زوجوني لراجل أصم
المحتويات
وقال ما زلت تلعب دور الحارس الطيب؟ بعد كل اللي صار؟
زوجي لم يرد.
لكنه رفع البندقية نحوه ببطء.
في تلك اللحظة فقط اختفت الابتسامة من وجه أخيه.
وقال بصوت منخفض لو كنت تريد قتلي لفعلتها من زمان.
ثم رفع يديه ببطء بعيدًا عن جسده.
أنا لم آتِ للحرب.
لكن شيئًا في عينيه كان يقول العكس تمامًا.
أدخلناه إلى البيت بعد تردد مرعب.
لم يكن أمامنا خيار. العاصفة بالخارج كانت قاتلة.
جلس قرب النار كأنه يعرف المكان جيدًا رغم غيابه الطويل. وعيناه تتحركان في البيت ببطء كأنهما تعدّان كل شيء.
أما أنا فبقيت واقفة قرب الباب أراقبه بخوف.
ثم لاحظت شيئًا جعل معدتي تنقبض.
كان يعرج قليلًا في قدمه اليمنى.
نفس العرج الذي وصفه الطبيب تلك الليلة حين قال إن المهرّبين ضربوا أحدهم بالرصاص أثناء الهروب.
إذن الطبيب لم يكن يعرف كل الحقيقة.
أو ربما أخفاها.
الرجل لاحظ نظرتي نحو قدمه.
فابتسم ابتسامة خفيفة وقال الجبال لا ترحم أحدًا.
لكنني شعرت أنه يقصد شيئًا آخر.
طوال الليل لم ينم أحد.
زوجي جلس صامتًا يراقب أخاه بعينين ممتلئتين بالحذر. أما أخوه فكان يتصرف براحة مخيفة، كأنه صاحب البيت الحقيقي.
ثم فجأة قال وهو يحدق داخل النار أخبرتها بالحقيقة؟
زوجي لم يتحرك.
فعاد الرجل يضحك بخفوت. أم قلتَ لها النسخة الجميلة فقط؟
شعرت بالتوتر يخنق صدري.
أي نسخة؟
نظرت نحو زوجي بسرعة.
لكنه أشاح بعينيه.
هنا فقط شعرت لأول مرة أن هناك شيئًا آخر مخفيًا.
شيء أكبر من مجرد رصاصة.
بعد منتصف الليل بقليل خرج الأخ إلى الخارج بحجة إطعام الحصان.
وفور أن أغلق الباب أمسكت دفتر زوجي بسرعة وكتبت
ما الذي يخفيه؟
قرأ السؤال طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم كتب ببطء شديد
لا تثقي به.
كتبت بعصبية هذا ليس جوابًا.
يده ارتجفت قليلًا.
ثم كتب أخيرًا
أخي خطير.
سألته هل حاول قتلك لأنه خفتَ أن تفضحه؟
لكن المفاجأة أنه لم يجب مباشرة.
بل أغمض عينيه للحظة طويلة.
ثم كتب جملة جعلت أنفاسي تتوقف
لأنني رأيتُ شيئًا لم يكن يجب أن أراه.
قبل أن أسأله أكثر فتح الباب فجأة.
عاد الأخ إلى الداخل.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
دخل خلفه رجلان غريبان بملابس ثقيلة ووجوه قاسية.
وفي اللحظة التي رأيتهما فيها فهمت فورًا.
المهرّبون.
أحدهما كان يحمل سكينًا طويلة على خصره. والآخر يحمل بندقية صيد.
تجمّد زوجي فورًا.
أما أخوه فجلس بهدوء قرب النار وقال لا داعي للخوف جئنا فقط لنتحدث.
لكن عيني الرجل الآخر كانتا تتحركان حول البيت كذئب يبحث عن فريسة.
شعرت بالخطر يقترب منا مثل دخان كثيف.
ثم قال الأخ فجأة أين الدفتر؟
اتسعت عينا زوجي فورًا.
دفتر؟
أي دفتر؟
أحد الرجال اقترب خطوة وهو يقول بعنف لا تجعل الأمر صعبًا.
أما الأخ فبقي يبتسم.
ثم نظر نحوي مباشرة وقال يبدو
بدأ قلبي يخفق بعنف.
