انا عندي 24سنه بقلم روماني مكرم
قبل ما دموع العزا تنشف من على وشي، جوزي طلب مني أكتب له الشقة اللي أبويا سابهالي وأسحب نص مليون جنيه من البنك... ولما رفضت، اكتشفت بالصدفة رسالة خلتني أعرف إن موت أبويا ماكنش أكبر مصيبة حصلتلي.
اسمي ندى، عندي 24 سنة، ومتجوزة من كريم بقالنا سنتين.
طول عمر الناس كانت تقول إن البنت لما تتجوز، جوزها يبقى سندها بعد أبوها.
وأنا صدقت الكلام ده.
يمكن أكتر من اللازم كمان.
أبويا كان كل حياتي.
راجل بسيط، لكن عمره ما خلاني أحتاج حاجة.
ولما تعب فجأة ودخل المستشفى، فضلت قاعدة جنبه لحد آخر نفس.
اليوم اللي مات فيه حسيت إن ضهري اتكسر.
رجعت البيت بعد الدفنة وأنا مش شايفة قدامي.
كل ركن فيه كان بيفكرني بيه.
صوته.
ضحكته.
حتى الكرسي اللي كان بيقعد عليه.
كنت كل ما أبص له أبكي.
كريم وقتها كان واقف جنبي.
أو على الأقل ده اللي كنت فاكراه.
كان بيحضني ويقولي
أنا معاكي يا ندى... متخافيش.
وكنت بصدق.
لحد ما جه يوم فتح الوصية.
المحامي طلبني أنا وأخويا الكبير وأختي الصغيرة.
قعدنا كلنا مستنيين نعرف أبويا ساب إيه.
ولما المحامي بدأ يقرا، اتفاجأت.
أبويا كان كاتب شقة كاملة باسمي.
وكمان حساب بنكي فيه خمسمية ألف جنيه.
بصيت للورق وأنا مش مستوعبة.
مش عشان الفلوس.
لكن عشان أبويا كان بيفكر في مستقبلي حتى بعد موته.
خرجنا من المكتب يومها.
وأول مرة لاحظت حاجة غريبة.
كريم كان مبسوط زيادة عن اللزوم.
مش بس مبسوط.
كان بيفكر.
وبيحسب.
وعينه ما كانتش بتفارق الملفات اللي في إيدي.
في البداية قلت يمكن أنا بتوهم.
لكن بعد أسبوعين بس، دخل عليا الأوضة بالليل وقال
بصي يا ندى... الشقة دي ملهاش لازمة وهي باسمك لوحدك.
استغربت.
قلت
يعني إيه؟
قال
نكتبها باسمي أنا وإنتِ ونبقى ضامنين بعض.
سكت شوية.
بعدها كمل
والفلوس كمان ممكن نستثمرها.
رفضت بهدوء.
وقلت
سيبهم زي ما هم.
وشه اتغير فجأة.
وكأن حد طفى نور كان جواه.
من اليوم ده بدأت المشاكل.
كل
كل يوم تلميحات.
كل يوم كلام عن الثقة.
هو أنا غريب؟
هو أنا حرامي؟
هو إنتِ مش واثقة في جوزك؟
ولما لقى مني رفض، دخلت أمه على الخط.
وبعدين أخوه.
وبعدين حتى ناس من العيلة.
كلهم بيتكلموا في نفس الموضوع.
كأنهم حافظين كلام واحد.
الغريب إنهم ما كانوش مهتمين بيا وأنا في العزا.
لكن بقوا مهتمين جدًا بعد ما عرفوا موضوع الورث.
بدأ الشك يكبر جوايا.
في حاجة غلط.
في حاجة مستخبية.
لكن مش عارفة إيه هي.
لحد ليلة.
ليلة غيرت كل حاجة.
كريم كان واخد شاور.
وموبايله رن.
رسالة واحدة.
لكن الرسالة دي قلبت حياتي.
المرسل كان واحد اسمه هاني.
