من ساعة ماشوفت ابني بقلم اماني سيد
كان أبرد من أي وقت
قول اللي عندك لأن لو في الحقيقة آخرها هنا أنا هطلعها للنور حتى لو ولعت البيت كله.
وصوت الدكتور رجع تاني، أهدى لكن أخطر
الحقيقة مش في المستشفى
الحقيقة في الشخص اللي قرر مين يعيش ومين يتبدل
وشخص ده لسه عايش معاكم في نفس البيت.
وفجأة
الأنوار قطعت.
والبيت كله دخل في ظلام كامل.
وصوت خطوة واحدة بدأ يطلع على السلم ببطء شديد
خطوة خطوة خطوة
لحد ما وقف قدام باب الشقة.
وخبط خبطتين.
بهدوء شديد.
وقال بصوت معروف للجميع
افتحوا أنا لازم أقول الحقيقة بنفسي.
يتبع البيت كله كان ساكت.
حتى النفس نفسه كأنه وقف.
الخبطتين على الباب كانوا أهدى من إنهم يكونوا خبط كانوا أقرب لتحذير.
صبري واقف قدام الباب، عينه ثابتة، وإيده قربت من الكالون وبعدين وقفت.
أم صبري همست بصوت مكسور
متفتحش
سمر كانت في الركن، حضناه الخوف، ومش قادرة تستوعب مين اللي بيتكلم من ورا الباب كده بثقة.
لكن صبري كان عكسهم تمامًا.
قال بهدوء
لو الحقيقة برّه يبقى لازم تدخل.
وفتح.
الباب اتفتح ببطء.
وظهر راجل في الخمسينات.
لابس بدلة قديمة، ووشه شاحب، وعينه فيها تعب سنين طويلة.
لكن أول ما دخل
عينه وقعت على صبري.
وسكت.
كأن الوقت وقف بينهم.
أم صبري صرخت فجأة
إنت!!
الراجل رفع إيده بسرعة
اهدي أنا جيت أقول كل حاجة.
سمر همست
ده الدكتور سامي؟
لكن الراجل هز رأسه
لا الدكتور سامي مات فعلاً.
بص على صبري مباشرة وقال
أنا مساعده.
الصمت رجع يخنق المكان من تاني.
صبري ضحك ضحكة قصيرة
يعني اللي في التليفون كان مين؟ شبح؟
الراجل رد بجدية
اللي كلمك مش شخص واحد دي شبكة كاملة كانت بتغطي على اللي حصل يوم الحريق.
أم صبري وقعت على الكرسي
شبكة إيه؟ أنا عايزة أفهم!
الراجل خد نفس عميق وقال
يوم الحريق في المستشفى ماكانش حريق عادي.
كان فيه عملية نقل أطفال بشكل متعمد.
سمر همست
ليه؟!
لكن الراجل بص لها وقال جملة تقيلة
عشان طفل واحد بس كان المفروض يموت بس ما ماتش.
كل العيون اتحولت لصبري.
هو الوحيد اللي ما اتحركش.
بس عينه بدأت تضيق.
الراجل كمل
الطفل ده كان ابن عيلة كبيرة جدًا ولو عاش باسمه الحقيقي كان هيكشف جريمة أكبر بكتير من تبديل مواليد.
أم صبري بصتله بصدمة
وإيه علاقته بينا إحنا؟
ساعتها الراجل سكت ثانية.
وبعدين قال أخطر جملة في الليلة كلها
لأن اللي قرر التبديل مش طبيب.
كانت أم.
الصمت انفجر.
سمر وقفت فجأة
أم مين؟!
الراجل بص ببطء وبص على أم صبري تحديدًا.
أم صبري.
الهواء اتسحب من الأوضة.
أم صبري بدأت تهز راسها بعنف
كذب! أنا ماعملتش حاجة!
لكن الراجل طلع ظرف صغير من جيبه.
وحطه على الترابيزة.
وقال بهدوء
ده اعتراف مكتوب بخط إيدها يوم الحريق.
صبري بص لها.
نظرة واحدة.
بس كانت كافية تخلي قلبها يتكسر.
همس
قولي إنه مش حقيقي
أم صبري كانت بتبص للظرف كأنه حيّة.
وبعدين بصت له
وبصوت مكسور قالت
أنا عملت كده عشان أحميك.
سمر صرخت
تحميه من إيه؟!
لكن أم صبري وقعت على الأرض وهي بتبكي
من الحقيقة اللي كانت هتدمّرنا كلنا
صبري رجع خطوة لورا.