ما الذي يحتفظ به؟
ولماذا يخافون منه هكذا؟
زوجي نهض فجأة بعنف لدرجة أسقط الكرسي خلفه.
ثم أمسك ذراعي وسحبني خلفه بسرعة.
وفي اللحظة التالية مباشرة
دوّى صوت طلقة نارية داخل البيت. صرختُ دون وعي.
الطلقة اخترقت المصباح المعلّق فوقنا مباشرة، فانفجر الزجاج وتناثرت الشرارات في كل الاتجاهات.
غرق البيت نصفه في الظلام.
ورائحة البارود ملأت المكان فورًا.
أحد الرجال سبّ بعنف أمسكه قبل أن يهرب!
لكن زوجي كان أسرع منهم.
دفعني نحو الغرفة الخلفية بقوة حتى كدت أسقط، ثم أغلق الباب الخشبي علينا من الداخل.
كنت أرتجف بالكامل.
أما هو فأمسك كتفي بكلتا يديه ونظر في عيني مباشرة.
ثم أشار بسرعة نحو فتحة صغيرة خلف الخزانة القديمة.
لم أفهم أول الأمر.
لكنه جذب الخزانة الثقيلة قليلًا، فانكشف باب خشبي ضيق مخفي داخل الحائط.
تجمّدت.
ممر سري؟!
أشار لي أن أدخل فورًا.
لكنني رفضت بعنف.
لن أتركه وحده.
قلت بصوت مرتجف تعال معي!
لكنه هز رأسه بقوة.
ثم كتب بسرعة فوق صفحة ممزقة من الدفتر
إذا أخذوا الدفتر سنموت.
قبل أن أستوعب المعنى اهتز الباب الخارجي بعنف تحت ضربات الرجال.
زوجي فتح الفتحة السرية بالكامل، ثم أخرج من داخلها صندوقًا معدنيًا صغيرًا ملفوفًا بالقماش.
أدركت فورًا هذا هو الشيء الذي يبحثون عنه.
ناولني الصندوق.
ثم وضع يده فوق رأسي للحظة قصيرة جدًا.
كانت أول مرة يلمسني فيها بهذه الطريقة.
لا خوف. لا تردد.
فقط حماية.
ثم دفعني نحو الممر.
وفي اللحظة نفسها انكسر الباب الخارجي.
زحفت داخل النفق المظلم وأنا أرتجف.
خلفي مباشرة بدأت أصوات العراك.
صرخات. ارتطام أثاث. ثم صوت إطلاق نار آخر هزّ المكان كله.
وضعت يدي فوق فمي حتى لا أصرخ.
الدموع كانت تنزل دون توقف بينما أزحف وسط التراب البارد.
النفق كان ضيقًا جدًا. ورائحته رطبة كأنه لم يُفتح منذ سنوات.
ثم فجأة سمعت صوت زوجي.
صرخة ألم حقيقية.
توقفت أنفاسي.
كدت أعود إليه لكن كلماته داخل الورقة ظلت تضرب رأسي
إذا أخذوا الدفتر سنموت.
أكملت الزحف بصعوبة حتى وصلت إلى فتحة صغيرة خلف الإسطبل خارج البيت.
خرجت وسط الثلج ألهث بعنف.
والريح كانت تعصف بجنوني.
لكنني لم أبتعد.
اختبأت خلف أكوام الخشب قرب الإسطبل وأنا أراقب البيت من بعيد.
الضوء يتحرك بعنف داخل النوافذ. وظلال الرجال تظهر وتختفي.
ثم فجأة
خرج أحد الغرباء مسرعًا وهو يصرخ فتشوا المكان كله!
خلفه مباشرة خرج الأخ.
كان وجهه مليئًا بالغضب لأول مرة.
ثم أمسك زوجي من ياقة ثوبه ودفعه بعنف خارج الباب.
شهقت بقوة.
كان الدم ينزل من جانب رأس زوجي.
لكنه رغم ذلك ظل يقاومهم بعينيه بثبات مرعب.
الأخ اقترب منه حتى صار وجههما متلاصقين
ثم قال بغضب أين أخفيته؟!
زوجي بصق الدم قرب قدميه.
فانهال عليه الرجل بلكمة عنيفة أسقطته فوق الثلج.
