نسيت اقول لحماتي
كانت واقفة على حافة الانفجار.
السقف الحديد فوقنا ما بقاش يفصلنا عنه غير مسافة إيد واحدة.
وصوت الصاج وهو بيحتك في بعضه كان زي صرير باب بيتقفل على عمر كامل.
شريف شدني ناحية الممر
هنموت هنا! اركضي!
لكن رجلي ما اتحركتش.
كنت باصة على الباب اللي مكتوب عليه اسمي وهو مفتوح قدامي زي فم ضخم بيبلع الحقيقة.
والفتاةاللي شبه فريدةكانت واقفة جوه النور الأبيض، مستنياني.
همست تاني
ماما القرار مش هيستناك أكتر.
في اللحظة دي
العجوز اتقدم خطوة، وصوته كان مكسور
لو دخلتي الباب ده مش هتخرجي نفس الإنسان.
شريف صرخ فيه
وإنت عايز إيه منها؟!
العجوز رد بهدوء مخيف
أنا عايز اللي اتاخد مني قبل 40 سنة.
سكت لحظة، وبص ناحية الباب
ابني.
الدنيا كلها وقفت.
إنت بتقول إيه؟
قبل ما يرد، الأرض تحتنا هزت بعنف.
السقف نزل فجأة كأنه فقد صبره.
شريف شدني بعنف وجرّني ناحية الممر
بقولك نمشي!
لكن الباب اللي مكتوب عليه اسمي كان بيناديني.
النور الأبيض خرج منه زي نفس حي.
والفتاة قالت بصوت أخف، أقرب للهمس
أنا مش عايزة أخرج أنا عايزة أفتكر ليه اتسابيت هنا.
وفي ثانية واحدة
كل الأصوات سكتت.
حتى صوت الجهاز.
حتى صوت السقف.
وسمعت صوت جوا دماغي أنا بس
لو دخلتي هتفهمي مين شريف بجد.
اتجمدت.
بصيت له.
لأول مرة وشه كان مش مفهوم.
مش خوف بس.
لا
كان فيه حاجة شبه الذنب.
شريف قال بسرعة
ما تدخليش!
لكن كان متأخر.
إيدي اتحركت لوحدها ناحية الباب.
ولما لمسته
النور الأبيض انفجر حوالينا كله.
والسقف وقع.
بس مش علينا
وقع على مكان تاني.
كأن المكان قرر يختار.
وفجأة
لقيت نفسي واقفة لوحدي قدام شاشة زجاج ضخمة.
وراها بيت قديم.
نفس البيت.
لكن في يوم حريق.
وشخص واقف جوه النار
وبيصرخ باسمي
علا افتكري الحقيقة!الصوت كان بيخترق الزجاج كأنه جاي من جوه راسي مش من المشهد قدامي.
علا افتكري الحقيقة!
اتراجعت خطوة، لكن رجلي اتعلقت في الأرض كأنها مش بتاعتي.
ورا الزجاج، النار كانت بتاكل البيت القديم نفس البيت اللي كنت شايفاه طول الوقت مكان عادي، ودفن أسرار عيلة كاملة.
الشخص اللي جوه النار حاول يقرب من الناحية التانية، لكن كل خطوة كانت بتخليه يختفي أكتر.
وشه كان بيتبدل مرة شريف، مرة العجوز، مرة حد مش شايفاه خالص.
مسكت راسي
أنا مش فاهمة حاجة! إيه ده؟!
صوت الفتاة جه من ورايا
ده اللي اتشال من الذاكرة عشان ما يبانش.
لفيت بسرعة.
كانت واقفة، بس النور الأبيض حوالينها بدأ يهدى، كأنه بيستنزف نفسه.
قلت لها بصوت مبحوح
إنتِ فريدة ولا لأ؟
سكتت لحظة طويلة.
وبعدين قالت
أنا فريدة بس مش كلها.
قبل ما أسألها يعني إيه، الأرض تحتنا اهتزت تاني.
الشاشة الزجاجية قدامي بدأت تتشقق.
وشريف ظهر فجأة ورا الزجاج لكن مش في النار.
كان واقف في مكان تاني تمامًا، غرفة بيضا فاضية، ووشه عليه صدمة عمره.
وهمس
أنا كنت عارف إنك هتوصلي هنا بس ماكنتش عايزك تفتكري ده.
اتجمدت
تفتكر إيه؟!
العجوز ظهر جنبه في نفس اللحظة، كأنه طالع من العدم
الحقيقة إن البيت ده ما اتحرقش صدفة واتقسمنا جوه الحريق ده.
بصيت لهم الاتنين
اتقسمتوا إزاي؟!
الصوت بقى عالي جوه المكان كله، كأن النظام رجع يشتغل بقوة
إعادة دمج الملفات فشل في الاستقرار.
النور الأبيض بدأ يرجّع المشاهد بسرعة مجنونة
بيت بيتكسر أوراق بتتحرق أطفال بتتسحب من أسمائهم واسم علا بيتكتب وبيتشال في نفس
حطيت إيدي على الزجاج، وصوتي طلع غصب عني
أنا مش فاكرة أي حاجة من ده!
