هي طلقه واحده بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

بييجي يقعد في الصمت، يسمع الدكتور، يسأل بهدوء، ويستنى.
أوقات كانت سمر تتكلم، وأوقات تانية كانت تسكت تمامًا لكنه ما كانش بيضغط.
لأول مرة، كان بيتعلم معنى إنه يوجد من غير ما يسيطر.
بعد أسبوع، الحالة استقرت نسبيًا، والدكتور قال الخطر الكبير عدى بس لسه في متابعة طويلة.
في يوم خروجها، كانت سمر قاعدة على السرير بتجهّز نفسها.
جاسر واقف عند الباب.
قال هروح أجيب عربية أوديكم.
سمر بصت له إحنا مش رايحين عندك.
الجملة كانت واضحة.
هو هز راسه بهدوء عارف.
سكت لحظة، وبعدين قال بس لو في أي وقت احتجتوا حاجة أنا موجود.
سمر ما ردتش.
لكن المرة دي ما كانش في غضب كان في مسافة.
مسافة محفوظة، لكنها مش حرب.
خرجت من المستشفى مع أبوها.
وهي ماشية، بصت لجاسر نظرة أخيرة.
مش وداع، ولا رجوع
بس اعتراف صامت إن اللي بينهم ما اتقفلش لكنه اتغيّر.
مرّت شهور.
جاسر بقى بيعيش حياة أهدى. أقل صوت، أقل قرارات اندفاع، أكتر تفكير.
سمر بدأت حياة جديدة في بيت أبوها، وركزت على حملها بهدوء، بعيد عن أي توتر.
وفي يوم، وصله خبر الولادة.
ما جريش، وما اتصلش وهو بيزعق.
راح المستشفى بهدوء.
وقف قدام الغرفة، والدكتور قال له مبروك ولد.
دخل.
سمر كانت نايمة، والتعب باين عليها، جنبها طفل صغير بيتنفس بهدوء.
بص له جاسر وسكت.
مش نفس الشخص اللي كان بيكسر ويهدد ويستعرض قوته.
ده كان شخص واقف قدام بداية جديدة مش بيملكها، بس مسؤول عنها.
سمر فتحت عينها وقالت بصوت مرهق هو اسمه هنحدده بعدين.
بصت له لحظة، وبعدين قالت بس افتكر حاجة يا جاسر
سكتت.
اللي بيتبني على كسر عمره ما بيكمل سليم بس اللي بيتبني على وعي ممكن يبدأ من جديد.
سكتت.
جاسر ما ردش.
بس المرة دي، ما كانش محتاج رد.
كان أول مرة يفهم إن النهاية اللي كان فاكرها انتصار كانت بداية تصحيح طويل مش بطولة.
وإن بعض الحكايات ما بتتنتهيش بطلاق أو رجوع
لكن بتبدأ من أول مرة حد يختار يكون أحسن من نفسه القديمة جاسر ما اتحركش.
الكلمة اللي قالتها لسه في
حاجة تتصلّح فضلت معلّقة في دماغه، كأنها خيط رفيع بين اتنين بيقعوا من مكان عالي.
سمر كانت بتتنفس بصعوبة، لكن عينيها ما كانتش ضعيفة كانت متعبة بس صاحية.
الدكتور دخل مرة تانية وقال ممنوع أي انفعال ولا نقاشات طويلة.
وبص لجاسر بجدية لو هتفضل، يبقى بهدوء.
خرج تاني وسابهم لوحدهم.
المرة دي الصمت كان مختلف.
مش صمت كسر لكن صمت مواجهة.
جاسر قرب خطوة واحدة بس، وبص لبطنها، كأنه بيشوف حقيقة كان رافض يعترف بيها.
قال بصوت منخفض أنا ما كنتش أعرف.
سمر ردت فورًا إنت ما كنتش عايز تعرف.
الجملة كانت أقسى من أي لوم.
سكت.
وبعدين قال أنا غلطت في كل حاجة.
سمر ضحكت ضحكة قصيرة، مش سخرية أقرب لوجع الاعتراف مش بيرجع اللي اتكسر يا جاسر.
