معاقبه صبي
المحتويات
نحو الوالي
وعيناه امتلأتا بشيء أخطر من الغضب.
الخوف.
ثم قال بصوت مبحوح سمعه كل من في الساحة
هذا الطفل لا يمكن أن يكون حيًا
وفجأة
دوّت الأبواق فوق أسوار المدينة بطريقة هستيرية.
وركض أحد الجنود إلى الساحة وهو يصرخ بكل رعب
سيدي الوالي! البوابة الشمالية البوابة الشمالية فُتحت! وهناك فرسان قادمون من الصحراء يحملون نفس الرمز!
يتبعالجزء الثالث
تحوّلت الساحة في لحظات إلى فوضى.
الناس تدافعوا مذعورين، والجنود رفعوا رماحهم نحو البوابات، بينما ظلّ الفيل راكعًا أمام الطفل كأنه يحرسه من العالم كله.
أما الوالي الحبشي
فلم يتحرك.
كان واقفًا فوق منصته، وعيناه معلّقتان بذلك الرمز الجلدي الصغير فوق الرمال.
رمزٌ ظنّ أنه اختفى إلى الأبد.
صرخ قائد الحرس
أغلقوا البوابات فورًا! استعدوا للرماة فوق الأسوار!
لكن قبل أن يتحرك أحد
دوّى صوت الخيول من بعيد.
صوت ثقيل يهزّ الأرض شيئًا فشيئًا.
ثم ظهروا.
خرج الفرسان من قلب العاصفة الرملية كالأشباح.
عباءات سوداء طويلة، وجوه مغطاة، ورماح طويلة تلمع تحت الشمس الحارقة.
وكان فوق صدورهم جميعًا
نفس الرمز.
ساد الرعب في الساحة.
بعض الرجال تراجعوا وهم يهمسون
فرسان الظل مستحيل قيل إنهم ماتوا جميعًا
أما الوالي
فضغط على ذراع كرسيه بعنف حتى ابيضّت أصابعه.
لأنه يعرفهم جيدًا.
بل كان السبب في اختفائهم.
منذ خمسة عشر عامًا
حين خان الملك القديم، وسلّم المدينة لجيش الحبشة مقابل السلطة
وفي تلك الليلة السوداء
ذُبح الحرس الملكي كله داخل القصر.
أو هكذا ظنّ الجميع.
توقّف الفرسان أمام الساحة في صفٍ واحد.
ثم تقدّم فارسٌ واحد ببطء.
كان أطولهم قامة، وعلى ظهره سيف ضخم مغطّى بالغبار.
نزل عن حصانه دون أن ينطق بكلمة.
وكل خطوة منه فوق الرمل كانت تنشر التوتر أكثر.
الجنود صوبوا الرماح نحوه فورًا.
لكن الفيل الحربي فجأة وقف بعنف، ورفع خرطومه عاليًا، ثم أطلق صرخة مدوّية جعلت الخيول نفسها ترتجف.
تراجع الجنود فورًا.
الفارس المجهول اقترب من الطفل.
ثم ركع أمامه على ركبة واحدة.
وسط ذهول الناس جميعًا.
مدّ يده ببطء
وأزاح القماش عن كتف الصبي.
وفجأة ظهر
وشم صغير.
نفس الرمز القديم.
لكن هذه المرة محفور على جلده.
شهقت النساء.
أما القائد الحبشي العجوز
فسقطت العصا من يده.
وهمس بصوت مرتجف
ابن الأمير
ساد صمت ثقيل.
حتى الوالي نفسه بدا كأن الدم هرب من وجهه.
الطفل نظر حوله بخوف وعدم فهم.
ثم قال بصوت ضعيف
أنا أنا معرفش حاجة أبويا مات من زمان
الفارس لم يرد.
بل خلع القناع عن وجهه ببطء.
وعندها فقط
صرخ أحد الشيوخ في المدرجات
مستحييييل!
لأن الرجل الذي ظهر وجهه
كان من المفترض أن يكون ميتًا منذ خمسة عشر عامًا.
إنه القائد أزار، الذراع اليمنى للملك القديم والرجل الذي قيل إن الوالي قطع رأسه بنفسه ليلة الانقلاب.
ابتسم أزار ابتسامة باردة.
ثم رفع عينيه نحو الوالي الحبشي وقال
أخبرتك يومها أن الدم الملكي
تراجع الوالي خطوة لأول مرة أمام الناس.
