسي ببرود وقال
ما تعمليش دراما يا مريم.. إنتي شاطرة وطول عمرك بتعرفي تمشي أمورك.
الجملة دي كأنها خنجر ودخل في قلبي. إنتي بتعرفي تمشي أمورك.
دي الحجة اللي بيغطوا بيها ظلمهم.. عشان بعرف يبقى لازم أستحمل، وعشان بشتغل يبقى لازم أدفع، وعشان ما بطلبش يبقى ماليش حق.
قمت من مكاني بالراحة وقلت
البيت ده ما وقفش على رجله لوحده.
بابا خبط على التربيزة وزعق
إنتي هتذلينا؟ ما
تطلعيش القديم والجديد وتمنّي علينا بحاجة عملتيها عشان حبك لأهلك!
بصيت له بهدوء غريب وقلت
أنا ما عملتش كده عشان في الآخر تطردوني كأني ضيفة تقيلة ملهاش مكان.
ماما بدأت تعيط، بس مش عشاني.. كانت بتعيط عشان تخليني أحس بالذنب. وهاني بيبتسم بخبث ويقول
قدامك يومين.. استغلي الوقت.
طلعت أوضتي من غير ولا صرخة واحدة. قفلت الباب وقعدت على السرير وهما لسه تحت بيكملوا عشاهم عادي.. وده أكتر حاجة وجعتني، إنهم بعد ما لغوني من حياتهم، لسه ليهم نفس يكملوا أكل.
الساعة خمسة الصبح، ومن غير ما أنام، بعتت رسالة لصاحبتي سارة المحامية
بابا أداني 48 ساعة عشان أمشي، وبيقول البيت بقى بتاع هاني.. الموضوع فيه حاجة غلط يا سارة.
ردها جه بسرعة
ماتمضيش على أي ورقة. ما تتخانقيش معاهم. دوري على أي مستندات.. لما حد بيحاول يطردك بالسرعة دي، بيبقى وراه مصيبة مخبيها.
قريت الجملة دي تلات مرات.. وفجأة، ال 48 ساعة مابقوش مجرد رغبة في طردي، دول بقوا فخ.
ماكنتش متخيلة أبداً إيه اللي هكتشفه في الساعات اللي جاية... انجي_الخطيب
فتحت الدرج اللي جنب سرير بابا بإيد بتترعش نفس الدرج اللي كان بيزعقلي لو قربت منه وأنا صغيرة.
كان دايمًا بيقول الحاجات المهمة هنا محدش يلمسها.
قلبي كان بيدق بعنف، وأنا بقلّب وسط فواتير قديمة
وروشتات وأوراق متكومة بريحة تراب وسجاير قديمة لحد ما لقيت ملف أزرق سميك مكتوب عليه بخط إيدي أنا
عقد بيع ابتدائي.
وقتها حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت.
فتحت الورق بسرعة وبدأت أقرا السطور بعين مش مستوعبة.
أقر أنا رأفت عبد الحميد ببيع كامل العقار الكائن في
اسمي أنا.
مريم رأفت عبد الحميد.
إيدي سقعت.
العقد بتاريخ من 3 سنين يوم ما دفعت ديون البيت كلها.
افتكرت اليوم ده كويس بابا كان بيعيط وبيقول أنقذينا يا بنتي البيت هيضيع.
وقتها بعت دهبي، وفكيت شهادة كنت محوشاها لشقتي، وحتى العربية الصغيرة اللي كنت بحلم بيها بعتها.
وهو وقتها قال إحنا هنكتب البيت باسمك ضمان ليكي لحد ما ربنا يفرجها.
أنا مضيت على ورق كتير وقتها من غير ما أركز كنت فاكرة إنها إجراءات بنكية.
لكن ده
ده عقد بيع.
يعني البيت قانونًا باسمي أنا.
سمعت صوت باب الشقة بيتفتح تحت.
هاني رجع.
قفلت الملف بسرعة، لكن ورقة صغيرة وقعت على الأرض.
ورقة عليها ختم بنك.
ولما قريتها الدم جمد في عروقي.
طلب رهن عقاري.
البيت مرهون.
وهاني واخد قرض ضخم باسمه.
قعدت على الأرض وأنا بحاول أفهم
يعني هم مش بيطردوني عشان هاني يستقر.
هم بيطردوني عشان يبيعوا البيت أو يهربوا بعد ما البنك يحجز عليه.
وفجأة كل حاجة ركبت فوق بعضها.
استعجالهم.
توتر بابا.
دموع
أمي المصطنعة.
ابتسامة هاني المستفزة.
هما كانوا محتاجيني أمشي قبل
تم نسخ الرابط