زوجوني لراجل أصم

لمحة نيوز

مهجور بين الصخور.
دفع الباب الخشبي بصعوبة وأدخلني بسرعة.
كان المكان مظلمًا وباردًا جدًا، لكنه أفضل من الموت بالخارج.
أغلق الباب ووضع خزانة قديمة خلفه.
ثم أخيرًا انهار فوق الأرض.
صرخت باسمه وركعت بجانبه فورًا.
الدم كان ينزل من جنبه هذه المرة.
الرصاصة خدشته قرب الأضلاع.
نزعت شالي بسرعة وضغطت به على الجرح وأنا أبكي ستنزف كثيرًا!
لكنه أمسك يدي بلطف لأول مرة.
ثم أشار نحو الصندوق.
فهمت ما يريد.
فتحته بسرعة وأنا أرتجف.
في الداخل كان هناك دفتر جلدي قديم. ومعه مجموعة أوراق صفراء وصور باهتة.
أول صورة جعلت أنفاسي تختنق.
كانت صورة لأخيه واقفًا مع رجال مسلحين أمام شاحنة كبيرة.
لكن الصدمة الحقيقية أن أحد الرجال في الصورة كان يرتدي زيّ الشرطة.
بدأت أقلب الأوراق بسرعة.
قوائم أسماء. تواريخ. طرق تهريب. مبالغ مالية.
ثم وجدت ورقة مختلفة عن البقية.
رسالة قديمة مكتوبة بخط مرتجف.
إذا حدث لي شيء فاعلموا أن أخي لم يكن شريكًا لهم. حاول إيقافي فقط.
رفعت رأسي بصدمة.
الرسالة موقّعة باسم الأخ نفسه.
شهقت هو كتب هذا؟!
زوجي أغمض عينيه بحزن.
وفهمت أخيرًا.
أخوه لم يكن دائمًا وحشًا.
شيء ما حدث لاحقًا.
شيء حوّله.
بينما أنا أقلب الأوراق انتبهت إلى صورة صغيرة مطوية داخل الدفتر.
فتحتها ببطء.
ثم شعرت ببرودة تضرب جسدي كله.
الصورة كانت لزوجي مربوطًا إلى كرسي، والدم يغطي وجهه.
وخلفه يقف أخوه.
لكن المفزع أن الأخ كان يبكي في الصورة.
يبكي فعلًا.
وعلى ظهر الصورة كلمات مكتوبة بالحبر
سامحني لقد أجبروني.
ارتجفت يداي.
رفعت عيني نحو زوجي ببطء.
فأشار برأسه نعم.
ثم كتب فوق الأرض بإصبعه المرتجف
لم يكن وحده.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
سمعنا صوتًا بالخارج.
خطوات فوق الثلج.
تقترب ببطء.
ثم
طرق خفيف على باب الكوخ.
طرقة واحدة فقط.
تبادلنا النظرات بخوف.
ثم جاء صوت الرجل من الخارج.
صوت الأخ.
لكن هذه المرة لم يكن غاضبًا.
كان متعبًا.
ومتألمًا.
وقال عبر الباب المغلق إذا أردتم النجاة افتحوا الباب الآن.
شعرت أن قلبي يدق بعنف.
أما زوجي فنظر نحو الباب طويلًا.
ثم حدث شيء لم أتوقعه أبدًا.
نهض بصعوبة وتقدم ليفتح الباب بنفسه. مرّت الشهور ببطء بعد تلك الليلة.
استأجرنا بيتًا صغيرًا على أطراف المدينة. بعيدًا عن الجبال بعيدًا عن الدم. بعيدًا عن كل شيء.
أو هكذا حاولنا أن نصدق.
زوجي بدأ يتعافى تدريجيًا. جرحه التأم. وحرارة الحمى اختفت. لكن شيئًا واحدًا لم يغادره أبدًا
الخوف.
كان يستيقظ أحيانًا منتصف الليل مفزوعًا. يتجه فورًا نحو النافذة كأنه يتوقع أن يرى رجالًا قادمين من الظلام.
وأحيانًا كنت أجده جالسًا وحده قبل الفجر ينظر إلى يديه طويلًا بصمت.
كأن السنوات التي سُرقت منه ما زالت عالقة داخله.
أما أنا فبدأت أتعلم لغة الإشارة لأجله.
في البداية كنت
أرتبك كثيرًا. أخطئ بالحركات. فيضحك بصمت لأول مرة.