لكن فجأة
صرخ أحد الجنود من أعلى السور
انتبهواااا!
وفي اللحظة التالية
انطلق سهم قاتل من فوق الأسوار مباشرة نحو الطفل الصغير!
يتبعالجزء الرابع
انطلق السهم كوميضٍ أسود وسط الهواء
مباشرة نحو صدر الطفل.
لكن قبل أن يصل إليه بلحظة
تحرّك الفيل الحربي بسرعة مرعبة.
رفع خرطومه الضخم وضرب السهم في الهواء، فانكسر إلى نصفين وسقط فوق الرمال.
تعالت صرخات الناس في الساحة.
والتفت الجميع نحو أعلى الأسوار.
هناك
كان يقف رجل ملثم يحمل قوسًا طويلًا.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في السهم
بل في أن الرجل كان يرتدي زيّ الحرس الخاص للوالي نفسه.
صرخ أزار بغضب
أمسكوه حيًا!
قفز اثنان من فرسان الظل نحو السلالم الحجرية المؤدية للسور، بينما بدأ جنود الوالي يتراجعون مرتبكين.
لأول مرة منذ سنوات
الخوف انتقل من الناس إلى رجال السلطة أنفسهم.
أما الطفل
فكان ما يزال جالسًا فوق الرمال، يحدّق حوله بعينين ضائعتين، وكأنه لا يفهم لماذا فجأة يريد الجميع قتله أو حمايته.
اقترب أزار منه ببطء.
ثم قال بصوت منخفض
ما اسمك يا صغيري؟
ابتلع الطفل ريقه بصعوبة.
ثم همس
يونس
ارتجفت ملامح أزار فور سماع الاسم.
وأغمض عينيه لحظة طويلة.
كأن طعنة قديمة انغرست في صدره من جديد.
قال القائد الحبشي العجوز بصوت خافت
يونس هذا كان اسم الأمير الصغير
رفع الوالي صوته فجأة بعنف
كفاااااااااااااااكم!
اهتزّت الساحة
ثم نزل درجات منصته بسرعة، تحيط به مجموعة من الجنود المدرعين.
كانت عيناه مليئتين بالرعب والغضب معًا.
وأشار نحو الطفل صارخًا
هذا دجّال! يريدون خداعكم بهذا المتسوّل القذر!
لكن قبل أن يكمل
وصل أحد فرسان الظل وهو يجرّ الرجل الملثم من فوق الأسوار بعنف.
كان الرجل ينزف من وجهه بعد عراكٍ عنيف.
أُلقي به أمام الجميع.
ثم نزع أزار القناع عنه.
وفور ظهور وجهه
ساد الذهول.
لأن الرجل لم يكن مجرد جندي.
بل كان سادن
رئيس حرس الوالي الشخصي.
الرجل الأكثر ولاءً له.
بدأ الهمس ينتشر كالنار بين الناس
لماذا حاول قتل الطفل؟ إذا كان كاذبًا فلماذا يخافون منه؟
تراجع الوالي خطوة صغيرة.
خطوة لم يلاحظها إلا أزار.
فابتسم ابتسامة خفيفة.
ثم انحنى والتقط القطعة الجلدية القديمة من الرمال، ورفعها عاليًا أمام الناس.
وقال بصوت دوّى في أرجاء الساحة
قبل خمسة عشر عامًا خان هذا الرجل الملك، وقتل العائلة الحاكمة ليستولي على المدينة.
ثم أشار إلى الطفل.
لكن وريث العرش الحقيقي نجا.
انفجرت الساحة بالضجيج.
البعض صرخ رعبًا.
والبعض بدأ يركع.
والبعض الآخر نظر إلى الوالي لأول مرة لا كحاكم بل كمجرم.
لكن الوالي فجأة انفجر ضاحكًا.
ضحكة عالية مخيفة.
ثم قال وهو يفتح ذراعيه
نعم قتلتهم جميعًا. وأحرقت القصر فوق رؤوسهم!
ساد الصمت فجأة.
حتى الريح اختفت.
الوالي تابع بابتسامة مجنونة
لأن الملك القديم كان ضعيفًا! والضعفاء لا يحكمون
ثم أشار إلى الطفل صارخًا
وهذا الصغير سيموت مثلهم!
وفجأة
سحب خنجرًا ذهبيًا من ثوبه واندفع بنفسه نحو يونس بسرعة مرعبة!
لكن في اللحظة نفسها
أطلق الفيل
متابعة القراءة