صرختُ بصمت وأنا أضغط فمي بيدي.
أحد الرجال قال اقتله وانتهينا.
لكن الأخ صرخ فيه فورًا غبي! الدفتر معه أو مع المرأة!
ثم فجأة
رفع رأسه ببطء شديد.
ونظر مباشرة نحو الإسطبل.
نحوي تمامًا.
تجمّد الدم في عروقي.
هل رآني؟!
ظل يحدق لثوانٍ طويلة وسط الثلج المتساقط.
ثم ابتسم.
ابتسامة باردة مرعبة.
وقال بصوت مرتفع أعرف أنكِ هناك.
شعرت أن قلبي توقف.
بدأ يقترب ببطء نحو الإسطبل.
خطوة خطوة
بينما الثلج يطحن تحت حذائه.
أما أنا فتمسكت بالصندوق المعدني بقوة حتى جرحت أصابعي.
كنت أعرف أنني إذا ركضت الآن سيلحق بي.
وإذا بقيت سيأخذ الصندوق.
لكن قبل أن يصل إليّ بخطوات قليلة
حدث شيء لم يتوقعه أحد.
زوجي، الذي كان ممددًا فوق الثلج كالميت انقضّ فجأة على أخيه من الخلف بكل قوته.
وسقط الاثنان معًا أرضًا وسط العاصفة.
ثم دوّى صوت طلقة ثالثة.
لكن هذه المرة
الذي صرخ من الألم لم يكن زوجي. صرخت وأنا أمسك ذراعه لا! ممكن يقتلنا!
لكنه نظر إليّ نظرة هادئة غريبة ثم وضع يده فوق يدي برفق.
كأنه يقول انتهى وقت الهرب.
تراجع خطوة نحو الباب. وكل حركة منه كانت تؤلمه.
أما أنا فبقيت ممسكة بالصندوق المعدني كأنه الشيء الوحيد الذي يحمينا.
ثم فتح الباب ببطء.
اندفعت الريح الباردة إلى الداخل بقوة وخلفها ظهر الأخ.
كان واقفًا وحده فعلًا.
الدم يغطي كتفه من الرصاصة. ووجهه شاحب بطريقة مخيفة.
لكن الشيء الذي أرعبني أكثر أنه لم يحمل سلاحًا.
دخل ببطء وأغلق الباب خلفه بنفسه.
ثم نظر إلى أخيه طويلًا.
صمت ثقيل مرّ بينهما صمت مليء بسنوات كاملة من الدم والخيانة والخوف.
وأخيرًا قال الأخ بصوت مبحوح هم قادمون.
زوجي لم يتحرك.
أما أنا فسألته بسرعة من؟
رفع عينيه نحوي. ثم قال الرجال الحقيقيون مش أولئك الأغبياء.
شعرت بقلبي ينقبض.
ثم جلس بصعوبة قرب الحائط وضغط يده على جرحه النازف.
وقال وهو يلهث أنتم لا تفهمون شيئًا ما رأيتموه مجرد طرف صغير.
بدأ يحكي بسرعة كأنه يعرف أن الوقت ينفد.
قبل سنوات، كانت الجبال ممرًا لتهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود. ولم يكن الأمر مجرد عصابة صغيرة.
كانت شبكة كبيرة يدخل فيها رجال شرطة ومسؤولون وتجار كبار.
الأخ الأكبر تورّط معهم بسبب الديون في البداية. ثم غرق أكثر فأكثر حتى صار واحدًا منهم.
لكن المشكلة بدأت حين حاول الانسحاب.
قال وهو ينظر إلى النار بشرود في هذا العمل تدخل بإرادتك. لكنك لا تخرج حيًا.
في تلك الليلة المشؤومة، اكتشفوا أن زوجي عرف كل شيء. فأصدروا أمرًا بقتلهما معًا.
لكن الأخ لم يستطع.
اعترف وهو يخفض رأسه كنت سأهرب معه أقسم.
لكن الرجال سبقوه.
أطلقوا النار
وكل محاولة هرب كان ثمنها دمًا جديدًا.
كنت أسمع كلامه وأنا عاجزة عن التنفس.
طوال هذه السنوات الناس ظنت أن أحدهما قاتل والآخر ضحية.