ولأن الإشعار ظهر على الشاشة، قدرت أقرا أول سطر.
السطر كان بيقول
لازم تلاقي الملف قبل ما ندى تعرف الحقيقة اللي أبوها كان مخبيها.
وقفت مكاني.
قلبي دق بعنف.
أي ملف؟
وأي حقيقة؟
وأبويا مخبي إيه؟
وليه كريم بيدور عليه من ورايا؟
فتحت الرسالة...
ولقيت كلام أخطر بكتير مما كنت أتخيل.
كلام كشف إن الشقة والفلوس ما كانوش أصل الحكاية...
كانوا مجرد بداية.
أما السر الحقيقي...
فكان مدفون من سنين طويلة، وأبويا أخفاه عن الجميع، ولما مات بدأ ناس كتير يدوروا عليه قبل ما يوصل لإيدي.
وفي اللحظة دي بالضبط...
عرفت إن كريم ما كانش بيحارب علشان الشقة.
كان بيدور على حاجة أكبر بكتير.
حاجة ممكن تقلب حياة عيلتنا كلها رأسًا على عقب...!إيدي بدأت ترتعش وأنا ببص للرسالة.
حاولت أفتح المحادثة كاملة، لكن كريم خرج من الحمام فجأة.
رميت الموبايل مكانه بسرعة، وادعيت إني سرحانة قدام التلفزيون.
قعد جنبي وهو بيراقبني بطرف عينه.
أول مرة أحس إنه مش جوزي.
أول مرة أحس إنه شخص غريب ساكن معايا في نفس البيت.
طول الليل ما نمتش.
كلمة واحدة كانت بتلف في دماغي
الملف.
أي ملف؟
وأي حقيقة؟
وليه أبويا يخبي حاجة عني؟
تاني يوم، أول ما كريم نزل الشغل، طلعت على بيت أبويا القديم.
البيت كان مقفول من يوم الوفاة.
فتحت الباب
ريحة المكان ضربت قلبي.
كل حاجة كانت زي ما هي.
نظارته فوق الترابيزة.
ساعته جنب السرير.
والمصحف اللي كان بيقرأ فيه كل يوم بعد الفجر.
قعدت أبكي شوية.
لكن فضولي كان أكبر من دموعي.
بدأت أدور في كل مكان.
فتحت الأدراج.
فتشت الدولاب.
قلبت الملفات القديمة.
مفيش حاجة.
لحد ما افتكرت جملة كان أبويا بيقولها دايمًا
الحاجات المهمة عمرها ما بتتحط في المكان المتوقع.
بصيت حواليا.
وفجأة عيني وقعت على صورة كبيرة معلقة في الصالة.
صورة قديمة لينا كلنا.
أنا وأبويا وأمي الله يرحمها.
الصورة كانت مائلة سنة بسيطة.
قربت منها.
وشلتها.
ولقيت وراها مفتاح صغير متغلف بشريط لاصق.
قلبي دق بعنف.
مفتاح إيه ده؟
فضلت أدور لحد ما لقيت صندوق خشب صغير تحت السرير.
المفتاح فتحه.
وأول ما فتحته...
اتجمدت مكاني.
الصندوق كان مليان أوراق وعقود وصور قديمة.
لكن اللي لفت انتباهي ظرف مكتوب عليه بخط أبويا
يفتح بواسطة ندى فقط.
دموعي نزلت فورًا.
فتحت الظرف.
وكان جواه جواب طويل.
بدأ بكلمات خلت قلبي يقع
لو بتقري الكلام ده يا بنتي، يبقى أنا مش موجود، وفي ناس بدأت تدور على حاجة أنا خبيتها سنين طويلة.
كملت القراءة وأنا مش قادرة أتنفس.
أبويا كتب إنه زمان كان شريك في مشروع كبير جدًا مع ثلاثة رجال أعمال.
المشروع نجح بشكل ضخم.
لكن بعد فترة اكتشف إن أحد الشركاء بيزور أوراق وبيستولى على أموال الناس.