ومع الوقت صار بيتنا يمتلئ بأشياء صغيرة لم أعرفها من قبل.
دفء. راحة. طمأنينة.
أشياء ظننت طوال عمري أنني لا أستحقها.
لكن الماضي لا يترك أحدًا بسهولة.
في إحدى الليالي الممطرة، كنت أرتب الصندوق المعدني القديم الذي أخذناه من الجبل.
كنت أظن أننا انتهينا من كل أسراره.
لكن أثناء تنظيفه لاحظت شيئًا غريبًا.
قاع الصندوق يبدو أكثر سماكة من الطبيعي.
عبست.
ثم ضغطت عليه بقوة.
فصدر صوت خافت وانفتح جزء سري صغير لم نره من قبل.
تجمّدت.
داخل التجويف كانت هناك رسالة قديمة جدًا ملفوفة بقطعة قماش.
ناديت زوجي فورًا.
جاء وجلس بجانبي بقلق.
فتحت الرسالة ببطء وما إن قرأ السطر الأول حتى شحب وجهه بالكامل.
سألته بخوف ما الأمر؟
لكنه ظل يحدق في الورقة كأنها شبح.
ثم سلمني إياها بيد مرتجفة.
بدأت أقرأ.
إذا وصلتكم هذه الرسالة فاعلموا أن الخيانة لم تكن من الداخل فقط.
شعرت بقشعريرة.
وأكملت القراءة بسرعة.
هناك شخص واحد هو من سلّم أسماءنا كاملة للشبكة مقابل المال.
ثم جاء الاسم في السطر الأخير.
اسم جعل الهواء يختفي من صدري.
أبي.
سقطت الورقة من يدي.
لا
لا يمكن.
أبي؟!
الرجل الذي عاش عمره منكسرًا فقيرًا؟ الرجل الذي ظننته فقط خائفًا وضعيفًا؟
جلست فوق الأرض وأنا أشعر أن العالم يدور حولي.
أما زوجي فكان يراقبني بصمت حزين.
كأنه يعرف أن الحقيقة ستؤلمني أكثر من أي شيء.
صرخت بعصبية مستحيل! لو كان متورطًا لماذا يزوجني لك؟!
هنا فقط مد يده نحو الرسالة وأشار إلى فقرة صغيرة في الأسفل لم أنتبه لها.
عدت أقرأها.
ويبدو أن الندم أكله حيًا لاحقًا لأنه رفض إعطاءهم مكان الدفتر رغم تعذيبهم له.
توقفت أنفاسي.
ثم أكملت.
آخر ما قاله قبل موته سلّمت ابنتي لرجل شريف لعل الله يغفر لي.
انهرت بالبكاء.
كل شيء عاد دفعة واحدة.
صمته في السيارة. انكسار عينيه. عجزه عن النظر إليّ يوم الزفاف.
يا الله
كان يعرف أنه يسلمني للرجل الوحيد الذي قد يحميني من خطيئته.
تلك الليلة لم أنم.
بقيت جالسة قرب النافذة حتى الفجر.
ثم فجأة
رأيت شيئًا غريبًا في الشارع المقابل.
رجل يقف تحت المطر.
بعيد. لكنني لمحته بوضوح تحت ضوء العمود.
يعرج.
توقّف قلبي.
فتحت النافذة بسرعة.
لكن في اللحظة التي رفعت رأسي كان قد اختفى.
ركض زوجي نحوي فورًا بعدما رأى خوفي.
أشرت نحو الشارع.
خرجنا معًا تحت المطر نبحث حول البيت.
لا أحد.
فقط أثر قدم واحدة فوق الطين.
وإلى جانبها
قطعة صغيرة ملفوفة بالقماش.
التقطها زوجي بحذر.
فتحها ببطء.
وفي الداخل وجدنا خاتمًا قديمًا أعرفه جيدًا.
خاتم الأخ الأكبر.
تبادلنا النظرات بصدمة.
ثم قلب زوجي القطعة القماشية
فوجد كلمات مكتوبة بالفحم
الدَّين لم ينتهِ بعد.
شعرت ببرودة مرعبة تزحف في ظهري.
أما زوجي فظل يحدق في
الجملة طويلًا.
ثم رفع رأسه ببطء نحو الظلام البعيد خارج المدينة.
كأنه يعرف تمامًا أن الماضي لم يمت بعد. تناثر الخشب في كل الاتجاهات.
