معاقبه صبي
الحربي صرخة هائلة، ثم اندفع بكل ثقله نحو الوالي مباشرة
حتى إن الأرض نفسها اهتزّت تحت أقدامه!
يتبعالجزء الخامس
تجمّد الجميع.
الوالي كان يركض نحو الطفل والخنجر مرفوع في يده
لكن الفيل الحربي وصل إليه أولًا.
بضربة واحدة من خرطومه العملاق، طار جسد الوالي عدة أمتار فوق الرمال قبل أن يرتطم بعنف بأسفل المنصة الخشبية.
تعالت صرخات الناس.
والجنود تراجعوا مذعورين.
لم يسبق لأحد أن رأى الفيل يهاجم سيده بهذه الوحشية.
سقط الخنجر من يد الوالي، بينما كان يحاول النهوض وهو يلهث من الألم والغبار يغطّي وجهه.
لكن الكارثة لم تنتهِ.
لأن الفيل بدأ يتحرك نحوه مرة أخرى
ببطء مرعب.
كل خطوة كانت تهزّ الساحة.
وعيناه السوداوان ثابتتان على الوالي كأنهما تعرفانه منذ زمن.
صرخ القائد الحبشي العجوز فجأة
لااااا!
وركض أمام الفيل رافعًا يديه.
توقّف الوحش الضخم على بعد خطوة واحدة فقط من رأس الوالي.
كانت قدمه العملاقة معلّقة فوقه مباشرة.
ولو نزلت
لانتهى كل شيء.
الوالي ارتجف لأول مرة أمام الناس.
كان ينظر إلى الموت فوقه مباشرة.
ثم همس بصوت مخنوق
أبعدوه أبعدوه عني
لكن أحدًا لم يتحرك.
حتى جنوده أنفسهم كانوا يتراجعون ببطء.
الخوف تغيّر.
لم يعد الناس يخافون الوالي
بل الوالي هو من صار يخاف الجميع.
اقترب أزار من الطفل يونس، ثم وضع عباءة سوداء فوق كتفيه الصغيرتين.
وقال بهدوء
انتهى زمن الهروب.
رفع يونس عينيه المرتبكتين نحوه.
أنا مش فاهم
تنهد أزار طويلًا.
وقبل أن يجيب
انفجر صوت قديم من بين الحشود
لأنه ابن الملك سيف الدين!
التفت الجميع.
وكان المتحدث شيخًا عجوزًا يعرج بعصا خشبية.
تقدّم وسط الناس ببطء، والدموع تلمع في عينيه.
ثم ركع أمام الطفل.
وقال بصوت مرتجف
أنا كنت خادمًا في القصر ليلة المذبحة وأمك أعطتني إياك قبل موتها بلحظات.
شهق أزار.
أما يونس فتراجع بخوف.
الشيخ أكمل والدموع تنزل على لحيته
هربت بك عبر الأنفاق القديمة لكن الجنود لحقوا بنا. فاضطررت أتركك عند قافلة تجار ثم اختفيت.
صمت لحظة.
ثم أشار إلى الوالي
وهو ظل يبحث عنك كل هذه السنوات.
الوالي صرخ بجنون
اقتلوهم جميعًاااا!
لكن أحدًا لم يتحرك.
نظر حوله بصدمة.
جنوده ينظرون إليه بتردد.
والناس يحدّقون فيه باحتقار.
وفوقهم جميعًا
الفيل الحربي ما زال واقفًا كالجبل، يحرس الطفل.
ثم حدث شيء أخطر.
أحد الجنود خلع خوذته ببطء
وركع أمام يونس.
ثم ركع ثانٍ
وثالث
وفي ثوانٍ قليلة، بدأ نصف الجنود ينزلون على ركبهم وسط ذهول الوالي.
أزار رفع سيفه عاليًا.
وقال بصوت هزّ الساحة
من يبايع وريث العرش الحقيقي؟
فانفجر الناس بالصراخ دفعة واحدة.
لكن وسط الضجيج
ظهر شيء غريب فوق أعلى البرج الشرقي للقصر.
رجل يرتدي عباءة حمراء طويلة.
لم يكن أحد قد لاحظه من قبل.
وكان يحمل قوسًا أسود ضخمًا.
وجّه السهم مباشرة نحو ظهر يونس
ثم ابتسم.
وأطلقه.
يتبعالجزء الأخير
انطلق السهم
ولم يره أحد إلا في اللحظة الأخيرة.
لكن الفيل الحربي تحرك فورًا، واندفع بجسده العملاق أمام يونس.
