كنت قاعده لوحدي

لمحة نيوز

كأنه بيفك عقدة من يوم طويل.
سليم ما كانش ماشي بسرعة، ولا بيحاول يسبقني. كان سايب لي مساحة أمشي فيها زي ما أنا عايزة.
بعد شوية سكت وقال إنتي بتفكري كتير دلوقتي.
بصيت له واضح أوي؟
لأ بس باين إنك مش متعودة تمشي من غير ما تبقي مستنية رد فعل من حد.
الكلام خبط في نقطة حساسة.
ما رديتش بسرعة، وبعدين قلت أنا طول عمري باخد ردود أفعال الناس في اعتباري.
هز راسه وده متعب.
سكتنا تاني.
وصلنا كوبري صغير على النيل. الميه كانت هادية، وعاكسة نور الصبح كأنها مرآة متأخرة عن العالم.
وقفنا.
سليم سند بإيده على السور وقال عارفة إيه أخطر حاجة؟
إيه؟
إن الواحد يفضل يعيش على نسخة قديمة من نفسه.
بصيت له زي إيه؟
اتنهد زي إنك تفضلي شايفة نفسك اللي اتسابِت مش اللي اختارت تكمل.
الكلمة دي خلتني أسكت.
اختارت تكمل.
كأنها أول مرة تتقال لي بالشكل ده.
قلت بصوت واطي أنا ما اخترتش حاجة أنا بس عدّيت الأيام.
بصلي وقال بهدوء وده برضه اختيار بس من غير ما تحسي.
سكتنا.
الريح كانت بتلعب في طرف الفستان الأخضر بتاعي، نفس الفستان اللي امبارح كان شاهد على كل حاجة.
فجأة، ضحكت ضحكة صغيرة إنت دايمًا بتتكلم كده؟
كده إزاي؟
كأنك بتفك الناس من جواهم.
ابتسم أنا شغلي في الفندق بيخليني أشوف الناس وهي مش عاملة حساب إنها بتتكشف.
سكت لحظة، وبعدين أضاف بس إنتي مختلفة.
رفعت حاجبي مختلفة إزاي؟
بص لي ثانيتين أطول من اللازم إنتي مش بتستخبي إنتي بس ساكتة.
الكلام وقع بينا، ومحدش كمل بعده بسرعة.
بعدها قال عندك خطة للنهارده؟
ضحكت أرجع البيت وأستوعب إني لسه واقفة.
طب لو ما رجعتيش دلوقتي؟
بصيت له يعني إيه؟
هز كتافه يعني تعيشي يوم مش معمول
عشان تفتكري وجع.
سكتت.
الفكرة نفسها كانت غريبة بس مش وحشة.
قلت وإنت؟ عندك شغل.
ابتسم الشغل موجود كل يوم بس الأيام اللي فيها نفس جديد مش كتير.
فضلت أبص للنيل.
وبعدين قلت أنا مش عارفة أعمل إيه من غير ما أرجع أفكر.
قال بهدوء جربي تعملي حاجة من غير ما تفكري.
زي إيه؟
سكت ثانية، وبعدين قال اختاري مكان نروح له دلوقتي من غير سبب.
ضحكت إنت بتطلب مني حاجة صعبة أوي.
عارف.
سكتنا تاني.
وبعدين قلت فجأة تمام نروح نجيب فطار من أي مكان عشوائي.
ابتسم ابتسامة خفيفة كده اتفقنا.
بدأنا نمشي تاني.
بس المرة دي ما كنتش ماشية وراه ولا هو ماشي ورايا.
كنا ماشيين جنب بعض.
وبين كل خطوة والتانية
حسّيت إن حاجة صغيرة جدًا جوايا بتفوق.
مش حب.
مش نسيان.
بس احتمال جديد ليا أنا دخلنا شارع جانبي صغير قريب من وسط البلد، مكان ما كانش فخم زي الفندق، بس فيه حياة حقيقية مخابز فاتحة بدري، ريحة عيش سخن، وصوت عربيات شايلة يومها على كتفها.
سليم وقف قدام محل فطار شعبي ده بيعمل فول كويس.
بصيت له باستغراب صاحب فندق كبير وداخلني فول؟
ضحك وأنا جايبك تتصنفي؟
دخلنا.
كان المكان بسيط جدًا، ترابيزات بلاستيك، وزحمة خفيفة من ناس رايحة شغل بدري. محدش كان مهتم مين مين.
قعدنا.
وأول مرة من ساعة ما خرجنا من الفندق، حسّيت إني مش مدعوة، ولا حكاية حد، ولا ست قاعدة بتتشاف.
كنت هنا بس هنا.
الراجل جاب الأكل بسرعة فول، طعمية، عيش سخن، وشاي تقيل.
سليم بص للطبق وقال مفيش حاجة في الدنيا بتظلمك هنا.
ضحكت حتى لو ظلمتني؟
الفول بيصلّح.
ضحكت أكتر.
الأكل كان بسيط، بس غريب كان بيفك شدّ جوايا من غير ما أحس.
وبعد شوية صمت، قلت إنت ليه قعدت معايا
امبارح أصلاً؟
سليم رفع عينه لأنك كنتي ساكتة بطريقة مش طبيعية.
وده سبب؟
أحيانًا أيوه.
