بنتي الوحيده
بنتي الوحيدة ماتت في حادثة تعور القلب.. وبعد الجنازة، أصحابها نطوا جوه البيت وقالوا لي هي طلبت مننا نديكي ده بس لو جرى لها حاجة وماتت.
بنتي ملك كان عندها ١٦ سنة بس. خبطتها عربية وهي راكبة العجلة مع أصحابها. ورغم إني عارفة إن مش صح ألوم عيال مراهقين، بس ما قدرتش أتحكم في وجعي وناري اللي قايدة.
ما تجوش بيتنا تاني.. أنتوا خلاص عملتوا الواجب وزيادة، ده اللي قلته بنبرة مكسورة وفاضية لما أصحاب ملك جم يعزوني تاني يوم وفاتها.
هم لسه عارفين بعض قريب، وكانوا بيعملوا الحاجات العادية بتاعة الشباب السن ده يتفسحوا، الشرطة توقفهم كام مرة.. مفيش حاجة كبيرة يعني، مجرد شقاوة شباب عادية.
قبل ما ننقل المنطقة الجديدة دي، ملك كانت هادية بطريقة رقيقة جداً تخطف القلب. وأصحابها الجداد ما كانوش عيال وحشة..
بس ما كنتش قادرة أشيل من دماغي فكرة إن لولا لمتهم وتأثيرهم عليها، كانت زمانها لسه عايشة وفي حضني لحد دلوقتي.
يوم جنازة ملك عدا وأنا مش حاسة بالدنيا حواليا. وأصحابها ما ظهروش خالص في الجنازة.
رجعت البيت وأنا مستنية ألاقي سكون الموت. بس اتفاجئت بباب الشقة مفتوح على بحري.. وكل أنوار البيت منورة كأنه فرح!
قلبي اتنفض من الرعب.. في حد جوه!
لقيتهم واقفين في الصالة.. أصحاب ملك كلهم، واقفين
أنتوا اتجننتوا؟ صوتي شرخ من الصدمة. بتقتحموا بيتي في اليوم اللي بدفن فيه بنتي؟
واحد منهم قال بسرعة والله الموضوع مش زي ما أنتي فاهمة خالص!.
شاورت على الباب وإيدي بتترعش من الغضب والوجع.
اطلعوا بره.. أنا مش عارفة أنتوا بتعملوا إيه هنا، بس مش مرحب بيكم.. كفاية عذاب وحرقة دم لحد كده.
في الوقت ده، البنت الشقرا فيهم خطت خطوة لقدام وقالت بصوت واطي ومبحوح إحنا هنا عشان ننفذ آخر وصية لملك.
الكلمة وقفت الدم في عروقي.. آخر وصية؟
البنت قالت أرجوكي.. تعالي معانا وشوفي بنفسك.
رجلي تحركت لوحدها من غير تفكير وأنا ماشية وراهم على جوه الصالة.. وفجأة شفت الحاجة اللي جابوها واتسمرت في مكاني ونفسي انقطع.
يا نهار أبيض! ده أنت؟! مش ممكن.. إزاي ده حصل؟ سألت بصدمة وطلعت خطوة لقدام.
تفتكرو ايي اللى حصل بعد كدا
اتسمرت مكاني وأنا ببص للحاجة اللي جابوها
مش فاهمة أنا شايفة إيه.
كانت العجلة بتاعتها نفس العجلة اللي كانت راكبة عليها يوم الحادث، متخدوش منها غير الخدوش والتراب، بس كانت متغسولة ومقفولة بعناية، كأن حد رجعها من آخر الطريق مخصوص ليا.
إيدي وقعت جنب جسمي وأنا همست بصوت مكسور جبتوا ده ليه؟ إنتوا عايزين تعذبوني أكتر؟!
البنت الشقرا قربت بسرعة
ضحكت ضحكة قصيرة مش مصدقة قالت لكم إيه؟! هي ماتت يا بنتي!
ساعتها واحد من الولاد طلع موبايل بإيده وفتحه وهو بيقول مش هنقدر نشرح هي شرحت بنفسها.
وقبل ما أتكلم
فتحوا فيديو.
وظهر وش ملك.
بنتي.
بس مش في صورة قديمة لا كانت قاعدة على سريرها، لابسة تيشيرتها المفضل، وبتبص للكاميرا وهي مبتسمة ابتسامة هادية قوي الهدوء اللي كنت دايمًا بقلق منه من كتر ما كان أكبر من سنها.
قلبي اتشل.
صوتها خرج من الموبايل لو أنتي بتتفرجي على الفيديو ده يبقى أنا مش موجودة.
رجلي خدتني وقعت على الكرسي.
كملت وهي بتاخد نفس بسيط ماما بلاش تزعلي من صحابي. هما عمرهم ما كانوا السبب في حاجة وحشة.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
لو حصلي حاجة اعرفي إن ده كان اختيار اللحظة مش اختيار حد غيري.
هزيت راسي بعنف وأنا بعيط لأ لأ يا ملك متقوليليش كده
لكن الفيديو كمل.
في حاجة لازم توصلك حاجة أنا ما عرفتش أقولها وأنا عايشة.
سكتت ثواني، وبصت كأنها بتجمع شجاعة عمرها كله.
ماما العربية ما كانتش حادثة عادية.
اتجمد الدم في عروقي.
واستكملت في عربية خبطتنا بس سابتنا ومشيت. صحابي حاولوا يجيبوا رقمها بس اللي ساعدنا أكتر من أي حد كان واحد غريب وقف بالعربية بتاعته ونقلني للمستشفى.
بصت للكاميرا بعينين مليانة معنى وقال لهم حاجة غريبة لو حصل ليها حاجة، اديها لوالدتها الحاجة دي.
في اللحظة دي
واحد من الشباب قدملي مفتاح صغير.
نفس المفتاح اتعكست فيه الأنوار.
ملك في الفيديو قالت المفتاح ده لدرج في أوضتي. جوه هتلاقي الحقيقة اللي أنا ما قدرتش أقولها وهتعرفي ليه أنا اخترت أسكت وقتها.
سكتت فجأة وبصت للكاميرا بابتسامة موجعة أنا بحبك يا ماما ومش عايزاكي تكرهي الحياة بعدي.
الشاشة سودة.
والصمت عمّ البيت.
أنا مسكت المفتاح بإيد بترتعش، وطلعت أجري على أوضتها
وصوت قلبي كان أعلى من أي حاجة حواليّا.
لأني كنت حاسة إن اللي جاي مش بس سر عن بنتي
ده سر هيغيّر كل اللي كنت فاكرة إني عرفاه عن يوم موتها طلعت أجري على أوضة ملك وأنا مش حاسة برجليا أصلاً
المفتاح في إيدي بيرعش كأنه حي.
وقفت قدام الدرج الصغير اللي تحت سريرها.
الدنيا سكتت حواليّا بشكل مرعب حتى نفسي كنت سامعاه.
دخلت المفتاح في القفل.
تك.
صوت فتح بسيط بس جوايا كان زي انفجار.
فتحت الدرج
واتجمدت.
مش لقيت لعب ولا مذكرات زي ما كنت متوقعة
لا.
كان فيه كاميرا صغيرة جدًا وعلبة معدن قديمة ومجموعة صور مطبوعة.
صورتين بس كانوا مقلوبين على بعض.
بإيد مرتعشة قلبتهم
وقعت على ركبي.
في الصورة
كانت ملك واقفة جنب نفس العربية
لكن اللي خلاني أصرخ
إن في الصورة التانية
كان