اتجوزني علي مراته
المحتويات
عارفة إني مخبي حاجة بس عمرها ما استخدمت ده ضدك ولا ضد حد.
ساعتها حسيت حاجة غريبة جوايا إحساس إن الصورة اللي كنت شايفاها عن كل الناس اتشقّت.
قبل ما أستوعب، سمعنا صوت خبط جامد تحت في الشارع.
نزلنا نجري
لقينا تجمع ناس حوالين عربية واقفة قدام البيت.
والصدمة
إن الطفل اللي في الصورة كان واقف قدام العمارة.
بيسأل الناس بصوت هادي
هو هنا ساكن اسمه فلان؟ أنا جيت أدور على بابا.
جوزي وقع الظرف من إيده.
وأنا حسيت لأول مرة إن اللي تحت رجلي مش أرض
ده انهيار كامل لحياة كنت فاكرة إني مسيطرة عليها.
الطفل رفع عينه لفوق ناحية العمارة
وبص مباشرة علينا.
وقال جملة واحدة خلت كل اللي حوالينا يسكت
أنا فاكر وشك أنت بابا.
والصمت اللي حصل بعد الجملة دي
كان بداية سر أكبر بكتير من أي طلاق أو أي ولد أو أي انتصار فات الشارع كله سكت كأن الزمن وقف.
جوزي ما اتحركش خطوة، بس ملامحه كانت بتنهار قدام عيني.
الطفل فضل واقف، عينه ثابتة عليه، كأنه متأكد مليون في المية.
أنت بابا أنا متأكد.
الكلمة كانت بتتكرر في دماغي زي صدى بيكسر الجمجمة.
نزلنا من العمارة من غير ما حد فينا يقرر ينزل كأن في قوة سحبتنا لتحت.
قرب جوزي منه ببطء، وصوته طالع مكسور
مين اللي قالك كده؟
الطفل رد بهدوء يخوف
ماما قبل ما تمشي قالتلي أدور عليك وقالتلي إني لو شوفتك أعرفك من العلامة اللي في إيدك.
رفع إيده الصغيرة وأشار ليد جوزي.
بصيت ولأول مرة لاحظت علامة قديمة جدًا في معصمه، أثر حرق أو جرح قديم.
علامة أنا عمري ما سألت عنها.
جوزي شد إيده بسرعة كأنه بيخبّيها.
إنتِ مين اللي بعتك؟
الطفل هز راسه
أنا جيت لوحدي بس معايا حاجة كمان.
فتح شنطة صغيرة كان شايلها.
طلع منها ظرف تالت أصغر من اللي قبله.
مده لجوزي وقال
ماما قالتلي
بس جوزي ما قدرش يستحمل فتحه فورًا.
وأنا واقفة جنبه، أشوف الورقة بتتفرد.
بس اللي اتكتب فيها كان جملة واحدة بس
الطفل ده مش كل الحقيقة فيه حاجة تانية أنت نسيتها يوم ما قررت تسكت.
جوزي وقع الورقة من إيده.
ووشه شحب بطريقة مرعبة.
رفعت عيني ليه
نسيت إيه؟
سكت لأول مرة مش قادر يجاوب.
وفجأة الطفل مسك إيده وقال
ماما قالتلي أقولك إنك لو افتكرت، هتفتكر ليه هي سابت البيت من غير ما تحارب.
في اللحظة دي ظهر صوت من وراينا.
صوت ست.
هادئ جدًا.
لأنه ما كانش ينفع أحارب حاجة أنت نفسك كنت عارف إنها غلط.
لفينا كلنا
وكانت هي.
مراته الأولى.
واقفة على أول الشارع، مش بتجري ولا بتتهرب.
بصت لجوزي وقالت
اللي في الورق ده مش اتهام ده تذكير.
وسكتت لحظة، وبعدين أضافت
تذكير باللي حصل يوم الحقيقة اتقالت لك وانت اخترت تصدّق اللي يريحك.
وساعتها الطفل قرب منها ومسِك إيدها.
وبص لنا كلنا وقال
أنا جيت النهاردة عشان أسمع الحقيقة منكم أنتم كمان.
واللي كان جاي بعد اللحظة دي
ما كانش مجرد سر.
ده كان مواجهة كاملة مع الماضي اللي محدش فيهم كان مستعد له جملة الطفل الأخيرة خلت المكان كله يتجمد.
أنا جيت عشان أسمع الحقيقة منكم أنتم كمان
بصينا لبعض، مفيش حد قادر يبدأ الكلام.
مراته الأولى كانت واقفة ثابتة، لكن عينيها فيها هدوء غريب هدوء حد خلّص حربه من زمان.
جوزي حاول يتكلم، صوته طلع متقطع
إنتوا عايزين إيه مني دلوقتي؟
الطفل رد قبلها
عايز أعرف ليه ماما كانت بتعيط كل يوم وهي بتقول اسمك؟
الكلمة خبطت فيه زي طلقة.
سكت.
وبعدين مراته الأولى رفعت راسها وقالت بهدوء
مش كل اللي بيعيط مظلوم ومش كل اللي بيسكت بريء.
بصيتلها وأنا لأول مرة أحس إن الأرض مش ثابتة تحت رجلي.
قربت خطوة
إنتِ كنتِ فاكرة إنك كسبتي لما طلعتي فوق بس الحقيقة إنك كنتِ قاعدة على بيت متفكك من زمان.