سكتت لحظة، وبعدين كملت أنا مش محتاجة منك كلام كبير أنا محتاجة أمان. ولو مش هتعرف تديني ده يبقى خليك في مكانك.
جاسر رفع عينه ليها وأنا أعمل إيه دلوقتي؟
سمر بصت له مباشرة مش دلوقتي من زمان.
الصمت رجع يملأ المكان تاني.
لكن فجأة جهاز المراقبة جنب السرير طلع صوت إنذار خفيف.
الدكتور دخل بسرعة.
الضغط بينزل تاني.
الجو اتقلب في ثانية.
سمر مسكت في طرف الملاية، ووشها اتشد من التعب، وجاسر من غير ما يفكر اتحرك ناحيتها.
المرة دي ما قالتش متقربش.
بس بصت له.
نظرة واحدة كانت كفاية تسمح له يقف جنبها بس من غير ما يلمسها.
الدكتور بدأ يدي تعليمات سريعة، والممرضة بتحاول تثبّت الوضع.
وفي وسط كل ده، جاسر كان واقف مش بيأمر، مش بيتحكم، مش بيكسر.
أول مرة في حياته واقف بس بيستنى.
بعد دقائق طويلة، الصوت في الجهاز بدأ يهدى تدريجيًا.
الدكتور قال استقرت شوية بس لسه في خطر.
خرجوا تاني، وسابوا التوتر في الغرفة.
سمر بصت للسقف، وقالت بصوت واطي شايف؟ حتى جسمي مش مطمّنني.
سكتت وبعدين بصت له فكرت مرة إنك ممكن تكون سبب أمان مش سبب خوف؟
الكلمة دي وقفت جواه كل حاجة.
هو فتح بقه، بس قبل ما يتكلم هي كملت
أنا مش عايزة حرب يا جاسر أنا عايزة طفل يعيش من غير ما يدفع
تمن غلط حد تاني.
سكتت.
وبعد لحظة قالت لو ناوي تكمل وجودك يبقى كأب مش كحاكم.
جاسر ما ردش فورًا.
بس المرة دي ما فيش غرور واقف بينه وبين الحقيقة.
في أول مرة، بص لبطنها وبعدين قال بصوت واطي جدًا
أنا هحاول.
وسكت.
لكن هحاول دي كانت أول كلمة مش جاية من تهديد.
كانت جاية من شخص بدأ يخسر صورته القديمة ولسه ما عارفش هيتولد بإيه بدلها بعد يومين من الولادة، جاسر كان واقف قدام بيت أبو سمر.
مش داخل، ومش متراجع.
واقف بس.
كأنه بيتعلم لأول مرة يعني إيه استنى من غير ما تفرض.
الباب اتفتح.
أبوها خرج.
بص له لحظة طويلة، وبعدين قال بهدوء الولد كويس وسمر بدأت تتحسن.
سكت لحظة، وبعدين كمل بس لازم تبقى فاهم حاجة يا جاسر مش كل باب بيتفتح تاني زي الأول.
جاسر هز راسه أنا مش جاي أفتح باب زي الأول.
سكت.
وبص له بصدق لأول مرة أنا جاي أتعلم أكون أب حتى لو من بعيد.
أبوها فضل ساكت شوية، وبعدين قال الدخول مش ليك دلوقتي الدخول للثقة.
وقفل الباب بهدوء.
من غير قسوة لكن بحدود واضحة.
جاسر ما اتحركش بسرعة زي زمان.
فضل واقف ثواني.
وبعدين مشي.
مرت شهور.
الطفل كبر شوية، وسمر بدأت ترجع قوتها تدريجيًا.
ما كانش في رجوع بين سمر وجاسر لكن كان في نظام جديد زيارة في وقت محدد، كلام قليل، وكل حاجة تحت سقف الاحترام والمسؤولية.
جاسر كان بييجي يشوف ابنه.
يقعد معاه دقائق، يشيله بإيده المرتعشة في الأول، وبعدين اللي بتثبت مع الوقت.
وفي كل مرة، كان بيبص لسمر ويلاقي في عينيها نفس المسافة.