ودخل الهواء المتجمّد مع صرخات الرجال وصوت خطواتهم الثقيلة.
صرختُ بفزع، لكن الأخ الأكبر اندفع فورًا نحو الباب وهو يطلق النار من البندقية القديمة التي التقطها من الأرض.
دوّى الرصاص داخل الكوخ الضيق بشكل أصمّ الآذان.
أحد الرجال سقط عند المدخل. والآخر اختبأ خلف الصخور وهو يصرخ خذوا الدفتر!
أما زوجي فأمسك كتفي بقوة ودفعني نحو الممر الخلفي.
كنت أبكي بعنف وأقاوم. لا أريد تركه.
لكنه أمسك وجهي بين يديه للمرة الأولى.
وكانت عيناه ممتلئتين بشيء لم أره من قبل.
حب.
حب صامت. عميق. وموجوع.
ثم أشار إلى قلبه وإليّ.
كأنه يقول أنتِ أصبحتِ هنا.
انكسرت روحي بالكامل.
لكن صرخة الأخ الأكبر قطعت اللحظة اذهبا الآن!
ثم دوّى إطلاق نار جديد.
ركضت داخل الممر الحجري وأنا أختنق من البكاء.
خلفي أصوات الرصاص لا تتوقف.
كل طلقة كانت تشعرني أن قلبي يتمزق.
الممر كان ضيقًا ومظلمًا. وأحيانًا كنت أتعثر بالحجارة وأسقط فوق الثلج المتسرّب من الشقوق.
لكنني لم أتوقف.
كنت أضم الدفتر إلى صدري وكأنني أحمل أرواحهم داخله.
ثم فجأة
اهتزّ الجبل بصوت انفجار مرعب.
توقفت مكاني.
الغبار تساقط من سقف الممر فوق رأسي.
ثم صمت.
صمت مخيف جدًا.
لا رصاص. لا صراخ.
فقط الريح.
وقفت أرتجف بالكامل.
عقلي يصرخ أن أعود. وقلبي يعرف أن العودة قد تعني الموت.
لكن قبل أن أقرر
سمعت صوتًا بعيدًا خلفي.
صوت زوجي.
كان يناديني.
بصوت مبحوح ضعيف خرج بالكاد اهربي
تدفقت دموعي بقوة.
ثم ركضت.
ركضت كما لم أركض في حياتي.
بعد وقت لا أعرف طوله خرجت أخيرًا من الممر قرب الطريق الرئيسي أسفل الجبل.
كانت السماء بدأت تفتح بلون رمادي باهت. والثلج ما يزال ينزل.
كنت شبه منهارة.
ثيابي ممزقة. ويداي تنزفان. لكنني تمسكت بالدفتر بكل قوتي.
ثم لمحت أضواء سيارة بعيدة تقترب عبر الطريق الجبلي.
في البداية ظننت أنهم رجال العصابة.
اختبأت فورًا خلف الصخور.
لكن السيارة توقفت فجأة ونزل منها رجل مسنّ أعرفه.
الطبيب.
نظر حوله بقلق حتى رآني.
ثم ركض نحوي بصعوبة وسط الثلج أين هما؟!
لم أستطع الكلام.
فقط بكيت.
فهم كل شيء من وجهي.
وأغمض عينيه بألم شديد.
أخذني إلى المدينة فورًا.
ولأول مرة منذ سنوات وصل الدفتر إلى أشخاص خارج الجبل.
لكن المفاجأة أن كل شيء انفجر بعدها بسرعة مخيفة.
الأسماء داخل الدفتر كانت لرجال مهمين فعلًا.
شرطة. تجار. مسؤولون.
وخلال أيام بدأت الاعتقالات.
الصحف امتلأت بالقصة. والناس صُدمت بالحقيقة التي أخفوها سنوات.
أما الرجل الذي وصفوه دائمًا بالوحش فاكتشف الجميع أنه كان شاهدًا وضحية.
لكن رغم كل ذلك
لم أكن أشعر بأي انتصار.
كنت فقط أريد أن أعرف هل
ما زال حيًا؟
مرّت ثلاثة أسابيع كاملة.
ثلاثة أسابيع وأنا أعيش بين الخوف والأمل.
حتى جاء ذلك اليوم.
كنت جالسة في بيت الطبيب بصمت حين سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
رفعت رأسي ببطء.
