كنت قاعده لوحدي
المحتويات
إنك عرفتي أنا مين.. تحبي نشرب قهوة دلوقتي، ولا لسه شايفة إنك مشغولة؟
بصيت له ثواني كأني بحاول أرجّع الحوار في دماغي من الأول.
سليم بيه صاحب الفندق؟
الكلمة كانت تقيلة في بقّي، مش عشان معناها، لكن عشان الفرق بين الشخص اللي قعد جنبي امبارح وبين الشخص اللي واقف قدامي دلوقتي وبيتعامل معاه الناس كأنه قرار مهم في البلد كلها.
سليم رفع حاجبه بهدوء وقال فيه مشكلة في ده؟
ابتسمت بسخرية خفيفة لا مفيش مشكلة. بس واضح إني كنت قاعدة بشتكي لمين ما ينفعش أشتكي له.
ضحك ضحكة قصيرة، مش ضحكة استعلاء، أقرب لدهشة لطيفة وأنا كنت مستمع كويس على فكرة.
سكتنا لحظة، صوت التكييف في الممر هو اللي كان مالي الفراغ بينا.
وبعدين قال القهوة؟
كنت المفروض أقول لأ. ده الطبيعي. ده الصح. ست مش فاكرة توازنها العاطفي تقعد مع صاحب المكان اللي شافها مكسورة امبارح.
بس بدل كل ده، لقيت نفسي بقول عشان ما تفتكرش إنك أنقذتني امبارح القهوة دي عادي.
هز راسه اتفقنا. مش إنقاذ.
ومشينا.
في كافيه الفندق اللي تحت، كان الصبح لسه بيجري، والناس اللي جاية شغل بتتحرك بسرعة، كأن كل واحد ماسك يومه بإيده وبيجري بيه.
قعد قدامي، وحط الدوسيهات على الكرسي اللي جنبه، كأنه قفل باب الشغل مؤقتًا.
بتشربي إيه؟ سألني.
أي حاجة من غير سكر.
بصلي ثانيتين غريبة بتستحمي من الحلو يعني؟
مش بحبه يبقى زيادة عن اللزوم.
جاب القهوة، وحطها قدامي، وقال واضح إنك مش بتحبي أي حاجة زيادة عن اللزوم.
الكلام دخل جوايا بشكل مزعج شوية لأنه كان قريب من الحقيقة.
سكت، وبعدين فجأة قال الليلة امبارح أنا ما كنتش متوقع أقعد كده.
رفعت عيني وأنا ما كنتش متوقعة أقعد أصلاً.
ابتسم بس قعدتي.
وفي اللحظة دي، الموبايل بتاعي رن.
اسم تامر ظهر على الشاشة.
اتجمدت إيدي
سليم لاحظ، من غير ما يبص للشاشة، وقال بهدوء مش لازم تردي.
بس أنا رديت.
ألو؟
صوت تامر كان متوتر، مختلف هنا أنا محتاج أتكلم معاكي. دلوقتي.
سكتت.
سليم كان سايب عينه في الكوباية قدامه، بس واضح إنه سامع كل حاجة.
قلت مفيش حاجة نتكلم فيها.
تامر بسرعة فيه. أنا كنت غلطان والموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
ضحكت ضحكة صغيرة من غير روح غريبة دايماً الرجالة بتفتكر إن الجملة دي بتصلّح أي حاجة.
سليم رفع عينه ليّ لأول مرة.
وكأنه بيسمعني بجد دلوقتي.
تامر على الناحية التانية أنا محتاج أشوفك. النهاردة.
سكت لحظة.
وبعدين بصيت لسليم.
مش عارفة ليه بس كان كأنه مش غريب خلاص.
قلت لتامر أنا مش فاضية.
وقفلت.
حطيت الموبايل على الترابيزة بإيد ثابتة زيادة عن اللزوم.
سليم قال بهدوء كويس إنك قلتي كده.
كويس؟
أيوه. لأنك لأول مرة ما قلتيش حاجة عشان ترضي حد.
سكت.
الكلمة دي ما كانتش مجاملة كانت مرآة.
وبعد لحظة، قال عايز أسألك سؤال.
اتفضل.
لو تامر ما كانش رجع كنتي هتفضلي واقفة في نفس المكان؟
سؤال بسيط بس وقع كأنه باب بيتقفل وبيتفتح في نفس الوقت.
ما رديتش بسرعة.
لأول مرة، ما كانش عندي رد محفوظ.
وبعد ثواني، قلت مش عارفة.
سليم هز راسه كأنه متوقع الإجابة.
وبعدين قال جملة خلتني أسكت تمامًا
طيب خلينا نبدأ من هنا.
رفعت عيني ليه نبدأ إيه؟
بس قبل ما يرد
دخل راجل من باب الكافيه بسرعة، لابس بدلة رسمية، ووشه مشدود، ووقف جنب ترابيزتنا
سليم بيه في مشكلة في الصفقة الإيطالي. الاجتماع اتقدم نص ساعة، ومحتاجين حضرتك فورًا.
سليم ما اتحركش فورًا.
بصلي لحظة.
نظرة أطول من اللازم.
وبعدين قال وهو بيقوم استنيني هنا.
مش هستناك.
ابتسم ابتسامة خفيفة غالبًا هتستني.
ومشي.
فضلت قاعدة لوحدي تاني.