لكن المرة دي المسافة ما كانتش عداء.
كانت تعافي.
في يوم، وهو خارج بعد زيارة قصيرة، سمر نادت عليه لأول مرة من غير برود جاسر
وقف.
ما لفش بسرعة.
بس وقف.
قالت متفتكرش إن اللي حصل اتنسى
سكتت لحظة.
وبعدين كملت بس متفتكرش كمان إن الإنسان ما بيتغيرش.
جاسر بص لها.
والمرة دي ما كانش فيه رد دفاعي.
قال بهدوء أنا مش عايز أنسى أنا عايز أتعلم.
سمر هزت راسها بصمت.
وهو مشي.
آخر مشهد كان بعد سنة تقريبًا.
جاسر واقف في
حضانة ابنه، بيحاول يلبسه جاكيت صغير وهو بيضحك لأول مرة بصدق.
الطفل ماسك في صباعه ومش راضي يسيبه.
سمر كانت واقفة على الباب، بتراقب من بعيد.
مش داخلة.
بس مش خارجة من الصورة كمان.
جاسر بص لها لحظة.
ما فيش رجوع زي الأفلام.
ولا نهاية سعيدة تقليدية.
بس في حاجة أبسط وأعمق
هدوء اتبنى من كسر قديم، واتصلّح بحقيقة مرة
إن بعض الناس ما بيرجعوش زي ما كانوا
لكن ممكن يبقوا أحسن لو اتغيروا بجد النهاية بقت واضحة مع الوقت مش بقرار واحد، لكن بتراكم أيام طويلة.
سمر ما رجعتش لجاسر كزوجة، ولا هو حاول يفرض ده تاني. العلاقة بينهم فضلت في شكل واحد ثابت طفل بينهم، ومسؤولية مشتركة، وحدود محترمة اتبنت بالعافية بعد كسر كبير.
جاسر بقى ييجي يشوف ابنه في مواعيد محددة، من غير استعراض، من غير صوت عالي، ومن غير محاولة يثبت أي حاجة. في الأول كان بييجي متوتر، كأنه داخل امتحان، لكن مع الوقت بقى هادي أقرب لحد بيتعلم يعوض اللي فات بالفعل مش بالكلام.
سمر كانت بتراقبه
من بعيد. مش ثقة كاملة، لكن كمان مش خوف. كانت شايفة تغيير حقيقي، بس عارفة إن الجرح مش بيبقى ذاكرة قصيرة.
وفي يوم عادي، بعد زيارة قصيرة، جاسر كان خارج من الباب لما سمر نادته بهدوء جاسر.
وقف.
قالت له ابنك محتاج أب هادي مش أب بيحاول يثبت إنه صح.
سكت لحظة، وبعدين قال وأنا بقيت فاهم ده متأخر بس فاهمه.
سمر بصت له نظرة طويلة، وقالت التأخير مش بيمسح اللي حصل لكنه ممكن يمنع اللي جاي يبقى أسوأ.
هز راسه بهدوء.
ومشي.
بعد سنة تقريبًا
كان الطفل بيجري في الحديقة الصغيرة قدام بيت جده، بيضحك من غير خوف.
جاسر كان قاعد على طرف بعيد، بيبص له مشغول بسكون غريب.
سمر كانت واقفة عند الشباك، شايفاه.
مش غضب مش حب مش حرب.
بس فهم.
فهم إن النهاية مش دايمًا رجوع، ومش دايمًا فقدان كامل
أحيانًا بتبقى حياة جديدة بتتولد من نفس الحكاية القديمة، بس بشروط مختلفة
احترام بدل سيطرة
هدوء بدل تهديد
ومسؤولية بدل رغبة في الكسر
الطفل وقع وهو
بيضحك، وجاسر جري يشيله بسرعة وهو بيضحك معاه لأول مرة بصدق.
وسمر ابتسمت ابتسامة صغيرة وقفلت الستارة بهدوء.
مش عشان النهاية رجعت زي الأول
لكن عشان أخيرًا بقت واضحة.

تم نسخ الرابط