لكن الحقيقة أن الاثنين كانا ضحيتين بطريقتين مختلفتين.
ثم فجأة رفع الأخ عينيه نحونا وقال هم يريدون الدفتر لأن فيه أسماء الجميع.
شعرت بيدي ترتجف فوق الصندوق.
إذا وصل للشرطة الشريفة سينتهي كل شيء.
ثم ابتسم بسخرية مريرة ولهذا لن يسمحوا بخروجكم من الجبل أحياء.
وفي اللحظة نفسها
سمعنا صوت محركات سيارات بالخارج.
أكثر من سيارة.
توقفت أنفاسي.
الأخ نهض فورًا رغم إصابته، واتجه نحو النافذة الصغيرة.
نظر منها للحظة ثم شتم بصوت خافت.
وقال وصلوا أسرع مما توقعت.
اقترب زوجي منه.
فقال الأخ بسرعة اسمعني جيدًا خلف الكوخ يوجد ممر قديم داخل الجبل. سيأخذكما إلى الطريق الرئيسي.
ثم نظر إليّ مباشرة لأول مرة دون قسوة.
وقال أنتِ الوحيدة التي لا يعرفون وجهها جيدًا. إذا وصلتِ للمدينة ومعك الدفتر ربما تنجحين.
صرخت فورًا لن أترككما!
لكنه ابتسم بتعب.
أما زوجي فنظر إليّ نظرة جعلت قلبي ينكسر.
نظرة وداع.
هززت رأسي بعنف لا لا تنظر إليّ هكذا!
لكن الأصوات بالخارج كانت تقترب بسرعة.
أبواب سيارات تُغلق. رجال يصرخون. وخطوات ثقيلة فوق الثلج.
ثم
دوّى صوت عبر مكبر بعيد سلّموا الدفتر ولن نؤذي المرأة!
ضحك الأخ بمرارة.
وقال الكاذبون.
ثم التفت فجأة نحو أخيه.
ولأول مرة منذ ظهوره اقترب منه وعانقه بقوة.
تجمّدت في مكاني.
رجلان مزّقتهما السنوات والدم يقفان أخيرًا كأخوين من جديد.
الأخ الأكبر همس بصوت مكسور سامحني.
أما زوجي فوضع جبهته على كتفه للحظة قصيرة.
ثم ابتعدا.
وفجأة ناولني زوجي الدفتر بيده المرتجفة.
وأشار نحو الباب الخلفي.
بدأت أبكي بعنف لن أذهب وحدي!
لكن الأخ صرخ فجأة إذا بقيتِ سيموت الجميع بلا فائدة!
وفي اللحظة نفسها
انفجر الباب الأمامي للكوخ بقوة هائلة. تجمّد الجميع.
حتى الريح بدت وكأنها توقفت للحظة.
الأخ سقط على ركبتيه فوق الثلج، ويده تضغط على كتفه الأيسر بينما الدم بدأ ينتشر سريعًا فوق معطفه الداكن.
أما الرجل الذي أطلق النار فكان واحدًا من المهرّبين أنفسهم.
وقف ممسكًا بالبندقية بعينين مرتبكتين وهو يصرخ كانت بالغلط!
لكن الأخ رفع رأسه نحوه ببطء ونظر إليه نظرة جعلت الرجل يتراجع خطوة كاملة للخلف.
كانت نظرة حيوان جريح مستعد للقتل.
أما زوجي فاستغل اللحظة فورًا.
نهض رغم الدم الذي يغطي جانب وجهه، ثم اندفع نحوي بسرعة وسط الثلج.
أمسك يدي بقوة وسحبني نحو الجبال خلف الإسطبل.
ركضنا.
الثلج كان يصل إلى منتصف الساق. والهواء يقطع الأنفاس. لكن الخوف أعطانا قوة لا
خلفنا مباشرة بدأت الصرخات.
لا تدعوهم يهربون! أمسكوا المرأة! الصندوق معها!
كنت أتعثر كل خطوتين تقريبًا. لكن زوجي لم يترك يدي ولو للحظة.
حتى عندما بدأ يتمايل من النزيف ظل يسحبني معه بعناد.
بعد مسافة طويلة وسط العاصفة وصلنا إلى كوخ صغير
متابعة القراءة