معاقبه صبي
لمعاقبة صبيٍّ مشرّد سرق الطعام من مائدة الوالي الحبشي، أمر بإلقائه تحت أقدام فيلٍ حربي ضخم، كما فعل مع عشرات المجرمين من قبله لكن ما حدث بعدها فوق رمال الساحة جعل الحشد كلّه يدخل في صدمة.
في ذلك الصباح الحارق، كانت الشمس تضرب المدينة الصحراوية بلا رحمة، بينما ازدحمت ساحة العقاب الكبرى بالناس منذ الفجر.
جلس التجار والأثرياء وقادة الجند فوق المدرجات المرتفعة، بينما وقف عامة الناس أسفلهم يتدافعون لرؤية المشهد الذي اعتادوا حضوره كل شهر.
كان الضجيج يملأ المكان.
باعة الماء والتمر يتحركون بين الصفوف، والأطفال يتسلّقون الجدران الطينية، والرجال يتحدثون عن الأحكام التي سيصدرها الوالي ذلك اليوم.
وفي وسط الساحة
وقف فيلٌ حربي ضخم.
كل أهل المدينة كانوا يعرفونه.
فيلٌ أسود هائل الحجم، مغطّى بدرعٍ جلدي ثقيل، تتدلّى من أنيابه حلقات نحاسية تلمع تحت الشمس، وكانت قدماه الضخمتان تثيران الرمل والغبار مع كل خطوة.
قال الناس إنه شارك في حروبٍ كثيرة مع جيوش الحبشة، وإنه سحق رجالًا تحت أقدامه أثناء اقتحام الحصون والبوابات.
أما الوالي الحبشي
فكان يجلس فوق منصّة مرتفعة مزخرفة بالعاج والذهب، يراقب الجميع بعينين باردتين لا تعرفان الرحمة.
كان أهل المدينة يخافونه أكثر مما يهابون الموت نفسه.
فقد كان يؤمن أن العقاب العلني وحده يجعل الناس مطيعين.
وحين دوّت الأبواق النحاسية في الساحة
بدأ الجنود بإحضار
واحدًا تلو الآخر، كانوا يُدفعون إلى وسط الرمال، بينما يعلو صراخ الناس بين الرعب والتشفي.
بعض المحكومين توسّلوا الرحمة.
وبعضهم حاول الهرب.
لكن لم يكن هناك مهرب.
فمن جهة يقف الفيل الحربي الضخم
ومن الجهة الأخرى يقف جنود الوالي بالرماح والسيوف.
وبعد انتهاء عدة أحكام
فُتح الباب الخشبي الكبير مرة أخرى.
وفجأة
ساد الصمت في الساحة كلها.
لأن الجنود هذه المرة لم يسحبوا رجلًا بالغًا
بل طفلًا صغيرًا.
كان نحيفًا بصورة مؤلمة، حافي القدمين، وثوبه ممزقًا ومتّسخًا بالرمال والغبار.
وكان يرتجف حتى إن ركبتيه بالكاد تحملانه.
نظر حوله بخوفٍ واضح، كأنه لا يفهم إلى أين جاءوا به.
ثم دفعه أحد الجنود بعنف فسقط فوق الرمال الساخنة.
بدأت الهمسات تنتشر بين الناس.
فهم الجميع فورًا أن الطفل ليس قاتلًا
ولا قاطع طريق
ولا مجرمًا خطيرًا.
نهض الوالي الحبشي ببطء من مجلسه، ثم قال بصوتٍ مرتفع سمعه أهل الساحة جميعًا
هذا اللصّ سرق الطعام من مائدتي.
تعالت الهمهمات بين الحضور.
وقيل إن الطفل يتيم، لم يأكل منذ أيام، وإنه تسلل ليلًا إلى قصر الوالي وسرق قطعة خبز وبعض اللحم من المطبخ قبل أن يمسكه الحراس.
نظر الوالي إلى الصبي باحتقار، ثم قال ببرود
إذا سامحتُ لصًا جائعًا اليوم ستتحول المدينة كلها إلى لصوص غدًا.
ساد الصمت.
كان الطفل راكعًا فوق الرمال، يتنفّس بصعوبة، وعيناه ممتلئتان بالخوف والدموع.
ثم بدأ الفيل
كل خطوة منه كانت تجعل الأرض تهتز تحت أقدام الناس.
