وقفت على الرصيف بقلم شروق
وقفت على الرصيف في عز البرد بقلب مكدوم، وكيسين زبالة مليانين هدوم، وفي جيبي 43 جنيه بالضبط. الباب اتقفل ورايا بشدة لدرجة إن الرقم النحاسي اللي عليه اهتز وكأنه بيضحك على خيبتي.
خلف ستائر الشقة الزوجية اللي في الزمالك، رفع جوزي كريم كاس عصير ناحيتي وهو بيشاورلي باستهزاء، وكانت والدته واقفة جنبه بتبتسم كأنها ملكة بتتفرج على خادمة بيطردوها من القصر.
سخر كريم وهو بيبصلي من ورا الشباك الموارب إياكِ ترجعي هنا تاني... إنتي عمرك ما كنتِ تليقي بالعيشة دي ولا بالمستوى ده.
وزادت والدته إيفيلين فوق جرحي جرح وهي بتقول وبلاش بقى حركات الشحاتة والتمثيل دي عشان متحرجيش نفسك... بنات الأيام دي من الطبقات دي لازم يفهموا إن الحفلة خلاص خلصت ومبقاش ليهم مكان وسطنا.
لم أتوسل. لم أصرخ. نظرت فقط إلى البيت اللي ساعدت بشيكات راتبي ومرتبي في تجهيزه وصيانته، البيت اللي كان كريم بيلبس فيه بدل براندات ومصممة مخصوص ليه في حين إنه كان بيسحب وبيدمر مدخراتي بهدوء من ورا ضهري، البيت اللي والدته كانت بتعايرني فيه وتقولي إني مجرد عمل خيري واخد شكل جوازة.
شيلت أكياسي ومشيت والدموع محبوسة في عيني.
موظف اللوكاندة الشعبي البسيط مظهرش عليه أي مفاجأة لما دخلت ودفعت الحساب نقدي لليلة واحدة. أشكال زيي بتعدي على الردهة دي طول الوقت؛ عيون منفخة من العياط، إيدين بترتعش، وستات بيمثلوا إنهم مجرد تعبانين من السفر.
جوه الأوضة الضيقة، رميت أكياسي على السرير. بلوفرات قديمة، علبة مجوهرات مكسورة، وملف ورق ضريبي كريم مكنش مهتم حتى يبص فيه أو يعرف إيه اللي جواه. وفي قاع الكيس، ملفوفة في منديل قماش قديم بتاع والدي الله يرحمه، لقيت بطاقة بنكية فيزا مغطاة بالتراب.
حكايات_شروق_خالد
والدي كان راجل هادي جداً... شغال أسطى أقفال كالونجي، وعايش أرمل بعد وفاة أمي. من نوعية الرجالة الطيبين اللي يلبسوا نفس الجاكيت عشر سنين، ويصلحوا أبواب الجيران بنص الثمن ومبيحبوش يتقلوا على حد. لما مات، ملقتش وراه وصية ولا عقارات، ولا حتى تفسير للمحامي اللي لابس بدلة غالية جداً وحضر الجنازة بتاعته وفضل يراقبني من آخر صف ومشي من غير ما يتكلم.
قلبت البطاقة البنكية بين صوابعي.
كانت تابعة ل بنك مصر.
واسمي قبل الجواز كان لسه مطبوع تحت اسم والدي كلارا.
في صباح اليوم التالي، مشيت للبنك وأنا لابس نفس هدوم امبارح، وحاسة بكسرة رفضت إني أشيلها معايا أكتر من كده. موظف البنك التيلر ابتسم بأدب روتيني لحد ما سلمته البطاقة والبطاقة الشخصية بتاعتي.
فجأة، صوابعه ثبتت ومتحركتش على الكيبورد.
بص للشاشة بذهول، وبعدين بص في وشي، ورجع بص للشاشة تاني وكأنه مش مصدق.
بلع ريقه بصعوبة، ووشه بقى شاحب وزي الليمونة، وهمس بصوت مخنوق يا فندم... هو حضرتك تعرفي الرصيد اللي موجود في الحساب ده كام؟
قولتله بنبرة مكسورة لا، معرفش.
أخد نفس طويل وقال وهو بيشاورلي على مكتب جوه طب استأذن حضرتك تتفضلي معايا فوراً على مكتب مدير الفرع.
حكايات_شروق_خالدبنتك قليلة الأدب وبتاكل كتير! عشان كده ضربتها!
دي كانت أول جملة صرخت بيها حماتي لما دخلت جري على الصالة وشفت بنتي الصغيرة، عندها سنتين، واقعة على الأرض، ودم نازل من مناخيرها، وعلى خدها أثر خمس صوابع حمرا.
كان يوم أحد بعد الضهر، في شقتي بمدينة نصر في القاهرة. المفروض إنها تبقى قعدة عائلية هادية. جوزي أحمد كان مسافر شغل في إسكندرية، فكان موجود في البيت حماتي الحاجة فاطمة، وابن أخوه يوسف، وبنتي مريم.
كنت في المطبخ بجهز شوربة فراخ بالخضار، لأن الحاجة فاطمة بقالها كام يوم بتشتكي من الضغط والدوخة والتعب، وكل شوية تقول إن محدش بقى يهتم بيها زي زمان. رغم إنها عايشة معايا في بيتي، وبتاكل من أكلي، وليها أوضة مخصوص، وكمان كنت عاملالها اشتراك طبي خاص، إلا إنها كانت دايمًا بتدور على أي سبب عشان تمثل دور الضحية.
يوسف، ابن أخو أحمد الكبير، كان عايش معانا من سنة كاملة. حماتي أصرت تجيبه من البلد عشان يتعلم في مدرسة خاصة كويسة، بحجة إنه الولد اللي هيشيل اسم العيلة. وأنا اللي كنت بدفع مصاريف مدرسته، ولبسه، ودروسه، وحتى احتياجاته الشخصية.
أما مريم، فكانت طفلة بريئة ولطيفة، لسه خطواتها متلخبطة وبتنام وهي حضنة لعبتها الصغيرة.
وأنا في المطبخ قلت لها
يا حبيبتي، روحي العبي شوية في الصالة لحد ما أخلص الأكل.
ما عدّاش خمس دقايق إلا وسمعت صوت ضربة قوية.
طاخ!
الصوت ماكانش لعبة وقعت...
كان صوت قلم.
وبعدها مباشرة سمعت عياط بنتي.
جريت وأنا قلبي هيقف.
لقيت مريم مرمية على الأرض، جسمها بيترعش، والدم نازل من مناخيرها. أما الحاجة فاطمة فكانت واقفة قدامها وحاطة إيديها في وسطها، ويوسف قاعد على الكنبة بياكل سجق وبيتفرج على الكرتون.
إنتِ عملتي فيها إيه؟! صرخت وأنا شايلة بنتي.
ردت بكل برود
علمتها الأدب. أخدت قطعة السجق اللي كانت ليوسف. لو ما اتربتش من دلوقتي، بكرة هتاخد البيت كله.
في اللحظة دي حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
دي عندها سنتين!
وإيه يعني؟ البنت لازم تعرف مقامها. يوسف راجل وهيشيل اسم العيلة. أما بنتك، بكرة هتكبر وتتجوز وتمشي. دي عبء مش أكتر.
أربع سنين وأنا مستحملة كلامها وإهاناتها.
مستحملة إنها تقلل من قيمة بنتي.
مستحملة إنها تفضل يوسف عليها في كل حاجة.
مستحملة إنها تتعامل مع شغلي ونجاحي وكأن الفضل فيه لابنها.
لكن لما شفت