بكرا فرح اختي

لمحة نيوز

وعينه لمعت بالدموع لأول مرة قدام الناس، وقال بصوت متحشرج
إنتوا جيتوا؟
سكتت الساحة كلها.
ورد عمي الكبير بهدوء
جينا عشان بنتنا... مش عشانك.
نزل أبويا رأسه للأرض.
وأنا لأول مرة أشوف الراجل اللي طول عمره قوي ومكسوروش الأيام، واقف بالشكل ده.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت لما عمي الكبير لف ناحية أهل العريس وقال بصوت جهوري
الليلة دي بنت أخونا... وبنتنا كلنا. واللي هيشرفها يشرفنا، واللي يزعلها يزعل واحد وعشرين راجل واقفين وراها.
دوى التصفيق في الساحة.
وأهل العريس بصوا لبعض باستغراب وإعجاب.
لكن فجأة...
خرج شيخ كبير جدًا من آخر الدوار.
كان راجل عجوز عدى التمانين سنة.
أول ما شافه أعمامي، سكتوا كلهم.
وأبويا وشه اصفر.
همس واحد من الكبار
يا ساتر... الحج عبدالجواد!
الراجل قرب بخطوات بطيئة، واتكأ على عصاه، وقال
بعد عشرين سنة... لسه محدش قال الحقيقة؟
الناس كلها اتلفتت.
وأنا حسيت إن السر اللي مزق العيلة طول السنين خلاص هيطلع.
رفع الشيخ عينه ناحية أبويا وقال
قولهم يا محمود... قولهم مين اللي ظلمك ومين اللي ظلمهم.
ارتجف صوت أبويا وهو يقول
خلاص يا حاج... اللي فات مات.
لكن الشيخ ضرب الأرض بعصاه.
لا... اللي فات هو سبب الليلة دي كلها.
وساعتها فتح جيبه وأخرج ظرفًا قديمًا أصفر اللون.
الظرف كان متقفل من أكتر من عشرين سنة.
وقال
الرسالة دي أبوكم كتبها قبل ما يموت بيوم واحد.
شهقت العيلة كلها.
لأن جدنا مات فجأة، وماحدش عرف وقتها إنه ساب رسالة أصلًا.
فتح الشيخ الظرف ببطء.
والكل واقف كأنه تمثال.
وبدأ يقرأ
لو وصل الجواب ده لأولادي... أعرفوا إن محمود بريء.
في اللحظة دي اتجمد أعمامي مكانهم.
أما أبويا فانهارت دموعه.
وكمل الشيخ القراءة
الأرض اللي اتخانقتوا عليها ما باعهاش محمود... وأنا اللي بعتها بنفسي وسكت خوفًا من كلام الناس. ولما مرضت ما لحقتش أقول الحقيقة.
ارتفعت همهمات الصدمة.
أربعين فدان كانوا سبب القطيعة.
وعشرين سنة من الخصام.
وفي الآخر طلع أبويا ما عملش حاجة.
كمل الشيخ
ولو كنت مت قبل ما أقول الحقيقة... سامحوا أخوكم. لأنه اتظلم عشاني.
انتهت الرسالة.
وساد صمت ثقيل.
ثوانٍ طويلة مرت كأنها ساعات.
ثم حدث شيء لم يتوقعه أحد.
عمي الكبير رمى عصاه على الأرض.
ومشى ناحية أبويا.
وأبويا ثبت مكانه.
وفجأة...
فتح عمي ذراعيه واحتضنه بقوة.
احتضان هز الساحة كلها.
وبدأ يبكي وهو يقول
سامحنا يا أخويا... ضيعنا عمر كامل.
وانهار أعمامي واحدًا وراء الآخر.
وتحولت ليلة الحنة إلى ليلة صلح تاريخية.
الرجالة الكبار يبكوا.
والشباب اللي عمرهم ما شافوا آباءهم متصالحين يقفوا مذهولين.
وأهل العريس كانوا يتفرجوا على مشهد نادر عمرهم ما ينسوه.
وفي نهاية الليلة...
وقف أبويا وسط أخواته السبعة.
وأولادهم الأربعة عشر واقفين وراهم صف واحد.
والعروس خرجت تبص عليهم من الشباك.
فلما شافت العيلة كلها متجمعة لأول مرة من سنين، نزلت دموع الفرح من عينيها.
وقال عمي الكبير
الفرح الحقيقي النهارده مش الجواز... الفرح الحقيقي إن العيلة رجعت عيلة.
وانطلقت الزغاريد من جديد.
ورجع المزمار يدوي في الدوار.
لكن المرة دي...
ماكانش احتفال بعروس فقط.