وبعض النساء غطّين وجوههن خوفًا مما سيحدث.
ورجال كثيرون أشاحوا أبصارهم بعيدًا.
أما الوالي
فابتسم فقط.
اقترب الفيل أكثر
حتى صار ظلّه يغطي جسد الطفل بالكامل.
أغلق الصبي عينيه وبدأ يبكي بصمت.
وفي تلك اللحظة
حدث فجأة شيءٌ غريب ومرعب فوق الرمال
شيء جعل الجنود أنفسهم يتراجعون للخلف، وتجمّد الحشد كله في أماكنه من شدّة الصدمة..
الجزء الثانيالجزء الثاني
تراجع الفيل فجأة
نعم، ذلك الوحش الضخم الذي اعتاد سحق الرجال تحت أقدامه، توقّف قبل أن تطأ قدمه جسد الطفل بلحظة واحدة فقط.
ثم أطلق صوتًا غريبًا مدوّيًا هزّ الساحة كلها.
صرخة طويلة حادة لم يسمع الناس مثلها من قبل.
ارتجف الجنود.
وتراجع قائد الحرس خطوتين وهو يصرخ
أمسكوا الفيل! أمسكوه بسرعة!
لكن الفيل لم يكن ينظر إلى الجنود أصلًا
بل كان يحدّق في الطفل.
الطفل الذي ما زال راكعًا فوق الرمال، يبكي وعيناه مغمضتان.
وفجأة
خفض الفيل رأسه العملاق ببطء شديد.
حتى لامست خرطومه الصغيرَ المرتجف.
شهقت النساء في المدرجات.
وتجمّد الرجال في أماكنهم.
أما الوالي الحبشي فاختفت ابتسامته لأول مرة.
الفيل بدأ يشمّ الطفل بهدوء
مرة
ثم مرة أخرى
وكأنه يبحث عن شيء يعرفه.
ثم حدث ما لم يتخيله أحد.
ركع الفيل.
ركع بكل جسده الهائل أمام الصبي الصغير.
دوّى صراخ الناس في الساحة دفعة واحدة.
مستحيل! الفيل
حتى الجنود تبادلوا النظرات بخوف.
لأن هذا الفيل بالذات
كان معروفًا بأنه لا يطيع أحدًا إلا الوالي وقائده الحبشي العجوز.
لكن الأكثر رعبًا
أن الفيل بدأ يصدر أصواتًا منخفضة حزينة، تشبه أنين إنسان يبكي.
فتح الطفل عينيه ببطء.
ولمّا رأى رأس الفيل أمامه مباشرة، ارتعب في البداية وحاول التراجع فوق الرمال
لكن الفيل لم يؤذه.
بل مدّ خرطومه برفق شديد نحو صدر الطفل.
وفجأة
سقط من تحت ثوب الصبي شيء صغير على الرمل.
قطعة جلد قديمة مربوطة بخيط مهترئ.
تجمّد الفيل فور رؤيتها.
ثم أطلق صرخة أعنف من الأولى حتى إن الطيور حلّقت مذعورة من فوق أسوار المدينة.
الوالي وقف من مكانه بعنف.
وعيناه اتسعتا لأول مرة بخوف حقيقي.
لأنه عرف تلك القطعة فورًا
عرف الرمز المحفور عليها.
رمز قديم لم يره منذ سنوات طويلة.
رمز لا يحمله إلا رجال الحرس الملكي القديم
الحرس الذين اختفوا جميعًا ليلة المذبحة الكبرى.
بدأ الهمس ينتشر كالنار بين كبار السن في الساحة.
مستحيل هل يمكن أن يكون؟ لا هذا الطفل صغير جدًا
أما القائد الحبشي العجوز الذي كان يقف بجانب الفيل
فشحب وجهه فجأة.
ثم نزل درجات المنصة ببطء وهو يحدّق في الصبي كأنه رأى شبحًا عاد من الموت.
اقترب أكثر
أكثر
ثم ركع أمام الطفل وسط ذهول الجميع.
ومدّ يده المرتجفة نحو تلك القطعة الجلدية.
لكن قبل أن يلمسها
همس الصبي بخوف
دي كانت لأبويا
ارتجفت يد القائد
وساد صمت مرعب في الساحة كلها.
حتى الريح توقفت كأن المدينة نفسها تنتظر ما سيُقال بعد ذلك.
رفع القائد رأسه ببطء