الفردة اللي قدامي من فريدة قربت جدًا وقالت بهدوء
عشانك إنتِ اللي قررتِ تنسي مش إحنا.
وفجأة
الزجاج كله وقع مرة واحدة.
وسقطت جواه.
مش في النار
في نفس البيت.
لكن قبل الحريق بلحظات أول ما وقعت جوه البيت قبل الحريق، الدنيا سكتت بشكل غير طبيعي.
مفيش نار.
مفيش صراخ.
بس ريحة خشب قديم وسكون تقيل كأنه بيكتم النفس.
وقفت في صالة البيت القديمة نفس المكان اللي شفته في الشاشة قبل ثواني.
الساعة على الحيطة كانت واقفة عند 1042.
نفس وقت الجلسة اللي بدأت فيه كل حاجة.
سمعت خطوات ورايا.
لفيت ببطء.
لقيت نفسي
أنا.
مش نسخة، مش خيال.
أنا الأصغر مني بسنين.
واقفة وباينة عليّ الخوف والارتباك.
وقالت بصوت مهزوز
إنتِ جيتي بدري المفروض ما توصليش هنا دلوقتي.
رجلي اتجمدت
أنا إنتِ؟
هزت راسها
أنا إنتِ قبل ما أنسى.
قبل ما أكمل كلمة، الباب اتفتح بعنف.
شريف دخل.
لكن شكله كان مختلف.
مش شريف اللي أعرفه ده شريف الحقيقي، مش اللي عايش في الحاضر.
كان متوتر، عينه مليانة قرار صعب.
خلفه العجوز.
بس أصغر.
أول مرة أشوفه شاب.
العجوز الشاب قال بسرعة
مفيش وقت لازم نقفل النظام قبل ما يكتمل النسخ.
صرخت
نسخ إيه؟! إنتوا بتعملوا إيه؟!
شريف قرب مني وقال بهدوء موجع
إحنا ما بنخونكيش إحنا بننقذك.
سكت لحظة، وبعدين كمل
في الليلة دي كان لازم يحصل حريق. وكان لازم تختاري تنسي، عشان تعيشي.
اتجمدت
أنسى إيه؟
شاور على النسخة الصغيرة مني.
الطفلة دي هي الذاكرة اللي اتقسمت. لو رجعت كاملة إنتِ هتختفي من الحاضر.
سكت العالم كله.
حتى صوت النار اللي بدأت
فريدة ظهرت فجأة عند الباب، أو النسخة التانية منها، وعيونها مليانة دموع
لو رجعتي كاملة أنا همسح.
بصيت بينهم كلهم.
شريف.
العجوز.
أنا الصغيرة.
فريدة.
والنار بدأت تقرب.
وفي اللحظة دي
فهمت الحقيقة الوحيدة اللي ما كانتش ناقصة تفسير
البيت ما كانش بيت.
كان اختيار.
خدت نفس طويل.
وقربت من النسخة الصغيرة مني.
وحطيت إيدي على إيديها.
وبصوت هادي قلت
أنا مش عايزة أنسى تاني.
النار علت.
والنور الأبيض انفجر.
وكل حاجة اتسابت في لحظة واحدة.
بعدها بسنين
كنت قاعدة في بيت جديد، عادي جدًا.
بس كل يوم الساعة 1042 بالظبط
بحس إن في حاجة ناقصة.
وطفلة صغيرة بتيجي في أحلامي، تقولي
إنتِ افتكرتيني بس لسه مش كلها النار اختفت.
والنور الأبيض طفى كأنه ما كانش موجود من الأساس.
سكون كامل.
فتحت عيني ببطء.
كنت قاعدة على الأرض في البيت القديم بس البيت دلوقتي سليم، مفيهوش حريق، مفيهوش باب سري، مفيهوش أي حاجة
من اللي حصل.
الصالة عادية جدًا.
الساعة على الحيطة واقفة عند 1042.
قمت وأنا مش فاهمة هل ده كان حلم؟ ولا ذكرى؟ ولا حاجة تانية؟
ناديت بصوت مبحوح
فريدة؟
مفيش رد.
شريف؟
سكون.
خرجت من الصالة بسرعة.
البيت فاضي.
مفيش حد.
بس على الترابيزة لقيت ظرف قديم.
نفس الظرف الأصفر.
مكتوب عليه بخط إيد ستي
لو وصلتي لهنا يبقى اخترتي الحقيقة.
اتجمدت.
فتحت الظرف.
كان جواه صورة واحدة.
أنا واقفة وسط البيت، وبإيدي طفلين.
فريدة وياسين.
بس الغريب
إن وشي في الصورة كان باين عليه خوف.
وكأنّي عارفة حاجة أنا لسه ما عرفتهاش.
وفي ضهر الصورة جملة واحدة
اللي اختفى مش الناس اللي اختفى هو الزمن اللي اتشال منهم.
رفعت عيني.
والبيت كله كان هادي زيادة عن الطبيعي.
بس المرة دي
سمعت صوت خفيف جدًا من أوضة الأطفال.
زي نفس طفل بيهمس
ماما إنتي رجعتي تاني؟
وقفت مكاني.
والنور انقطع فجأة.
وانتهت الحكاية أو لسه ما انتهتش.