يامستر

لمحة نيوز

يا مستر.. أرجوك.. بلاش تخليني أمشي معاه، البنت ما عيطتش، هي بس استسلمت، كأنها اتعلمت بدري إن الكبار مش دايماً بيحموها!
على الساعة تلاتة وخمس دقايق العصر، كان الطابور قدام باب الحضانة في المدرسة الابتدائي زحمة كالعادة وزي أي يوم، أولياء أمور راكنين صف تاني، وعيال صغيرة بتجر شُنطها على الرصيف، والمدرسين بينادوا على الأسامي وسط الكلاكسات وصوت أتوبيسات المدرسة. وفجأة، فريدة اتسمرت في مكانها، بنت عندها ست سنين، حاطة توكة بفيونكة حمراء في شعرها وشنطة ميكي ماوس ملوية على كتفها، بس وشها فجأة بقى أبيض زي القماش، شدت بنطلون أستاذ أحمد وهمست بصوت واطي جداً لدرجة إنه مكانش هيسمعها يا مستر.. أرجوك.. بلاش تخليني أمشي معاه. أستاذ أحمد نزل على ركبه بسرعة وحاول يخلي صوته هادي رغم إن فيه نغزة وجعت قلبه فريدة، يا حبيبتي، قصدك على مين؟، البنت ماتكلمتش، هي بس شاورت بصابعها الصغير ناحية بوابة المدرسة. على الناحية التانية من البوابة، كان واقف راجل كبير في السن، لابس قميص مكوي جزمة بتلمع، وماسك in إيده شنطة جلد سوداء، وكان بيتبسم ابتسامة راجل متعود إن كل الأبواب بتتفتح له، وقرب وقال بثقة مساء الخير يا أستاذ، أنا جاي آخد حفيدتي، أنا ممدوح، والد دينا. أستاذ أحمد فتح كشف الأسماء المصرح ليها بالاستلام، ولقى اسم الراجل مكتوب فعلاً، وممضي من الأم ومعاه صورة بطاقته، يعني على الورق كل حاجة تمام ومفيهاش غلطة، بس فريدة كانت بترتعش، قفشت في بنطلون أستاذ أحمد أكتر وهمست مش عايزة أمشي معاه.. أرجوك. أحمد حس بوجع في بطنه وخوف غريب، الأصول والورق بيقولوا حاجة، بس الطفلة اللي قدامه كانت بتترجى بجسمها كله، فقال بحذر

