كنت قاعده لوحدي

لمحة نيوز

كنت قاعدة لوحدي في فرح أختي وفيه كرسيين فاضيين جنبي.. فجأة جه شخص غريب وطلب يرقص معايا، مكنتش أعرف إنه صاحب الفندق الحقيقي!
كان فيه كرسيين فاضيين على التربيزة المدورة القريبة من الكوشة، ورغم إن محدش نطق، بس الكرسيين دول كان ليهم أصحاب.
واحد كان ل تامر، الراجل اللي لحد شهر نوفمبر اللي فات كان خطيبي وقرينا فتحتنا. والكرسي التاني أختي صممت تحطه عشان العناد، مكنتش عاوزة تقسيم التربيزات يقول في سرّه اللي الكل عارفه إني جيت الفرح لوحدي.
أنا اسمي هنا، عندي 33 سنة، وبشتغل مترجمة كتب في دار نشر صغيرة في المعادي. أختي الصغيرة، سارة، كانت لسه متجوزة من كريم، مهندس ديكور من الرجالة الهادية اللي بتسمع قبل ما ترد. الفرح كان في فندق البارون الكبير ، مبنى أثري قديم في وسط البلد، أرضياته رخام ونجفه كريستال، والموظفين فيه بيمشوا كأن حتى خبط جزمتهم ليه قانون.
كنت قاعدة بفستان أخضر غامق أمي كانت بتقول عليه مخلّيكي عاقلة بس قمر. في إيدي كاس مية ساقعة، وعلى وشي ابتسامة مدرباها كويس عشان محدش يسألني أسئلة كتير. كان بقاله 6 شهور بالظبط من ساعة ما تامر سابني برسالة على الإيميل، قبل الفرح المدني ب 3 أسابيع! قال إيه؟ محتاج يلاقي نفسه.. بعدين عرفت إنه لقى نفسه مع مصورة من المنصورة.
كنت فاكرة إن الوجع راحت عليه.. بس الأفراح ديماً بتعرف تفتح الجروح القديمة.
الفرقة خلصت أغنية فرفوشة، وعازف البيانو قعد مكانه. سارة بصت لي من الكوشة وعينيها واسعة.. أنا فهمت من قبل ما النوتة الأولى تطلع.
دي كانت معزوفة يا مسافر وحدك.
أبويا، الحاج مصطفى، كان بيعزفها في كل فرح في العيلة. كان يقول مفيش فرح مصري بيكمل من غير ما

