ليلة فرحي
المحتويات
ضغط على قطعة حديد صغيرة مخفية.
فجأة جزء من الحائط اتحرك ببطء.
ممر ضيق ظهر وراه.
مارا بصت له بذهول.
إيه المكان ده؟
طريق هروب قديم.
ومن بعيد سمعوا صوت صراخ
فتشوا كل ركن!
دخلها آدم الممر وأغلق الباب السري خلفهم.
الظلام كان خانق.
وكل اللي سامعينه أنفاسهم وصوت الأقدام فوقهم.
بعد دقائق طويلة من المشي، خرجوا من فتحة خلف مبنى مهجور يبعد مئات الأمتار عن المخزن.
مارا كانت منهكة.
لكنها سألت السؤال اللي محيرها
إزاي عرفت إنهم هييجوا؟
آدم سكت لحظة.
ثم قال
لأن فيه حد قريب من إيفلين جوه التحقيقات.
مارا تجمدت.
تقصد الشرطة؟
مش كلها... شخص واحد.
قبل ما تكمل أسئلتها، طلع هاتفه.
فتح رسالة قديمة.
وأراها صورة رجل واقف جنب إيفلين في حفل خيري.
مارا عرفت الرجل فوراً.
كان المحقق نفسه...
نفس المحقق اللي كان بيتولى قضية الحادث.
اتسعت عيناها.
مستحيل.
آدم رد بمرارة
دانيال اكتشف ده قبل موته بأسبوع.
مارا افتكرت لحظتها حاجة مهمة.
الفلاشة.
كان فيها ملفات لسه ما فتحتهاش.
فتحت اللاب المحمول الصغير اللي كان داخل الحقيبة.
بدأت تراجع المحتويات.
ملف.
ملفين.
ثلاثة.
ثم ملف باسم
لا تفتحيه إلا لو فقدتِ الثقة في الجميع.
نظرت لآدم.
ثم ضغطت عليه.
ظهر فيديو جديد لدانيال.
لكن شكله كان مختلف.
مرهق.
وخايف.
قال مباشرة
مارا... لو وصلتي للفيديو ده، يبقى فيه احتمال كبير إن آدم معاك.
مارا رفعت رأسها بسرعة نحو آدم.
لكن دانيال أكمل
ولو آدم معاك، متاخديش أي قرار قبل ما تسمعي التسجيل للآخر.
قلبها بدأ يدق بعنف.
آدم نفسه بدا متوتراً لأول مرة.
في الفيديو أكمل دانيال
آدم أخويا... وضحى بحاجات كتير عشاني.
مارا تنفست الصعداء.
لكن دانيال لم يكمل الجملة كما توقعت.
بل قال
بس فيه سر واحد عمره ما حكاهولك.
الصمت خيم على المكان.
حتى آدم شحب وجهه.
دانيال نظر للكاميرا وقال
الليلة اللي اختفى فيها آدم من 15 سنة... هو ما هربش من العيلة.
مارا حبست أنفاسها.
العيلة هي اللي كانت هتسلمه للشرطة...
ثم ظهرت صورة قديمة على الشاشة.
صورة لآدم شاباً.
واقف جنب رجل مجهول.
وفي يد الاثنين حقيبة سوداء مطابقة تماماً للحقيبة اللي مع آدم الآن.
وأكمل دانيال
لأن آدم وقتها كان بيخبي حاجة أخطر من كل جرائم إيفلين.
مارا التفتت ببطء نحو آدم.
ملامحه كانت جامدة.
وعينيه ثابتتين على الشاشة.
ثم انقطع الفيديو فجأة قبل أن يكمل الحقيقة.
وفي نفس اللحظة وصل إشعار جديد إلى اللاب.
ملف تم إرساله من مصدر مجهول.
عنوانه
الجزء المفقود من اعتراف دانيال.
يتبع...مارا حست إن رجليها خانتها.
بصت للرجل الموقف في آخر المخزن، وعينيها اتسعت من الصدمة.
دانيال؟
الرجل فضل ساكت ثواني.
ثم خرج من الظل خطوة واحدة.
النور الضعيف وقع على وشه.
مارا شهقت.