كان احتفال برجوع إخوة فرقهم السر عشرين سنة... وجمعتهم بنت صغيرة في ليلة حنة ماحدش هينساها طول العمر. لكن اللي الناس كلها افتكرته نهاية الحكاية...
كان في الحقيقة بداية سر أكبر بكتير.
بعد ما خلصت الزغاريد، واتعانق أبويا وأعمامي، والفرحة رجعت للدوار، لاحظت حاجة غريبة.
الحج عبدالجواد كان واقف بعيد لوحده.
وشه ماكانش فيه فرحة الناس.
كان باصص لأبويا بنظرة فيها حيرة وخوف.
قربت منه وقلت
مالك يا حاج؟ الحمد لله الحق ظهر.
هز راسه ببطء وقال
الحق ظهر... لكن مش كله.
اتجمدت مكاني.
وقبل ما أسأله، لقيت أبويا جاي ناحيتنا بسرعة.
أول ما شاف الحج عبدالجواد بيتكلم معايا، وشه اتغير.
وقال بعصبية
يلا يا ولدي... الضيوف مستنيين.
لكن الشيخ رد عليه
هربت من الحقيقة عشرين سنة... هتهرب منها لحد إمتى؟
سكت أبويا.
وأول مرة أشوف الخوف في عينه.
الخوف الحقيقي.
في اللحظة دي بدأت أحس إن الأرض نفسها بتتحرك تحت رجلي.
لأن السر اللي فرق العيلة طلع كذبة...
يبقى إيه الحاجة اللي لسه مستخبية؟
مرت الليلة كلها وأنا مراقب أبويا.
كل ما حد يضحك أو يبارك له، كان يبتسم.
لكن أول ما يفتكر كلام الشيخ، يسرح بعينه بعيد.
وكأنه شايل جبل فوق صدره.
وفي آخر الليل...
بعد ما معظم الناس مشيت.
طلب أبويا من أعمامي يدخلوا المندرة القديمة.
نفس المندرة اللي ما اجتمعوش فيها من أكتر من عشرين سنة.
دخلوا الثمانية.
وأغلقوا الباب.
ومنعوا أي حد يدخل.
حتى أنا.
ساعة...
واتنين...
وثلاث ساعات كاملة.
والباب مقفول.
وأصواتهم طالعة وواطية.
مرة حد يزعق.
ومرة حد يبكي.
ومرة صمت مخيف.
لحد ما قبل الفجر بشوية...
فتح الباب.
خرج أعمامي.
لكن ملامحهم كانت مختلفة.
مفيش غضب.
ولا فرحة.
فيه صدمة.
صدمة كبيرة.
عمي الكبير خرج أول واحد.
ولما شافني، حط إيده على كتفي وقال
خليك جنب أبوك الأيام الجاية.
قلت بقلق
ليه؟
رد بصوت مكسور
عشان الراجل شال حمل عمره كله لوحده.
ومشى.
أما أبويا...
فخرج آخر واحد.
وفي إيده صندوق خشب صغير قديم.
صندوق متآكل من الزمن.
أنا عمري ما شفته قبل كده.
حضنه لصدره كأنه أغلى حاجة في الدنيا.
وقبل ما يدخل البيت، بص للصندوق وقال
سامحني يا أمانة أبويا... خلاص جه وقتها.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت عربية تقف قدام الدوار.
نزل منها رجل غريب.
شعره أبيض.
ولابس بدلة سوداء.
وسأل بصوت مرتفع
مين فيكم محمود عبدالرحمن؟
رد أبويا
أنا.
أخرج الرجل ملفًا سميكًا.
وقال
أنا جاي أنفذ وصية اتأجل تنفيذها واحد وعشرين سنة كاملة.
وساعتها...
وقع الصندوق الخشبي من يد أبويا على الأرض.
وانفتح.
وتناثرت منه أوراق صفراء قديمة...
وصورة طفل صغير لا يعرفه أحد.
فشهقت أعمامي جميعًا في وقت واحد.
وقال عمي الكبير
معقول... لسه محتفظ بالصورة دي؟!
أما أنا...
فوقفت مكاني لا أفهم شيئًا.
من هو الطفل الموجود في الصورة؟
وما هي الوصية التي انتظرت واحدًا وعشرين سنة؟
ولماذا تغيرت وجوه أعمامي بمجرد رؤيتها؟
يتبع...تجمدت الساحة كلها.
الكل بقى يبص للصورة اللي وقعت من الصندوق.
طفل عنده يمكن خمس أو ست سنين.
واقف جنب جدّي الله يرحمه.
وصورة تانية لست
تم نسخ الرابط