يا حاج ممدوح، أنا هكلم والدة فريدة الأول قبل ما تسلمها، ابتسامة الراجل اختفت ووشه اتغير وقال أفندم؟ أنا معايا تفويض، وبنتي عارفة إنني جاي، أحمد رد عليه أنا فاهم، بس فريدة شكلها خايف جداً، ممدوح جز على سنانه وقال بصوت واطي العيال الصغيرة بتخاف من الهوا، ما تعملش مشكلة من مفيش. أحمد دخل المكتب وطلب دينا، الأم ردت بسرعة وصوت كيبورد ودوشة مكاتب شغال في الخلفية أيوه يا أستاذ أحمد، بابا جاي ياخد فريدة النهاردة، تمام مفيش مشكلة، هي بس تلاقيها اتفاجأت عشان ماشافتهوش من كام يوم، معلش مشيها عشان أنا في الشغل، أحمد غمض عينيه لثانية، معاه الإذن الورقي ومعاه تأكيد الأم في التليفون، بس قدامه طفلة مرعوبة واقفة عند البوابة بتترجاه بعينيها عشان ما ياخدش القرار الغلط. لما رجع لها، فريدة بصت له كأن رده هو اللي هيحدد مصيرها، فقال لها بحنية مامتك قالت تمام، وش البنت اتغير في ثانية، ما صرختش، وما عيطتش، هي بس استسلمت، كأنها اتعلمت بدري إن الكبار مش دايماً بيحموها. وقبل ما يفتح البوابة، أحمد مال عليها وهمس فريدة، لو محتاجة مساعدة قولي لي، وأنا بوعدك هصدقك، للحظة عينيها لمعت بأمل صغير، بس ممدوح مد إيده ومسك كفها، وأول ما لمسها جسم فريدة كله خشب واتصلب، الراجل قال بابتسامة ناشفة شكراً يا أستاذ، ومشي بيها. أحمد فضل واقف عند الباب باصص عليهم لحد ما اختفوا وسط الزحمة والمحلات وأولياء الأمور اللي بيجروا قبل خنقة المرور، والليل ده هو ماعرفش ينام، جملة واحدة كانت بتزن في ودنه أرجوك.. بلاش تخليني أمشي معاه. تاني يوم الصبح، فريدة مجتش بنفس الضحكة، ما جريتش على الفصل، ولا شاورت لصحابها، ولا طلبت الألوان الفلوماستر
ولا حكت لأستاذ أحمد عن الكارتون اللي بتحبه، قعدت لوحدها في الركن وباصة للأرض، وفي وقت الفسحة ما لعبتش، ولما عيل صرخ جنبها اتخضت وجسمها اتنفض، ولما أحمد سألها براحة لو عايزة تتكلم هزت راسها بلا. المديرة قالت له راقبها، يمكن أيام صعبة عليها وتعدي، بس أحمد كان عارف شكل الخوف الحقيقي كويس. ويوم الجمعة العصر، في الوقت اللي بدأ يشك فيه إنه يمكن يكون بيتخيل الأسوأ، دخلت مدرسة المساعدة ووشها مخطوف وقالت بصوت واطي أستاذ أحمد.. جد فريدة واقف بره، وبيقول إنه جاي ياخدها تاني. فريدة أول ما سمعت كلمة جدها، جسمها كله قفل، وفجأة، وقدام الفصل كله، نزلت على ركبها وهي بتشهق بالدموع ومش قادرة تاخد نفسها، ومن كتر الرعب والنهجان، عملتها على روحها. الفصل كله سكت سكتة موت، لأن في اللحظة دي بالذات، أستاذ أحمد فهم الحقيقة المرعبة، ده مكانش دلع عيال، ده كان صرخة إنقاذ وأخطر إنذار ممكن يسمعه، واللي حصل بعد كده هيخلي المدرسة كلها تندم على كل ثانية تجاهلوا فيها خوف البنت دي.
يا ترى إيه السر البشع اللي مخبياه فريدة ومرعوبة منه للدرجة دي؟ وإيه اللي هيعمله أستاذ أحمد بعد ما شاف الكارثة دي بعينيه عشان يلحق البنت قبل فوات الأوان؟ اللي جاي هيصدمكم ويكشف مستور مكنش يخطر على بال بشر!
أستاذ أحمد ما اتحركش من مكانه غير لما صوت البنت وهي بتنهار رجّعه لواقعه تاني.
لحظة صمت طويلة عدّت على الفصل كله، والكل واقف مش فاهم اللي بيحصل بس هو كان فاهم كويس إن دي مش مشكلة طفل وخلاص.
شد نفس عميق وقال بصوت حاسم للمساعدة
اقفلي الباب حالاً.. ومحدش يخرج البنت دي برّه مهما حصل.
المساعدة اتلخبطت
بس يا أستاذ هو جدها ومعاه إثباتات
قاطعها
بسرعة
مش هتتحرك خطوة واحدة من غير ما أتأكد بنفسي.
قعد جنب فريدة تاني، بس المرة دي ما كانش بيكلمها كمدرس كان بيكلمها كحد بيحاول ينقذها من حاجة هي مش قادرة تقولها.
فريدة بصّي لي. مفيش حد هيغصبك. بس قوليلي بصراحة إيه اللي مخوفك؟
البنت كانت بتترعش، وشفايفها مش عارفة تطلع صوت. بس بعد ثواني طويلة، همست بصوت مكسور
هو مش جدي
أحمد اتجمد.
يعني إيه؟
بلعت ريقها بالعافية وكملت
ماما قالت كده بس أنا أنا ما شفتوش قبل كده وهو بيقول حاجات تخوف وبيقفل عليّا الباب
الجملة الأخيرة كانت كفاية تخلي دم أحمد يبرد.
قام فورًا، وفتح الباب الداخلي للمكتب وهو بيقول بسرعة
اتصلوا بالمديرية دلوقتي. وابلغوا حماية الطفل.
في اللحظة دي، صوت خبط عنيف جه من برّه البوابة.
افتحوا الباب! البنت دي لازم تيجي معايا!
نفس الراجل.
بس المرة دي مفيش ابتسامة مفيش هدوء. كان صوته متوتر وغاضب بشكل يخوّف.
أحمد وقف قصاد الباب الزجاجي وبص له مباشرة وقال بثبات
مش هتخرج معاها.
الراجل ضحك ضحكة قصيرة
إنت فاكر نفسك مين؟ الورق معايا.
أحمد رد
والخوف اللي جوه الطفلة عندي وده أقوى من أي ورق.
فريدة أول ما سمعت الصوت، جريت واستخبت ورا كرسي في الركن، وبدأت تعيط من غير صوت.
دقايق وعدّت كأنها ساعات.
لحد ما سمعوا صوت عربية شرطة بتقف قدام المدرسة.
الراجل برا حاول ينسحب بسرعة، لكن كان خلاص اتقفل عليه الموضوع.
أول ما دخل الضابط، أحمد ما استناش سؤال واحد أشار لفريدة وقال
دي الحالة.
الضابط نزل لمستواها بهدوء، وبدأ يكلّمها بصوت مطمّن. ولأول مرة فريدة رفعت عينها بس المرة دي مش رعب بس كان فيه أمل صغير بيتولد.
بعد دقائق، الحقيقة بدأت تتكشف واحدة واحدة الأوراق
كانت مزوّرة، والاسم اللي في
تم نسخ الرابط