جوزي إيهاب
الشقة اللي كنتِ بتقولي تعبك وتعب أمك طالعة من فلوس أخوكي؟
عبير انهارت في العياط كنت خايفة أقولك.
رد بوجع الخوف عمره ما يبني بيت على ظلم.
الصالة كلها سكتت.
وفجأة، الكل اتفاجئ ب طارق وهو بيبص ل إيهاب ويقول حقك هيرجع.
الحاجة إنصاف قربت بسرعة إحنا أهل يا ابني، متكبروش الموضوع.
لكن طارق رد بهدوء حاسم اللي حصل كبير فعلًا بس يتصلح.
طلع ملف من شنطته، وحطه على الترابيزة.
أنا كنت لسه ماضي على عقد بيع الشقة لحد المشتري هيدفع عربون النهارده.
عبير بصتله بصدمة إنت هتبيع الشقة؟!
قال وهو باصلها بحزن مش هقدر أعيش في مكان متبني على دموع حد.
الحاجة إنصاف قعدت تعيط يعني بنتي هتروح فين؟
أمل لأول مرة قربت منها، ومسكت إيديها بهدوء ولا حد هيروح في حتة يا ماما بس كل حاجة لازم ترجع لمكانها الصح.
الدموع نزلت من عين الحاجة إنصاف أكتر.
بعد أيام، الشقة اتباعت فعلًا.
وجزء كبير من الفلوس رجع ل إيهاب، لكنه عمل حاجة محدش
فتح حسابين توفير باسم ولاده.
وقال قدام الكل أنا تعبت عشان مستقبلهم وحقهم لازم يفضل محفوظ.
أما الباقي، فادّى جزء منه ل عبير يساعدها تبدأ من جديد مع جوزها، لكن المرة دي بصدق.
عبير حضنت أخوها وهي بتعيط سامحني.
قال بهدوء المسامحة سهلة المهم نتعلم.
أما الحاجة إنصاف، فاتغيرت فعلًا بعد اللي حصل.
بقت كل يوم تصحى تحضر الفطار للعيال، وتساعد أمل بإيديها، وكل ما تشوفهم يضحكوا تحس بغصة وراحة في نفس الوقت غصة على اللي ضاع، وراحة إن البيت متخربش بالكامل.
وفي ليلة هادية بعد شهور، كانت أمل واقفة في البلكونة جنب إيهاب، والعيال نايمين.
بصلها وقال عارفة؟ أنا كنت فاكر إن الرجولة إني أبعت فلوس.
ابتسمت وقالت الرجولة إنك تحمي بيتك.
مسك إيديها، وبص للنور اللي طالع من الشبابيك حواليهم، وقال وأنا أخيرًا فهمت.
وفي الداخل
كانت الحاجة إنصاف قاعدة تصلي، ودموعها بتنزل بصمت، تدعي إن ربنا يسامحها على يوم فضّلت
أما البيت
فرجع بيت من تاني مرّت سنة كاملة بعد اللي حصل
والبيت فعلًا اتغيّر.
مش بقى مثالي، ولا المشاكل اختفت، لكن كل واحد فيه اتعلّم إن الحب من غير عدل بيبوظ، وإن أقرب الناس ليك ممكن يكسروك من غير ما يقصدوا لو سابوا الطمع والخوف يتحكموا فيهم.
إيهاب استقر في شغل بسيط في مصر، مرتبه أقل، لكن ضحكة ولاده كل يوم كانت بتعوضه عن تعب الغربة كله.
أما أمل، فبقت أخف كأن سنين الحمل اللي فوق قلبها بدأت تنزل واحدة واحدة.
وفي أول عيد بعد الأزمة، حصل موقف محدش توقعه.
الحاجة إنصاف صحّت بدري جدًا، ولبست أحسن عباية عندها، ونزلت السوق لوحدها.
رجعت شايلة أكياس كتير.
العيال جريوا عليها إيه ده يا تيتا؟
ابتسمت وهي تمسح على شعرهم لبس العيد.
أمل اتجمدت مكانها.
حماتها قربت منها ومدتلها شنطة كبيرة ودي ليكي.
أمل فتحتها واتصدمت.
فستان شيك جدًا، ومعاه حجاب بنفس اللون، وجزمة بسيطة لكن جميلة.
قالت الحاجة إنصاف بابتسامة فيها دموع أول مرة أجيبلك هدية من قلبي مش عشان أرضي حد.
أمل مقدرتش ترد.
حضنتها.
ولأول مرة من يوم جوازها الحاجة إنصاف حضنتها بنفس قوة الأم.
أما عبير، فكانت واقفة تضحك وهي شايلة ابنها الصغير، وبصت لأخوها وقالت عارف يا إيهاب؟ يمكن اللي حصل كان قاسي بس أنقذنا كلنا.
إيهاب هز راسه وهو باصص لبيته أوقات الكسر هو اللي بيكشف الحقيقة.
وفي ليلة العيد، وهم قاعدين كلهم ياكلوا كحك ويضحكوا، البنت الصغيرة راحت عند جدتها وقالتلها ببراءة تيتا العيد السنة دي أحلى من السنة اللي فاتت.
الحاجة إنصاف دموعها نزلت، وباست راسها عشان مفيش حد زعلان يا حبيبتي.
والحقيقة
إن الفلوس عمرها ما كانت المشكلة.
المشكلة كانت إن كل واحد في البيت كان خايف أم خايفة من الزمن، وبنت خايفة من نظرة الناس، ورجل خايف يخسر أهله، وست خايفة تتظلم وتسكت.
لكن لما الحقيقة ظهرت
كل واحد شاف نفسه بوضوح.
ومن يومها، كل عيد
أول لبس يتجاب
يبقى للأطفال.