سكت لحظة، وبعدين كمل وفيه سبب تاني.
إيه؟
ما ردش بسرعة.
كأنه بيختار كلامه لأول مرة من غير ما يكون متعود عليه.
حسّيت إنك مش محتاجة حد ينقذك محتاجة حد يفضل قاعد بس.
الكلام دخل جوايا بهدوء، من غير ما يوجع، بس هز حاجة قديمة.
قلت وإنت بتعمل كده مع كل الناس؟
هز راسه لأ.
ليه أنا؟
ابتسم ابتسامة صغيرة مش عارف.
سكتنا.
المكان حواليينا كان شغال، بس إحنا كنا في مساحة أهدى.
وبعدين فجأة، موبايله رن.
بص للشاشة، وشه اتغير لأول مرة من بداية اليوم.
آسف لازم أرد.
قام خطوة بعيد، واتكلم بصوت واطي.
أنا فضلت قاعدة، ببص على الطبق اللي قدامي، بس ودني معاه.
سمعت كلمة عقد إيطاليين تأجيل ضغط
رجع قعد بسرعة بعد ما قفل، وقال الشغل هيتأخر.
بصيت له أنا قلتلك.
هز راسه بس ما رحتش.
ضحكت وده معناه إيه؟
سكت لحظة طويلة.
وبعدين قال بهدوء معناه إن في حاجات بتستاهل تتأجل.
الكلمة دي خلتني أسكت.
أنا اللي طول عمري فاكرة إن كل حاجة لازم تمشي في وقتها الحب، الخسارة، النسيان، القرار.
وبعدين بصلي وقال هنا إنتي عارفة إنك مش مضطرة ترجعي زي ما كنتي؟
سؤال بسيط بس تقيل.
قلت وإزاي أبقى غير كده؟
سليم مسك الكوباية بإيده بالتجربة.
سكت.
وبعدين أضاف مش بالكلام.
بعد ما خلصنا، خرجنا من المكان.
الشمس كانت طلعت أكتر، والشارع بقى أزحم.
سليم وقف عند الرصيف وقال أنا لازم أرجع الفندق.
هزيت راسي وأنا كمان.
بس محدش اتحرك.
ثواني عدت.
وبعدين قال هتشوفي نفسك تاني؟
سكتت.
مش عشان السؤال صعب
بس عشان الإجابة لأول مرة ما كانتش واضحة زي الأول.
قلت مش عارفة.
ابتسم
كويس.
كويس تاني؟
أيوه لأنك ما قولتيش لأ.
سكت لحظة، وبعدين مد إيده لو احتجتي تقولي حاجة مش عارفة فيها الفندق مفتوح.
بصيت لإيده.
وبعدين بصيت له.
ومسكتش إيده.
بس قلت يمكن.
ابتسم.
ومشي.
وقفت مكاني شوية بعد ما اختفى وسط الزحمة.
مش عشان أنا مستنياه
لكن عشان لأول مرة، ما كنتش مستنية حد أصلاً.وقفت مكاني لحظة طويلة بعد ما اختفى وسط الزحمة.
الموضوع ما كانش هو مشي الموضوع كان إن جزء مني ما مشيش معاه، بس كمان ما رجعش زي ما كان.
رجعت الفندق لوحدي.
نفس البوابة، نفس الرخام، نفس الإضاءة الهادية اللي بتحاول تبان فخمة وهي في الحقيقة بتخبي صمت كبير.
عم فؤاد شافني الحلق اتسلم يا فندم؟
هزيت راسي بابتسامة صغيرة اتسلم.
بس أنا كنت عارفة إن في حاجة تانية اتسلمت جوايا مش الحلق.
ركبت الأسانسير، وطلعت للدور اللي فيه قاعة الاجتماعات.
من بعيد، سمعت صوت خفيف لناس بتتكلم، ضحك رسمي، مصافحات، لغات مش مفهومة.
وقفت قدام زجاج كبير بيطل على القاعة.
وشفت سليم.
واقف في النص، لابس بدلة تانية، ووشه نفس الهدوء بس المرة دي الهدوء ده كان محاط بدنيا كاملة ماشية حواليه.
كان بيوقع ورق، بيهز راسه، بيرد، بيقرر.
صاحب الفندق الكلمة كانت لسه غريبة، بس الحقيقة كانت واضحة.
ومع ذلك
في لحظة وسط كل ده، رفع عينه فجأة.
كأنه حس بيا.
عينه جت في اتجاهي عبر الزجاج.
ما اتكلمناش.
ما اتحركناش.
بس اللحظة دي كانت كفاية.
كأن في جملة اتقالت من غير صوت إنتي موجودة.
ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا ابتسامة مش شغل، ولا رسمية.
ابتسامة الراجل اللي قعد جنبك في فرح وانتِ مش متوقعة حاجة.
رديت عليه بابتسامة أصغر.
وبعدين مشيت.
مشيت من غير ما أستنى حد،
ومن غير ما أهرب من حد.
ولأول مرة من سنين
ما كانش في كرسي فاضي جنبي.
ولا حد مستني يملاه.
كان فيّ أنا بس.
وبس كده، البداية الحقيقية بدأت من غير ما تعلن عن نفسها.

تم نسخ الرابط