جوزي إيهاب
المحتويات
نفسك وعلى عبير ترجعيهم.
وش عبير احمر إحنا مش حرامية يا إيهاب!
بصلها نظرة جامدة الحرامي مش بس اللي يسرق من الغريب الحرامي اللي يكسر قلب عيل صغير في العيد.
الصالة سكتت.
الحاجة إنصاف قامت بعصبية أمك بتكلّمك كده؟! عشان كام هدوم؟!
رد لأول مرة بصوت عالي مش هدوم يا أمي كرامة. مراتي اتذلت، وعيالي اتحرموا، وإنتِ كنتِ قاعدة تضحكي!
الكلام نزل زي السكينة.
أمل كانت واقفة ساكتة، ماسكة إيد بنتها، لكن جواها رعشة عمرها ما حستها أول مرة حد يقف في صفها بالشكل ده.
وفجأة، إيهاب عمل حاجة محدش توقعها.
مشى ناحية أوضة أمه، وشال كل الشنط الجديدة اللي جابوها، وحطهم قدامها وقال الحاجات دي تترد النهارده.
عبير صرخت إزاي يعني؟! الناس شافتني بيهم!
رد ببرود يبقى الناس تشوفك وإنتِ بترجعي حق مش حقك.
حماته قربت منه والدموع في عينيها يعني هتفضّل مراتك عليا؟
سكت ثواني وبعدين قال كلمة وجعتها أكتر من أي حاجة اللي يخاف على بيته، يحافظ عليه بإيده مش يهده.
وفي اللحظة دي، الباب خبط تاني.
الكل اتلفت.
وأول ما أمل فتحت اتصدمت.
كان صاحب محل الهدوم واقف برا وفي إيده فاتورة كبيرة، وبيقول بصوت عالي لو سمحتم مين فيكم الحاجة إنصاف؟ أصل فيه مشكلة في الحساب، والبضاعة دي كلها متدفعلهاش كاملة!وش الحاجة إنصاف اصفرّ فجأة، وإيديها بدأت ترتعش.
أما عبير فبصت لأمها بسرعة وقالت بهمس إنتِ قولتِ دفعتي الحساب كله!
صاحب المحل دخل خطوتين وهو شايل الفاتورة يا جماعة أنا استحملت لحد النهارده عشان خاطر العيد، لكن الباقي مبلغ كبير والحاجة قالتلي ابنها جاي من الكويت وهيدفع.
كل العيون راحت ل إيهاب.
لكنه أخد الفاتورة بهدوء، قراها، وبعدها رفع عينه لأمه يعني مش بس خدتي فلوس عيالي ده كمان كتبتي عليا ديون؟
الحاجة
قاطعها بوجع المنظر؟! المنظر كان أهم من فرحة ولادي؟
العيال كانوا واقفين في الركن ساكتين، حتى الصغير حس إن في حاجة كبيرة بتحصل.
وفجأة البنت الصغيرة قربت من جدتها ومدتلها الفستان الجديد اللي أبوها جابهولها وقالت ببراءة خديه يا تيتا لو الفلوس مش مكفية.
الكلمة نزلت على الكل كالصاعقة.
أمل دموعها نزلت غصب عنها، وإيهاب لف وشه بسرعة يخبي دموعه.
أما الحاجة إنصاف فانهارت.
قعدت على الكرسي ووشها بين إيديها وهي بتعيط أنا غلطت والله ما كنت أقصد أوصلها لكده.
لكن عبير اتعصبت إيه يعني؟! كل الأمهات بتاخد من ولادها!
إيهاب بصلها بحدة الأم بتاخد وقت الشدة مش تحرم عيال أخوكي عشان تتفشخري قدام الناس.
وبعدين عمل حاجة محدش توقعها.
طلع فلوس من جيبه، وادّى الراجل حسابه كامل لكن قبل ما الراجل يمشي، شال كل الشنط الجديدة وحطها في إيده الحاجات دي ترجع للمحل.
صرخت عبير لااا! ده الفستان
لكن إيهاب قال ببرود اللي يتجاب على حساب دموع طفل ما يدخلش بيتي.
الراجل أخد الشنط ومشي، والصالة بقت ساكتة بشكل مرعب.
الحاجة إنصاف كانت بتبكي بصوت مكسور لأول مرة، يمكن لأنها فهمت إن اللي خسرته مش هدوم خسرِت صورة ابنها اللي كانت متعودة يطاوعها مهما عملت.
أما أمل فدخلت الأوضة بهدوء، طلعت شنطة صغيرة كانت مخبياها تحت السرير.
فتحها قدام العيال.
جواها كان فيه طقمين بسيطين جدًا كانت شاريّاهم بالقسط من فلوس الجمعية قبل ما فلوس إيهاب تنزل، وخبيتهم عشان لو حصل أي حاجة.
العيال فرحوا بيهم كأنهم كنز.
وإيهاب وقف يبصلها مصدوم إنتِ كنتِ مجهزة ده من إمتى؟
ابتسمت وسط دموعها الأم لازم تبقى مستعدة لأي كسرة.
