في عيد الام بقلم زيزي
الدنيا.
وقالت بسرعة أعمل أي حاجة والله أي حاجة.
مايا هزت راسها بهدوء مش بسهولة.
وبعدين بصتلها نظرة موجوعة وقالت إحنا مش أطفال صغيرين مستنيين لعبة وحضن وخلاص إحنا اتكسر فينا حاجات كتير.
أنا كنت متابعهم وساكت.
لأول مرة من سنين، حسيت إن العيال بقوا أقوى مني.
نجلاء قعدت معاهم باقي اليوم.
في الأول الجو كان متوتر جدًا
كل سؤال منهم كان كأنه محكمة.
كنتي فين وقت حفلة تخرجي؟
ليه ما سألتيش لما دخلت المستشفى؟
ليه سيبتي بابا لوحده؟
وكانت ترد على كل حاجة بصعوبة.
من غير تبريرات كتير.
بس باعتراف موجع أنا كنت ضعيفة وأنانية.
ومع الوقت، الصغير بدأ يقرب منها شوية شوية.
أما مايا؟
كانت الأصعب.
كانت بتراقبها طول الوقت، كأنها مستنية اللحظة اللي تكتشف فيها إن كل ده تمثيل.
قبل ما نجلاء تمشي، وقفت قدامي أخيرًا.
وقالت أنا عارفة إني ظلمتك أكتر من أي حد.
ما رديتش.
كملت بس إنت عمرك ما خليت العيال يكرهوني.
بصيت بعيد وقلت بهدوء كنت مستنيهم يكبروا ويحكموا بنفسهم.
دموعها نزلت تاني.
وفي اللحظة دي، مايا دخلت الأوضة وهي شايلة كشكول قديم.
حطته قدام أمها.
ده بتاعي.
نجلاء فتحته ببطء.
أول صفحة كانت مكتوب فيها بخط طفلة الحاجات اللي نفسي أقولها لماما لما ترجع.
إيديها بدأت ترتعش.
كل صفحة كانت سنة من عمر
مرة شتاقة.
مرة غضب.
مرة كره.
مرة حنين.
وفي آخر صفحة، المكتوبة من كام يوم بس
لو رجعتي فعلًا أنا مش عايزة أعاقبك. أنا بس عايزة أعرف إذا كان في أم جواكي لسه ولا ماتت من زمان.
نجلاء شهقت وغطت بوقها بإيدها.
ومايا لأول مرة عيطت.
مش عياط غضب.
عياط بنت صغيرة كانت مستنية أمها طول عمرها وتعمل نفسها قوية.
نجلاء قامت بسرعة حضنتها.
في الأول مايا فضلت متخشبة.
ثانية واتنين
وبعدين انهارت في حضنها.
وأخوها الصغير جري حضنهم، وبعده الباقيين.
وأنا واقف أبص عليهم
حاسس إن البيت اللي كان مكسور من عشر سنين، بيحاول يتنفس من جديد.
مش يرجع زي الأول.
لكن يمكن
يتبني بطريقة أهدى وأصدق فضلت نجلاء تيجي البيت بعد اليوم ده كل أسبوع.
في الأول ساعتين وتمشي.
بعدين يوم كامل.
وبعدها بقت تحضر مع العيال حاجات صغيرة كانوا محرومين منها سنين.
يوسف خلاها تحضر أول ماتش ليه.
كريم خلاها تساعده في مشروع المدرسة.
حتى الصغير، آدم، بقى كل يوم يبعتلها تسجيلات صوت ماما شوفي أنا رسمت إيه.
لكن مايا
كانت لسه حاطة مسافة.
مش كره.
خوف.
خوف تتعلق بيها وتختفي تاني.
وفي ليلة، لقيتها قاعدة في البلكونة لوحدها.
قعدت جنبها وقلت مالك؟
قالت وهي باصة للسما هو الناس ممكن تتغير فعلًا يا بابا؟
سكت شوية.
وبعدين قلت آه بس التغيير
هزت راسها وهي ساكتة.