لأ...
مش دانيال.
لكن الشبه بينهم كان مرعب.
نفس العينين.
نفس الفك.
نفس طريقة الوقوف.
قال بهدوء
أنا مش دانيال.
مارا سندت نفسها على المكتب.
إنت مين؟
الرجل طلع بطاقة قديمة من جيبه ورماها قدامها.
التقطتها بسرعة.
الاسم المكتوب عليها كان
آدم فوس.
رفعت عينيها بذهول.
فوس؟
هز رأسه.
أخو دانيال.
مارا رجعت خطوة للخلف.
مستحيل... دانيال كان عنده أخ واحد بس.
ضحك آدم بسخرية مريرة.
ده اللي قالوه للناس.
ثم أشار إلى الصور المعلقة.
العيلة دي متخصصة في دفن الحقيقة.
مارا بدأت تجمع القطع ببعضها.
إيفلين؟
ابتسم دون فرح.
إيفلين أمي.
سكت لحظة.
وأول ضحية ليها كنت أنا.
جلس على الكرسي وأخرج ملفاً سميكاً من أحد الأدراج.
الملف كان مليئاً بعقود وتحويلات مالية وصور ومستندات.
قال
من خمسة عشر سنة اكتشفت شبكة شركات وهمية كانت بتتسرق من خلالها ملايين الدولارات.
مارا فتحت الملف بسرعة.
كل ورقة كانت تحمل توقيعات وأختام رسمية.
مين كان ورا ده؟
آدم رد
ناس كتير... لكن الرأس الحقيقي كانت إيفلين.
الصمت سيطر على المكان.
ثم أكمل
لما عرفت، حاولت أبلغ السلطات.
وبعدين؟
نظر إليها مباشرة.
في اليوم التالي أعلنوا إني مت.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
يعني إنت عايش ومستخبي طول السنين دي؟
غصب عني.
ثم أشار إلى الكمبيوتر القديم.
دانيال عرف الحقيقة بعدي بسنين.
مارا اقتربت.
آدم ضغط زر التشغيل.
ظهرت عشرات الملفات.
وتسجيلات.
وصور.
ووثائق.
قال
أخوكي... أقصد جوزك... كان بيجمع الأدلة من سنة كاملة.
دموع مارا تجمعت في عينيها.
وكان ناوي يعمل إيه؟
آدم بلع ريقه.
يسلم كل حاجة للنيابة الفيدرالية الصبح اللي بعد فرحكم.
مارا أغمضت عينيها.
فهمت الآن.
الحادث لم يكن صدفة.
لكن قبل أن تتكلم...
رن هاتف آدم فجأة.
نظر للشاشة.
واختفت الألوان من وجهه.
مارا انتبهت فوراً.
في إيه؟
رفع الهاتف ببطء.
كانت رسالة قصيرة.
جملة واحدة فقط
لقينا المخزن.
وفي نفس اللحظة...
سمع الاثنان صوت محرك سيارات يتوقف خارج المبنى.
ثم صوت باب حديدي ضخم يُغلق.
تلاه صوت خطوات كثيرة.
ومن خلال النافذة الصغيرة العالية، ظهرت أضواء كشافات تتحرك في الخارج.
آدم أغلق الكمبيوتر بسرعة.
وجمع الملفات في حقيبة سوداء.
ثم نظر لمارا لأول مرة بجدية كاملة وقال
اسمعيني كويس... اللي جاي دلوقتي أخطر من أي حاجة حصلت قبل كده.
مين بره؟
رد بصوت منخفض
مش جايين يهددوكي...
ثم فتح درج المكتب وأخرج مفتاحاً معدنياً قديماً.
...جايين يمسحوا كل أثر للحقيقة.
وفي اللحظة نفسها دوّى أول ارتطام عنيف على باب المخزن الحديدي...
حتى اهتزت الجدران كلها.
يتبع...مارا حسّت إن قلبها بيدق في ودانها.
إيديها كانت بترتعش وهي بتقرب المؤشر من الملف الجديد.
آدم مد إيده بسرعة.
استني.
رفعت عينيها له.
ليه؟
لأننا منعرفش مين بعت الملف.