في اللحظة دي، حس إيهاب إنه طول عمره
قرب منها لأول مرة من سنين، ومسَك إيدها قدام الكل وقال حقك عليا يا أمل.
أما الحاجة إنصاف فبصتلهم من بعيد، وعرفت إن العيد السنة دي علّمها درس عمرها ما هتنساه ليلتها، البيت كان هادي بشكل غريب
لا صوت تلفزيون، ولا ضحك عبير العالي، ولا أوامر الحاجة إنصاف اللي كانت مالية المكان طول الوقت.
كل واحدة كانت قاعدة مع نفسها.
أمل كانت بتكوي لبس العيال البسيط اللي اشترته بالقسط، لكن لأول مرة وهي بتبصله حست إنه أغلى من أي فستان غالي لأنه متجاب بمحبة، مش بكسرة خاطر.
أما إيهاب، فكان واقف في البلكونة ساكت، يبص للشارع والزينة المعلقة بين العمارات، وقلبه مليان تأنيب.
افتكر كل مرة أمل كانت تقوله فيها خلي بالك من البيت يا إيهاب.
وكان دايمًا يرد أمي مستحيل تظلمك.
بس الحقيقة كانت قدامه دلوقتي.
وفجأة سمع صوت باب الأوضة بيتفتح.
لفّ لقى أمه واقفة.
الحاجة إنصاف كانت باينة أكبر من عمرها بسنين في الليلة دي، وشها مرهق وعينيها حمرا من العياط.
قربت منه وقالت بصوت مكسور إنت زعلان مني أوي كده يا ابني؟
إيهاب سكت ثواني، وبعدها قال بهدوء أنا موجوع يا أمي مش زعلان.
دموعها نزلت أنا طول عمري بخاف الناس تقول إن بنتي أقل من غيرها كنت فاكرة إني بسترها.
رد وهو باصص بعيد بس وانتي بتستري بنتك كشفتي بيتي.
الكلمة وجعتها.
في اللحظة دي، أمل خرجت من الأوضة من غير ما تقصد تسمع الكلام، لكن أول ما شافتهم حاولت ترجع.
إلا إن الحاجة إنصاف نادتها استني يا أمل.
أمل وقفت مترددة.
حماتها قربت منها ولأول مرة من يوم جوازها، قالت كلمة عمرها ما قالتها أنا آسفة.
أمل اتصدمت.
حتى إيهاب
لكن الحاجة إنصاف كملت وهي بتعيط أنا ظلمتك كتير وكل مرة كنتِ تسكتي، كنت بافتكر سكوتك ضعف.
الدموع لمعت في عين أمل، لكنها مردتش.
حماتها دخلت أوضتها، وبعد دقايق رجعت بشنطة قديمة صغيرة، وحطتها على الترابيزة.
فتحتها
وكان جواها دهب.
غويشة، وسلسلة، وخاتم قديم.
قالت وهي بتزق الشنطة ناحية أمل دول بتوعي كنت مخبياهم لبنتي. بس الحق أحق. بيعيهم أو خليهم ليكي، واعتبريهم تعويض عن كل مرة كسرتك فيها.
أمل شهقت لا يا ماما مينفعش.
لكن إيهاب بص لمراته وقال خديهم.
أمل بصتله باستغراب.
قال بحزم مش عشان تمنهم عشان أمي تعرف إن الاعتذار مش كلام وبس.
عبير كانت واقفة عند باب الصالة، سامعة كل حاجة، ووشها مليان صدمة وغضب.
صرخت فجأة يعني إيه؟! هتديها دهبك؟! وأنا بنتك!
لفتلها الحاجة إنصاف لأول مرة بعصبية وأمل كمان ست اتظلمت في بيتي!
الصمت نزل تاني
وعبير خرجت من البيت وهي مخنوقة، والباب اتقفل وراها بعنف.
أما أمل فبصت لحماتها للمرة الأولى من سنين، وحست إن الست دي يمكن تكون غلطت، لكن قلبها أخيرًا بدأ يفوق.
وفي فجر يوم العيد
صوت التكبيرات كان مالي البيت، والعيال لابسين هدومهم الجديدة البسيطة وفرحانين، وإيهاب واقف جنب مراته، بينما الحاجة إنصاف بتحضر الكحك بإيديها وتسند الصينية ل أمل بنفسها.
ولأول مرة
البيت حس فعلًا إنه بيت بعد صلاة العيد، البيت كان مليان ريحة السمنة والكحك والسكر البودرة، والعيال بيجروا من أوضة لأوضة يورّوا بعض العيدية.
أمل كانت واقفة في المطبخ بتحضر الفطار، وفجأة حست بحد واقف وراها.
لفّت لقت الحاجة إنصاف.
لكن مش بنفس النظرة القديمة.
الست اللي كانت دايمًا رافعة راسها ومتحكمة في كل حاجة، كانت واقفة مرتبكة، وفي إيديها طبق كحك صغير.
قالت بخجل
أمل ابتسمت ابتسامة خفيفة تسلم إيدك.
سكتوا لحظة وبعدها
متابعة القراءة