بعدها بأسبوع، نجلاء جت بدري جدًا.
وكان معاها شنط كتير.
العيال فرحوا فاكرينها هدايا.
لكنها قالت بهدوء دي حاجتي.
كلنا بصينا لها باستغراب.
كملت أنا سبت الشقة اللي كنت فيها وسبت الشغل هناك.
أنا اتفاجئت ليه؟
بصت للعيال وقالت لأن لأول مرة من سنين حاسة إن عندي بيت.
الصمت نزل على المكان.
مايا كانت أول واحدة اتكلمت انتي ناوية ترجعي تعيشي هنا؟
نجلاء هزت راسها بسرعة لا مش غصب عنكم. لو مش عايزني أمشي حالًا.
آدم شد في هدوم أختُه وقال أنا عايزها تقعد.
يوسف وافق.
كريم وافق.
كلهم بصوا لمايا.
لأنهم عارفين إنها أكتر واحدة اتوجعت.
مايا فضلت ساكتة شوية طويلة.
وبعدين قالت الجملة اللي خلت نجلاء تعيط فورًا
أنا مش قادرة أنسى بس تعبت من الزعل.
نجلاء غطت وشها بإيديها وهي بتبكي.
ومايا قربت منها وقالت اقعدي بس المرة دي لو مشيتي، يبقى بإرادتنا إحنا.
نجلاء حضنتها جامد وهي بتنهار.
ولأول مرة من عشر سنين
المائدة اتملت كلها.
مش ناقصها كرسي عدّت شهور.
والبيت بقى أهدى من زمان طويل.
مش مثالي
لسه في وجع قديم، ولسه في لحظات صمت تقيلة أوقات.
بس بقى في حاجة أهم محاولة حقيقية.
نجلاء ما حاولتش تعوض السنين بالكلام
كانت بتصحى تحضر فطار العيال،
حتى مايا بدأت تضحك معاها تاني من غير ما تاخد بالها.
وفي يوم، كنت راجع من الشغل متأخر.
سمعت ضحك جاي من المطبخ.
وقفت أبص من بعيد.
نجلاء واقفة بتعمل شاي، ومايا بتحكي لها موقف حصل في الجامعة، والعيال حوالين السفرة بيتخانقوا على آخر قطعة بيتزا.
مشهد عادي جدًا
بس بالنسبة ليا كان معجزة.
نجلاء لمحتني واقف، وسكتت فجأة.
عينينا اتقابلوا.
وفي نظرتها شفت حاجة ماشفتهاش من زمان
امتنان.
مش حب زي زمان
ولا محاولة ترجّع اللي فات.
بس امتنان إني رغم كل حاجة ماكسرتش صورة أمهم قدامهم.
بعدها بأيام، في عيد الأم اللي بعده بسنة كاملة، العيال أصروا يعملوا احتفال صغير.
كيكة بسيطة.
وزينة رخيصة.
وصور قديمة متعلقة على الحيطة.
ونجلاء كانت قاعدة تبكي طول الوقت من الفرحة.
قبل ما نطفي الشمع، مايا قامت ماسكة ظرف صغير.
ناولته لأمها.
إيدي نجلاء اترعشت فورًا ده إيه؟
مايا ابتسمت لأول مرة من قلبها وقالت افتحيه.
فتحت الظرف ببطء
وكان جواه ورقة واحدة بس.
مكتوب فيها
إلى أمي
إحنا ما نسيناش الوجع.
بس اخترنا ما نعيش باقي عمرنا جواه.
أهلاً برجوعك.
نجلاء ماقدرتش تتكلم.
انهارت في العياط وهي حاضنة الورقة لصدرها.
وآدم سأل ببراءة يعني خلاص بقينا عيلة كاملة؟
بصيت للعيال
ولنجلاء
وللبيت اللي حارب عشان يفضل واقف.
وقلت بهدوء
إحنا عمرنا ما كنا ناقصين
إحنا بس كنا تايهين ولقينا طريق الرجوع أخيرًا.