وشه اتغير تمامًا.
وبهدوء مرعب قال
يبقى أنا عشت عمر كامل كذبة
رفع عينه ناحية الباب المفتوح
ثم قال
وساعتها بقى لازم أعرف مين أنا الحقيقي.
وفجأة
الراجل قال آخر جملة وهو بيهمس
مش بس كده
في طفل تاني اتبدّل معاك ولسه عايش.
صبري رفع عينه بسرعة
مين؟
الراجل رد
ابن أمك الحقيقي.
وسكت.
وبص ناحية الشارع برا.
وهو واقف دلوقتي قدام البيت.
يتبع البيت كله اتجمد في لحظة واحدة.
صوت الشارع برا بقى أوضح من أي وقت وكأن في حد فعلًا واقف قدام الباب بيستنى.
صبري ببطء مشى ناحية الشباك.
أم صبري بتزحف على الأرض وبتبص ناحيته وهي بتهمس
ما تفتحش ما تفتحش يا صبري
سمر واقفة في النص، مش قادرة تمشي خطوة لقدام ولا ترجع لورا.
الراجل اللي دخل قبل كده رجع خطوة وقال بصوت منخفض
لو فتح الحقيقة كلها هتنهار.
لكن صبري ما سمعش حد.
حط إيده على الباب.
ثانية
اتنين
وبعدين فتح.
الضوء اللي من الشارع دخل فجأة.
ووقف قدامه شاب في نفس عمره تقريبًا.
لكن ملامحه مختلفة.
نظرة عينيه أهدى أعمق وفيها حاجة غريبة مألوفة.
الاتنين بصوا لبعض.
سكوت طويل.
وبعدين الشاب قال بصوت هادي جدًا
أنا اللي كان مفروض أعيش حياتك.
صبري ما ردش.
بس عينه بدأت تلمع.
الشاب كمل
وأنا عمري ما كنت أعرف إن فيه حد خد مكاني لحد ما الدكتور سامي قبل ما يموت سيبلي الملف ده.
مد إيده بظرف قديم.
كنت عايش طول عمري حاسس إني مش مكاني لحد ما عرفت الحقيقة.
أم صبري صرخت من جوه
كفاية!! أنا مش عايزة أسمع!
لكن الشاب دخل خطوة واحدة للداخل وقال بهدوء
أنا مش جاي أخد مكان حد أنا جاي أفهم بس ليه حصل فينا كده؟
سمر بدأت تبكي بصمت.
والراجل اللي جوا البيت قال آخر كلمة
عشان الحقيقة كانت أخطر من إن طفلين يعيشوا حياة طبيعية.
السكوت رجع يملأ المكان.
لكن المرة دي مفيش غضب.
مفيش صراخ.
بس مواجهة أخيرة.
صبري بص للشاب اللي قدامه.
وبعدين قال بصوت هادي جدًا
أنا مش هسيب بيتي
سكت لحظة.
وبعدين كمل
بس كمان مش هسيبك تمشي لوحدك.
الشاب رفع عينه له.
أول مرة يبتسم فيها.
ابتسامة صغيرة فيها وجع وراحة في نفس الوقت.
أم صبري فضلت تبكي وهي بتهمس
أنا عملت كل ده عشان أخاف عليكم مش عشان أضيعكم
لكن محدش رد.
لأن الحقيقة كانت ظهرت.
ومش هتتخبى تاني.
بعد أيام
البيت بقى هادي بشكل غريب.
صبري والشاب التاني بقوا قاعدين مع بعض ساعات طويلة، كل واحد بيحاول يفهم حياته اللي اتسرقت منه والتانية اللي اتفرضت عليه.
سمر اختارت تبعد شوية لأنها فهمت إن القصة أكبر من إنها تكون طرف فيها.
أم صبري بقت قاعدة في أوضتها أغلب الوقت، لأول مرة مش قادرة تتحكم في حاجة.
لكن في يوم
صبري خرج من البيت.
ومعاه الشاب.
ومشوا مع بعض في نفس الشارع اللي بدأ منه كل شيء.
مش عشان يغيروا الماضي
لكن عشان يبتدوا حياة جديدة من الحقيقة مش من الكذب.
وآخر لقطة
الكاميرا بتبعد عن البيت.
وبنسمع صوت صبري وهو بيقول
اللي اتسرق مننا سنين هنرجعه بالهدوء.
والقصة تنتهي أو تبدأ من جديد.