لما واجهه بالحقيقة، الشريك ده هدد الجميع.
وبدأت خلافات كبيرة بينهم.
في النهاية أبويا احتفظ بنسخ من كل المستندات والأدلة.
أدلة كافية تسجن ناس كتير وتكشف فساد كبير.
لكن بدل ما يسلمها، خبّاها.
كان خايف على حياته وعلى حياتي.
آخر سطر في الجواب كان
لو حد بيدور على الملف دلوقتي، يبقى عرف إنه لسه موجود.
فضلت أبص للورق مش مستوعبة.
يعني كريم بيدور على الأدلة دي؟
إزاي عرف أصلاً بوجودها؟
السؤال ده كان أخطر من أي حاجة.
قعدت أراجع باقي
وفجأة لقيت صورة قديمة جدًا.
الصورة فيها أبويا واقف مع ثلاثة رجال.
اتنين منهم عرفتهم من الأخبار.
رجال أعمال مشهورين.
أما الثالث...
فأول ما شفته شهقت.
لأني كنت شوفته قبل كده.
كتير.
كل أسبوع تقريبًا.
كان بيزور بيت حماتي باستمرار.
وكانوا بيقولوا إنه مجرد صديق قديم للعائلة.
في اللحظة دي بدأت الصورة تتجمع.
طلب الشقة.
الإلحاح على الفلوس.
الخناقات.
رسالة هاني.
كل ده ما كانش هدفه الورث.
كان هدفه الوصول للملف.
رجعت البيت وأنا متوترة.
لكن الصدمة الحقيقية كانت مستنياني.
لما فتحت باب الشقة، سمعت صوت كريم بيتكلم في البلكونة.
كان فاكر إني لسه بره.
فوقفت أسمع.
وقال بصوت منخفض
اطمن... هي لسه ما تعرفش مكانه.
سكت ثانية.
ثم أكمل
بس لو وصلتله قبلنا، كلنا هنقع.
اتسمرت مكاني.
كلنا؟
مين كلنا؟
ومين الناس اللي خايف عليهم؟
في اللحظة دي بالذات، الباب خبط.
خبطات قوية متتالية.
أنا وكريم بصينا لبعض.
فتح الباب.
ولقينا راجل غريب واقف.
ملامحه متوترة.
وبمجرد ما شافني قال
إنتِ ندى؟
قلت بحذر
أيوة.
ناولني ظرفًا بني اللون.
وقال
أبوك طلب مني أسلمهولك لو حصله أي حاجة.
ثم استدار ومشى بسرعة قبل ما نسأله أي سؤال.
قفلت الباب.
وبصيت للظرف.
لكن اللي صدمني إن كريم اتغير لونه بالكامل أول ما شافه.
كأنه يعرف بالضبط إيه اللي جواه.
وكأنه كان بيدور عليه من زمان...
وأدركت وقتها إن السر اللي سابه أبويا ما كانش انتهى بعد.
بل كان لسه في بدايته فتح كريم عينه على الظرف كأنه شايف كنز ضايع رجع له بعد سنين.
أما أنا فكنت واقفة ماسكة الظرف بإيدي، وحاسة إن كل الأسرار اللي حواليا اتجمعت جواه.
مد كريم إيده بسرعة وقال
هاتيه أشوف إيه ده.
لكن للمرة الأولى من ساعة ما اتجوزنا، رجعت خطوة لورا.
وقلت بهدوء
ليه؟ ده متسلم ليا أنا.
اتوتر.
توتر بشكل غريب.
وقال وهو بيحاول يبتسم
يا ندى إحنا واحد... في إيه يعني؟
لكن الابتسامة كانت مكسورة.
والخوف
خدت الظرف ودخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح.
ولأول مرة سمعت كريم يخبط على الباب بعصبية.
افتحي يا ندى.
افتحي بقولك.
لكنني تجاهلته.
فتحت الظرف.
وكان جواه فلاشة صغيرة جدًا.
وورقة مطوية.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب بخط