دخل رجل طويل يستند على عكاز خشبي.
وفي اللحظة التي رأيت عينيه شهقت بقوة.
هو.
زوجي.
كان أضعف بكثير. وجانب وجهه مليئًا بالجروح. لكنّه حي.
وقفت من مكاني وأنا أبكي بلا صوت.
أما هو فظل واقفًا يحدق بي كأنه غير مصدق أنني أمامه فعلًا.
ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.
دفتره القديم.
فتح صفحة جديدة وكتب بيده المرتجفة
ظننت أنكِ لن تنتظريني.
انفجرت بالبكاء أكثر.
وهززت رأسي بعنف.
ثم أخذت القلم من يده وكتبت تحت جملته مباشرة
أنت أول شخص جعلني أشعر أنني جميلة.
قرأ الكلمات طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم لأول مرة منذ عرفته
ابتسم.
ابتسامة حقيقية كاملة.
وفي تلك اللحظة فقط فهمت شيئًا غريبًا جدًا.
الرجل الذي ألقوا به وحيدًا بين الجبال كوحش كان أكثر إنسان منحني أمانًا في حياتي كلها.
أما الأخ الأكبر
فلم يعثروا على جثته أبدًا.
وبعض أهل الجبال يقسمون حتى اليوم أنهم أحيانًا يرون رجلًا أعرج يقف فوق القمم البعيدة وقت العاصفة
يراقب البيت القديم بصمت ثم يختفي داخل الثلج منذ تلك الليلة عاد الخوف يسكن البيت من جديد.
لكن هذه المرة كان مختلفًا.
لم يعد خوفًا من رجال مجهولين فقط بل من حقيقة أكبر.
الأخ الأكبر ما زال حيًا. ويبدو أنه يهرب منذ سنوات من شيء أخطر من الجميع.
مرّ أسبوع كامل دون أي أثر جديد.
ثم في ليلة باردة قبل الفجر استيقظ زوجي فجأة.
جلس فوق السرير بعنف وكأنه سمع شيئًا.
أنا لم أسمع شيئًا طبعًا لكنه كان يحدق نحو الباب بطريقة مرعبة.
ثم نهض بسرعة وأشار لي أن أبقى مكاني.
لكن بعد ثوانٍ فقط
سمعنا طرقات خفيفة.
ثلاث طرقات متتالية.
تجمّد الدم في عروقي.
زوجي اقترب من الباب بحذر. وحين فتحه
دخل رجل منهار بالكامل.
ملابسه ممزقة. وجهه مليء بالكدمات. والدم يغطي صدره.
الأخ الأكبر.
سقط فورًا فوق الأرض قبل أن ينطق كلمة.
أغلق زوجي الباب بسرعة بينما ركضت نحوه مذعورة.
كان يتنفس بصعوبة شديدة.
وعندما فتح عينيه أخيرًا قال جملة واحدة فقط
وجدوني.
أخفيناه داخل القبو الصغير تحت البيت.
ولثلاثة أيام كاملة بقي بين الحياة والموت.
وفي اليوم الرابع طلب أن يتحدث.
جلسنا أمامه بصمت.
كان أضعف بكثير من آخر مرة رأيناه فيها. كأن السنوات كلها هاجمته دفعة واحدة.
ثم نظر إلى أخيه طويلًا وقال تعبت.
ساد الصمت.
وأكمل بصوت مكسور هربت سنين وكل مرة أقول خلاص انتهى الأمر. لكنهم لا يتركون أحدًا يعرف أسرارهم حيًا.
ثم أخرج من داخل معطفه ظرفًا صغيرًا.
ناوله لزوجي.
فتحناه بحذر.
وفي الداخل كانت صورًا ومستندات جديدة.
أسماء أكبر. وأخطر.
رجال لم يُعتقلوا بعد.
ثم قال الأخ هذا آخر شيء عندي.

سألته بخوف لماذا تعطيه لنا الآن؟
ابتسم بتعب شديد.
وقال لأنني لن أهرب بعد اليوم.
في تلك الليلة اعترف بكل شيء.
اعترف أنه عاش سنوات يكره نفسه. وأنه كل ليلة كان يرى وجه أخيه غارقًا بالدم أمامه.
واعترف بشيء آخر
أنه كان يراقبنا من بعيد طوال الأشهر الماضية.
يحرس البيت سرًا.
كل الرجلين اللذين
تم نسخ الرابط