اخترق السهم السميك جلد الفيل قرب عنقه.
فأطلق الوحش صرخة هزّت المدينة كلها.
شهقت الجموع.
أما يونس
فنظر إلى الدم الداكن وهو يسيل فوق الرمال، وعيناه امتلأتا بالرعب.
صرخ أزار
احموا الأمير!
وانطلق فرسان الظل نحو البرج الشرقي، بينما بدأ الجنود الموالون للوالي يتفرقون في فوضى عارمة.
لكن الرجل صاحب العباءة الحمراء لم يهرب.
بل وقف أعلى البرج بهدوء غريب.
ثم خلع غطاء رأسه.
وفجأة
تجمّد الوالي في مكانه.
لأن الرجل كان ابنه الوحيد.
نادر.
الابن الذي ظن الجميع أنه مات في الصحراء منذ سنوات.
ارتبكت الساحة كلها.
حتى أزار توقف للحظة من شدة المفاجأة.
أما نادر
فنظر إلى أبيه باشمئزاز وقال بصوت وصل للجميع
كنتَ تظن أنني سأعيش عبدًا لقاتل؟
ارتعش الوالي.
نادر اسمعني
لكن ابنه قاطعه بعنف
قتلتَ الملك وقتلتَ الأطفال وحتى أمي ماتت خوفًا منك.
ساد صمت ثقيل.
ثم أشار نحو يونس.
هذا الطفل أحقّ بالحكم منك ألف مرة.
صرخ الوالي بجنون وهو يحاول النهوض
أنا من بنى هذه المدينة! أنا من جعل الناس تخاف وتحترم!
فرد نادر ببرود
لا أنت فقط جعلتهم يخافون.
وفي تلك اللحظة
بدأ الفيل الحربي يترنح.
السهم كان مسمومًا.
اقترب يونس منه بسرعة، رغم خوفه، ووضع يده الصغيرة على رأسه الضخم.
ولأول مرة منذ بداية اليوم
بكى.
همس بصوت
متسبنيش
الفيل أصدر صوتًا منخفضًا حزينًا، ثم أنزل رأسه ببطء قرب الطفل، كأنه يودّعه.
حينها تقدّم القائد الحبشي العجوز، والدموع تملأ عينيه.
وقال بصوت مبحوح
هذا الفيل كان للملك القديم وقد ربّاه والدك بنفسه منذ كان صغيرًا.
نظر الجميع إلى يونس بصدمة.
والحقيقة أخيرًا اكتملت.
الفيل لم يركع للطفل لأنه خاف منه
بل لأنه عرفه.
عرف رائحة الدم الملكي التي لم ينساها طوال خمسة عشر عامًا.
ثم
سقط الفيل أخيرًا فوق الرمال بصوتٍ هائل.
اهتزت الساحة كلها.
وانحنى يونس فوق رأسه يبكي، بينما خفض الناس رؤوسهم في صمت.
أما الوالي
فحاول الهرب وسط الفوضى.
لكنه لم يبتعد كثيرًا.
لأن جنوده أنفسهم أحاطوا به.
نزع قائد الحرس سيفه، ثم قال ببرود
انتهى حكمك.
وفي مشهد لم يتخيله أحد
اقتيد الوالي مكبّلًا عبر نفس الساحة التي كان يعاقب فيها الناس.
الناس الذين خافوه سنوات طويلة
وقفوا ينظرون إليه بصمت فقط.
لا هتاف
لا شفقة
فقط نهاية رجل حكم بالخوف حتى صار وحيدًا تمامًا.
وبعد أيام
اجتمع أهل المدينة في الساحة نفسها.
لكن بدل الدم والصراخ
امتلأت بالأقمشة الملوّنة والزهور وأصوات الطبول.
وقف يونس مرتديًا عباءة بيضاء بسيطة، ما يزال يبدو طفلًا ضائعًا أكثر من كونه ملكًا.
اقترب أزار منه وسأله
هل تخاف؟
فكر يونس قليلًا
ثم نظر إلى مكان سقوط الفيل وقال
أيوه بس مش عايز حد يجوع أو يخاف تاني.
ابتسم أزار لأول مرة منذ سنوات.
ثم انحنى أمامه.
وتبعه
ثم الناس جميعًا.
وفي تلك اللحظة
أشرقت شمس جديدة فوق المدينة التي تعلّمت أخيرًا أن القوة الحقيقية ليست في
أن تجعل الناس ترتجف
بل في أن تجعلهم يشعرون بالأمان.