زوجوني لراجل أصم

لمحة نيوز

اقتربا من منزلنا واختفيا؟ كان هو من أبعدهما.
كل الرسائل؟ كانت تحذيرات.
حتى الخاتم تركه لأنه عرف أن الشبكة بدأت تقترب منا من جديد.
ثم نظر نحوي لأول مرة بعينين ممتلئتين بالندم وقال أبوكِ مات وهو يحاول إصلاح خطئه وأنا عشت عمري أهرب من خطئي.
لم أعرف ماذا أقول.
لأول مرة لم أعد أراه الوحش الذي أرعبني في الجبل.
بل رجلًا أنهكه الذنب حتى حطّمه.
قبل الفجر بقليل
سمعنا صوت سيارات بالخارج.
لكن هذه المرة لم تكن سيارات العصابة.
كانت الشرطة.
الأخ الأكبر هو من اتصل سرًا قبل ساعات وأعطاهم كل شيء.
نهض بصعوبة رغم جروحه.
ثم نظر إلى أخيه.
اقترب منهما بعضهما ببطء وتعانقا طويلًا.
عناق أخير.
الأخ الأكبر همس عِش الحياة التي ضاعت منّا.
ثم ابتعد.
وفتح الباب بنفسه.
خرج تحت المطر والشرطة تحاصر المكان.
رفع يديه بهدوء لأول مرة منذ سنوات طويلة من الهرب.
أما أنا فوقفت قرب النافذة أراقبه.
الغريب أنني لم أرَ مجرمًا يُسلّم نفسه.
رأيت رجلًا متعبًا أخيرًا قرر التوقف عن الركض.
بعد
سنة كاملة
انتهت المحاكمات. وسقطت بقية الشبكة.
أما الأخ الأكبر فحُكم عليه بالسجن سنوات طويلة بسبب ما شارك فيه، لكن المحكمة أخذت باعتباره الشاهد الرئيسي الذي كشف الشبكة كاملة.
وفي يوم صدور الحكم
طلب شيئًا واحدًا فقط.
أن يرى أخاه.
جلسا معًا خلف الزجاج طويلًا دون كلام.
ثم رفع زوجي يده على الزجاج.
ورفع أخوه يده مقابلها.
ولأول مرة منذ سنوات لم يكن بينهما دم. ولا خوف.
فقط سلام متأخر.
أما نحن
فعدنا بعد فترة إلى الجبال.
لكن ليس لنختبئ.
بل لنبدأ من جديد.
رمّمنا البيت القديم. وزرع زوجي الأشجار حوله. وصارت المدفأة تشتعل كل ليلة بدل ذلك البرد المخيف الذي عرفته أول مرة.
وأهل القرية؟
بدأوا يقتربون تدريجيًا بعدما ظهرت الحقيقة.
الرجل الذي كانوا يسمّونه الوحش صار الرجل الذي أنقذ أبناءهم من شبكة كانت ستدمّر المنطقة كلها.
أما أنا
الفتاة التي قيل عنها يومًا السمينة التي لم يرغب بها أحد
فكنت أجلس كل مساء قرب النافذة بينما زوجي يقطع الحطب بالخارج، وأبتسم كلما تذكرت
شيئًا واحدًا فقط
أن أكثر رجل خافت منه الدنيا كلها
كان أكثر رجل عرف كيف يحبني دون أن ينطق كلمة واحدة بعد ثلاث سنوات
غطّى الثلج الجبال من جديد. لكن البيت لم يعد باردًا كما كان أول مرة دخلته.
صار حيًّا.
رائحة الخبز الساخن تخرج من المطبخ. وصوت خطوات صغيرة يركض أصحابها فوق الأرض الخشبية طوال اليوم.
كنت أقف قرب النافذة أحمل طفلتي الصغيرة، أراقب زوجي في الخارج وهو يعلّم طفلنا الأكبر كيف يقطع الحطب دون أن يؤذي يده.
كان ابني يضحك بصوت عالٍ أما زوجي فكان يضحك بصمته المعتاد.
ابتسامة واسعة وعينان دافئتان.
شيء لم أكن أتخيل يومًا أن أراه في ذلك الرجل الذي دخل حياتي كالشبح.
في تلك الليلة جلسنا جميعًا قرب النار.
الثلج يهطل بالخارج بهدوء. والدفء يملأ البيت.
طفلتي كانت نائمة فوق صدره. وابني يحاول أن يقلّد إشارات والده بيديه الصغيرتين.
وفجأة
سمعنا طرقًا خفيفًا على الباب.
تبادلنا النظرات.
قلبي انقبض للحظة كأن الماضي عاد يطرق الباب من جديد.
نهض زوجي بهدوء وفتح الباب.

لكن المفاجأة
كان رجلًا مسنًا يحمل كيسًا صغيرًا من الخبز والتمر.
أحد رجال القرية.
ابتسم بخجل وقال زوجتي أرسلت هذا وتقول شكرًا لأنك أصلحت سقف بيتنا قبل العاصفة.
تجمّدت للحظة.
ثم نظرت إلى زوجي.
الرجل الذي كانوا يخافون حتى المرور قرب بيته صار الناس يطرقون بابه بالشكر.
أخذ الكيس بهدوء وأشار للرجل بعلامة الامتنان.
وقبل أن يغادر الرجل تردد قليلًا ثم قال
تعرف؟ أولادي لم يعودوا يسمّونك الوحش صاروا يقولون الرجل الطيب في أعلى الجبل.
أغلق زوجي الباب ببطء.
ثم وقف مكانه لثوانٍ طويلة.
كأنه لا يعرف كيف يستقبل جملة كهذه بعد عمر كامل من النبذ.
اقتربت منه بهدوء.
وضعت طفلتنا بين ذراعيه ثم أمسكت يده.
كانت يده ما تزال خشنة ومليئة بالندوب. لكنها اليد نفسها التي أمسكت بي يوم ظننت أنني ذاهبة إلى نهايتي.
سألني يومها بعينيه فقط هل تخافين؟
أما الآن
فأنا فقط ابتسمت له وقلت
لو عاد بي الزمن ألف مرة لاخترتك كل مرة.
نظر إليّ طويلًا.
ثم لمس جبيني برفق.
وخارج البيت كانت العاصفة
تعبر فوق الجبال القديمة.
لكن لأول مرة منذ سنوات طويلة
لم يعد هناك أحد يهرب منها.

تم نسخ الرابط