بس المرة دي
الكرسي
كان كأنه مستني حاجة تحصل فضلت قاعدة في نفس المكان، القهوة قدامي بردت من غير ما ألمسها.
كلام سليم استنيني هنا كان لسه عالق في ودني مش لأنه أمر، لكن لأنه اتقال كأنه حقيقة مش اقتراح.
ضحكت بسخرية لنفسي هو أنا مستنية إيه أصلًا؟
بس رغم كده ما قمتش.
دقايق ورا دقايق، الكافيه كان بيبقى أهدى شوية، والموظفين بيمروا بسرعة كأنهم جزء من نظام أكبر مني ومن مزاجي.
وفجأة الموبايل رن تاني.
نفس الرقم.
تامر.
اترددت ثانية، وبعدين قفلت من غير ما أرد.
بعدها بدقيقة، رسالة أنا عند باب الفندق. مش همشي غير لما أشوفك.
رفعت عيني ناحية الباب الزجاجي.
وفعلاً كان واقف.
نفس الشخص اللي سابني برسالة محتاج ألاقي نفسي، واقف دلوقتي كأنه فاكر إنّي لسه نفس النسخة اللي هتستناه.
قلبي ما دقش بسرعة بالعكس، كان هادي بشكل غريب.
كأن حاجة جوايا اتقفلت من زمان.
تامر دخل الكافيه بخطوات متوترة، عينه بتلف في المكان لحد ما شافني.
جري ناحيتي هنا
ما قمتش.
بس قلت بهدوء اتأخرت.
وقف قدامي، وشه مليان كلام متكسر أنا عارف إني غلطت بس اسمعيني بس.
سكت لحظة، وبعدين كمل اللي حصل بيني وبينها كان غلط وأنا سيبتها خلاص.
ضحكت من غير صوت سيبتها بعد إيه؟ بعد ما خلصت؟
اتجمد.
الكلمة وجعته وأنا حسيت بده.
بس ما حستش بالذنب.
غريبة أول مرة.
قال بسرعة أنا جاي أصلّح كل حاجة. إحنا كنا قربنا نتجوز يا هنا.
هنا.
اسمي اللي كان زمان بيخليه يهدّي.
دلوقتي بقي مجرد كلمة بيستخدمها كأنه بيفتح باب قديم بالعافية.
وفي اللحظة دي
سمعت صوت ورايا.
هادئ.
ثابت.
هي مش محتاجة تتصلّح.
التفتنا الاتنين.
سليم.
واقف عند مدخل الكافيه، لسه لابس بدلة الشغل، بس الكرفايتة في إيده، وعينه ثابتة على تامر.
تامر بص له باستغراب
سليم قرب خطوة واحدة بس أنا الشخص اللي كانت بتتكلم معاه وهي مش محتاجة تبرر وجعها لحد.
الصمت وقع على الترابيزة زي حجر.
أنا ما اتحركتش، بس قلبي عمل حركة خفيفة غريبة عليّا.
تامر بصلي هنا ده مين؟
قبل ما أرد
سليم رد بدلّي ده مش مهم دلوقتي.
وبعدين بصلي أنا إنتي قلتي مش هتفضلي واقفة في نفس المكان.
سكت.
كأنه فاكر كلامنا حرف حرف.
تامر اتعصب إنت بتدخل ليه في كلامنا؟
سليم ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا لأن واضح إن مفيش كلام أصلاً ده رجوع متأخر لحاجة خلصت.
تامر بصلي برجاء هنا قولي له يمشي. إحنا لازم نتكلم.
وفي اللحظة دي
حسّيت إن كل حاجة واقفة على جملة واحدة.
نظرتي راحت لسليم.
كان مستني من غير ضغط.
ومن غير ما يطلب حاجة.
وبعدين بصيت لتامر.
وشفت الشخص اللي كنت مستنية منه حب بس لقيت نفسي مستنية منه تفسير.
وماجاش.
قفلت عيني ثانية قصيرة.
ولما فتحتهم
قلت بهدوء مفيش حاجة تتقال تاني يا تامر.
سكت.
كأن الكلمة دي كانت الحكم.
سليم ما ابتسمش ما انتصرش بس هز راسه بهدوء.
تامر رجع خطوة لورا يعني إيه؟
يعني اتأخرنا.
سكت لحظة، وبعدين مشي.
من غير ما يبص وراه.
من غير ما يقاتل أكتر.
كأنه أخيرًا فهم إن الباب اتقفل.
فضلت واقفة مكاني بعد ما مشي.
مش فرحانة ومش مكسورة.
بس أخف.
سليم قرب مني بهدوء وقال إنتي كويسة؟
بصيت له.
وبعدين لأول مرة من يوم الفرح
قلت الحقيقة من غير ما أزوقها مش عارفة.
سكت لحظة، وبعدين قال دي إجابة كويسة.
ضحكت كويسة إزاي يعني؟
لأنها بداية.
سكتنا.
والكافيه كله كأنه رجع يشتغل تاني حوالينا.
وبعدين قال، وهو بيفتح باب الخروج بإيده تعالي.
رايحين فين؟
بصلي برا الفندق.
عشان إيه؟
ابتسم عشان مايبقاش كل اللي في حياتك كراسي فاضية.
وقفت لحظة.
وبعدين مشيت وراه طلعنا من باب الفندق،
الشارع كان لسه صاحي بدري، عربية بتعدّي هنا وهناك، وصوت المدينة ماشي ببطء
متابعة القراءة