ساعتها جوزي اتعصب فجأة
كفاية! أنتي عايزة توصلي لإيه؟
لكنها ما اتأثرتش.
مدّت إيدها ببطء وطلعت مفتاح قديم من شنطة صغيرة.
وقالت
قبل ما أسيب البيت سبت حاجة جوه الشقة اللي تحت حاجة محدش فتحها لحد النهاردة.
بصينا كلنا لبعض.
إيه الحاجة دي؟ سألت وأنا صوتي مش ثابت.
ردت وهي بصّة لجوزي
حاجة لو اتفتحت مش هتغير بس اللي حصل دي هتغير مين كان السبب الحقيقي في كل حاجة.
الطفل شد إيدها وقال
ماما هو لازم يعرف النهاردة؟
هزت راسها
أيوه لأنه طول ما الحقيقة مستخبية هيفضل يكرر نفس الغلط من غير ما يحس.
وفي لحظة صمت ثقيلة
بدأت تمشي ناحية العمارة.
ونحنا وراها من غير ما حد فينا يقرر.
نزلنا السلم واحد واحد وكل خطوة كانت تقيلة كأنها بتقربنا من حاجة أكبر من قدرتنا على الاحتمال.
وصلنا قدام باب الشقة اللي تحت.
وقفت.
حطت المفتاح في الباب وقالت
آخر فرصة قبل ما تفتح لو اتفتح مفيش رجوع.
والباب
بدأ يفتح ببطء شديد.
ومن جوه
كان في صوت خفيف جدًا
صوت حاجة بتتحرك كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين الباب فتح ببطء لحد ما اتشق نص فتحة والهواء اللي طلع من جوه كان غريب، كأنه محبوس من سنين.
ريحة قديمة ورق وتراب وهدوء مش طبيعي.
مفيش نور غير لمبة صغيرة مكسورة بتلمع وتطفي.
الكل وقف على العتبة محدش جري يدخل.
لكن الطفل هو اللي كسر الصمت، وداخل أول واحد.
ماما أنا سمعت الصوت ده قبل كده
بصينا له بسرعة.
صوت إيه؟
رد وهو مش مبسوط
فيه حد هنا بيخبط من جوه.
جوزي شد الباب أكتر، وفتح على آخره.
دخلنا واحدة واحدة.
الشقة من جوه كانت شبه متسابة لكن مش مهجورة عادي.
فيه ترتيب غريب كأن حد كان عايش فيها
وفجأة
وقفنا كلنا.
على الترابيزة في النص كان فيه صندوق خشب كبير مقفول بسلسلة قديمة.
وعليه ورقة مكتوبة بخط مراته الأولى
لو وصلتوا هنا يبقى الوقت جه.
جوزي قرب خطوة ببطء، ووشه بدأ يعرق.
أنا أنا مش فاكر إني شوفت الصندوق ده قبل كده.
مراته الأولى ردت بهدوء مخيف
عشان أنت اللي قفلته بنفسك ونسيت.
سكت.
الطفل شد طرف هدومها
ماما هو جوا الصندوق ده بابا حقيقي؟
كلمته كانت بسيطة بس خلت الجو يتغير.
مراته الأولى بصت للصندوق وقالت
جواه حاجة أخطر من كده.
لفت نظرها ليا
جواه الحقيقة اللي خلت كل اللي حصل يحصل من أول الجواز لحد النهاردة.
جوزي فجأة ضرب إيده على الترابيزة
افتحيه وخلاص!
لكن إيده كانت بتترعش.
سلسلة الصندوق كان عليها قفل صغير غريب الشكل، شبه مش من الزمن ده.
مراته الأولى طلعت مفتاح تاني من جيبها.
وقالت
المفتاح ده ماكانش ليك كان للي يقدر يتحمل الحقيقة.
وسكتت لحظة
ولو اتفتح مفيش حد فينا هيفضل هو نفسه.
الصمت نزل تقيل جدًا.
وبعدين
سمعنا صوت جوه الصندوق.
نفس الصوت اللي سمعناه من شوية
بس المرة دي أوضح.
خبط خبط خبط.
كأن في حاجة جواه بتستغيث.
والسلسلة بدأت تتحرك لوحدها ببطء كأنها بتفك نفسها بنفسها السلسلة بدأت تفك لوحدها حلقة ورا حلقة، كأن في إيد مش شايفينها بتساعد من جوه.
الكل رجع خطوة لورا.
حتى جوزي اللي كان لحد لحظة فاتت بيزعق سكت فجأة.
الخبط اللي جوا الصندوق زاد.
مرة اتنين تلاتة
وبعدين وقف.
صمت.
صمت أطول من اللازم.
مراته الأولى همست
دلوقتي مفيش رجوع.
وبإيد باردة، دخلت المفتاح في القفل.
تكّة.
الصوت كان بسيط بس اتقال بعده حاجة مش بسيطة خالص.
الصندوق اتفتح.
لكن اللي جواه ماكانش ورق ولا مجوهرات ولا أي حاجة حد كان متوقعها.
كان جواه مسجل صغير قديم
وجوهنا كلنا اتشدّت ناحيته كأننا متسمرين.
الطفل رجع خطوة لورا وقال بخوف
الصوت وقف جوه هنا.
جوزي بص للدفتر وقال بصوت مبحوح
ده بتاعي
بصتله مراته الأولى
لا ده
متابعة القراءة