نفتكر الغايبين. كان مدرس مزيكا في مدرسة حكومي في طنطا، راجل طيب وصوابعه طويلة، كان بيصلح النشاز بنفس الحنية اللي كان بيسرح لي بيها شعري وأنا عيلة صغيرة. مات من 8 سنين، يوم سبت بعد الحصة.. ومن ساعتها، محدش في بيتنا شغل النغمة دي تاني.
سارة هي اللي طلبتها.. عرفت ده من وشها اللي كله ذنب.
النوتة الأولى دست على قلبي كأن حد فتح باب مقفول بقاله سنين. شفت أبويا قاعد على البيانو القديم في الصالة، وجنبه كوباية الشاي بياسمين وهو بيقولي ما تترجميش كلمة بكلمة يا هنا.. ترجمي الأغنية عاوزة تقول إيه. كنت وقتها 16 سنة ومعرفش إني هعيش من الشغلانة دي.
ما عيطتش.. اتجمدت مكاني.
سارة كانت عاوزة تجري عليا، بس جوزها كريم حط إيده على ضهرها وخدها يرقصوا. عملت لها إشارة صغيرة بإيدي أنا تمام. كنت بكدب، بس الأخت العروسة بتستحق تصدق كدبة حلوة لمدة 3 دقائق.
الأغنية خلصت وبدأت مزيكا هادية، والناس نزلت ترقص. أمي، الحاج سعاد، كانت واقفة عند البوفيه بتتكلم مع خالة العريس. وفضلت أنا قاعدة لوحدي.. الكرسي الفاضي بتاع تامر على شمالي، والتاني على يميني. الكرسيين كانوا كأنهم بيتمسخروا عليا بأدب.
وفجأة.. لقيت راجل بيعدي وسط الناس وبيمشي ناحية تربيزتي.
مكنش مستعجل، ولا عنده الثقة الرخيصة والمستفزة بتاعة الرجالة اللي فاكرين إن أي ست قاعدة لوحدها مستنية حد ينقذها. كان طويل، قمحي، لابس بدلة كحلي فخمة ومن غير كرافتة. عنده علامة صغيرة تعويرة قديمة جنب حاجبه الشمال، ونظرته هادية جداً، كأنه متعود يسمع مشاكل الناس من غير ما يقاطعهم.
وقف قدام الكرسي الفاضي بتاع تامر.
وقال بصوت واطي ومحدد، مش صياعة ولا تطفل
أنتي فوتّي أغنيتين
مالحقتيش ترقصيهم.
رديت ببرود أنا مشغولة.
وأنتي قاعدة؟
ب أحاول أنفد بجلدي من الليلة دي.
قبل الرد بتاعي وكأنه رد مقنع ومنطقي جداً.
تحبي ترقصي اللي جاية؟
لأ.
ما أصرش، وده فاجأني أكتر من السؤال نفسه.
بص للكرسي الفاضي وقالي
ممكن أقعد؟
الكرسي فاضي.
أنا ما سألتش لو كان فاضي.. أنا سألت لو ينفع أقعد.
بصيت له بتركيز ساعتها. مكنش بيبتسم عشان يتقرب، ولا بيمثل الشفقة. كان فيه جدية غريبة ومحترمة جداً في ملامحه.
قلتله اتفضل اقعد.. بس مش هرقص.
قعد، بس مش وش لوش.. قعد بجنب شوية، كأنه مش عاوز يقتحم مساحتي الزعل بتاعتي.
بعد لحظة قال أنا اسمي سليم.
هنا.
عارف.
رفعت عيني وبصيت له بذهول عارف منين؟
أنا شغال هنا في الفندق.. وشفت كشف المعازيم.
آه.. مدير الفندق يعني؟
أخد نص ثانية قبل ما يرد حاجة زي كدة.
ما سألتش أكتر.. ساعات الواحد بيبقى تعبان ومش قادر يعرف تاريخ حياة حد غريب.
قلت من غير سبب أختي اتجوزت من عشرين دقيقة.. وخطيبي السابق ما جاش.
رد بمنتهى الصدق من غير قسوة أنا لاحظت ده كمان.. وبصيت للبيانو.. أنا اللي طلبت منهم ينفذوا طلب عيلة العروسة في المعزوفة، مكنتش أعرف إنها هتوجعك.
بلعت ريقي ما وجعتنيش.. أو وجعتني، مش عارفة. دي كانت أغنية بابا.
سليم نزل عينه الأرض ثانية وقال يبقى مكنش ينفع يشغلوها من غير ما يستأذنوكي.
بالعكس، قلت وصوتي فاجأني بثباته. يمكن كنت محتاجة أسمعها عشان أعرف إني مش ه اتكسر.
ما قاليش أنا آسف ولا معلش، وشكرته في سري على ده.. فيه مواساة بتقع على القلب زي الطوب.
فضل قاعد معايا أغنية كمان. ما طلبش مني حاجة، ما سألنيش عن تامر، ولا حاول يهرّج عشان يضحكني. هو بس قعد على الكرسي اللي
الكل سابه فاضي.. ولأول مرة من 6 شهور، مأحستش إني الست المكسورة اللي خطيبها سابها. كنت مجرد هنا، ست قاعدة في فرح، وبتتنفس بروقان.
قبل ما يقوم، عدل الكرسي براحة وقالي
أنا مبسوط إنك مرقصتيش.
وأنا كمان.
واختفى من باب جانبي في القاعة.
تاني يوم الصبح.. اضطريت أرجع الفندق تاني. سارة أختي كلمتني من المطار وهي بتعيط لأنها نسيت في الجناح ال حلق لولي بتاع جدتنا. أمي كانت هبطانة ومش قادرة، ف رحت أنا.
صالة الفندق الساعة 10 الصبح كانت عالم تاني خالص نور ربنا، ريحة قهوة غالية، والرخام بيبرق. عند الاستقبال، راجل كبير بشنب أبيض رحب بيا باسمي
يا فندم.. إحنا كنا مستنيينك، الحلق في الأمان.
الكارنيه بتاعه كان مكتوب عليه عم فؤاد.
خدني للاسانسير، وفي الدور ال 14، المشرفة سلمتني كيس مخملي صغير، والحلق جواه زي ما هو. وأنا خارجة من الجناح، لفيت ناحية الاسانسير وخبطت في شخص شايل دوسيهات..
كان سليم.
مكنش لابس البدلة الكحلي.. كان لابس بلوفر رمادي وبنطلون غامق وجزمته نضيفة زي المراية. مسكني من كوعي ثانية بالظبط عشان ما اقعش، وسابني فوراً.
أنا آسف، قالها.
أنت تاني؟ قلتها وأنا مستغربة.
سليم ابتسم وبص للدوسيهات اللي في إيده وقال أنا ديماً هنا.. مش قولتلك شغال هنا؟
وفي اللحظة دي، عم فؤاد موظف الاستقبال جه بيجري وهو نَفَسه مقطوع وبص ل سليم وقاله
سليم بيه! الحمد لله إني لقيت حضرتك.. المستثمرين الإيطاليين وصلوا في قاعة الاجتماعات ومستنيين صاحب الفندق عشان يوقعوا عقد الشراكة الجديد!
أنا اتسمرت مكاني وبصيت له.. سليم بيه؟ صاحب الفندق؟!
سليم بص ل عم فؤاد وهز راسه بهدوء خمس دقائق وهكون عندهم يا فؤاد.
وبعدين لف وبص
في عيني، والابتسامة الهادية رجعت على وشه وقالي
بما إن الحلق رجع.. وبما
تم نسخ الرابط