مارا ردت بعصبية
ومش عارفين برضه إيه اللي مخبيه عني.
سكت آدم.
وده كان أول مرة ميلاقيش رد جاهز.
ضغطت مارا على الملف.
ثواني تحميل مرت ببطء قاتل.
ثم اشتغل الفيديو.
ظهر دانيال مرة تانية.
لكن الصورة كانت مشوشة، كأن التسجيل اتقص واتركب أكتر من مرة.
دانيال قال
لو بتشوفي الجزء ده، يبقى حد وصل قبلي للحقيقة.
ثم سمعوا صوت خبط على باب في الخلفية داخل الفيديو.
دانيال بص وراه بسرعة.
واضح إنه كان متوتر.
رجع للكاميرا وقال
اسمعيني كويس... آدم مش عدوك.
مارا التفتت لآدم.
لكنه ظل ساكت.
دانيال أكمل
لكن آدم كمان مش بريء بالكامل.
الغرفة كلها سكتت.
من خمسة عشر سنة، آدم أخد حاجة كانت سبب في بداية كل اللي حصل.
ظهرت صورة ممسوحة ضوئياً لوثيقة قديمة.
ثم صورة لخريطة.
ثم أرقام حسابات وتحويلات مالية.
دانيال قال
الحاجة دي مش فلوس... ومش مستندات.
مارا همست
أمال إيه؟
كأن دانيال سمعها عبر الزمن.
قال
مفتاح.
مارا شهقت ونظرت فوراً للمفتاح المعدني اللي كان في جيبها.
دانيال أكمل
مفتاح يفتح مكان محدش يعرفه غير ثلاثة أشخاص.
الصورة تشوشت فجأة.
وبعدين ظهر مشهد قصير جداً.
رجل كبير في السن جالس خلف مكتب.
وجهه غير واضح.
لكن صوته كان مسموعاً.
قال
اللي يملك الخزنة... يملك الحقيقة كلها.
ثم عاد الفيديو إلى دانيال.
إيفلين فضلت تدور على المفتاح ده سنين.
مارا قبضت على المفتاح في يدها بقوة.
أما آدم فكان يراقبها بصمت.
ولو المفتاح وصل ليكي...
توقف دانيال لحظة.
...يبقى إيفلين هتعمل أي حاجة عشان ترجعه.
انقطع الفيديو مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم ينتهِ.
ظهرت شاشة سوداء.
ثم كلمات بيضاء
إحداثيات موقع.
وتحتها عنوان واحد.
مكان بعيد خارج المدينة.
وفي أسفل الشاشة جملة أخيرة
الخزنة رقم 27.
مارا رفعت رأسها نحو آدم.
إيه الخزنة دي؟
لأول مرة بدا عليه التردد الحقيقي.
مكان كنت أتمنى عمرِك ما تعرفيه.
يعني إنت عارفه؟
أغلق عينيه لثانية.
ثم قال
أنا كنت هناك مرة واحدة.
وفيه إيه جوه؟
قبل أن يجيب...
سمعوا صوت محرك سيارة قريب جداً.
ثم سيارة ثانية.
ثم ثالثة.
آدم اقترب من النافذة المكسورة ونظر للخارج.
وجهه شحب.
مارا سألت بقلق
مين؟
رد بصوت منخفض
إيفلين.
تجمدت مارا.
إنت متأكد؟
أشار إلى سيارة سوداء طويلة توقفت أمام المبنى.
ثم نزلت منها امرأة بفستان أسود وقفازات جلدية.
حتى من بعيد كانت تعرف مشيتها.
إيفلين.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن وجودها.
بل الشخص الذي نزل من السيارة خلفها.
شخص كان من المفترض أنه تحت حماية الشرطة منذ أيام.
السائق أوين راسك.
كان حراً... ويمشي بجانبها كأنه يعمل لديها منذ سنوات.
وإيفلين رفعت رأسها نحو المبنى مباشرة...
كأنها تعرف بالضبط أين يختبئون.
يتبع...مارا ابتعدت بسرعة عن النافذة، وقلبها يكاد يخرج من صدرها.
إزاي عرفوا مكاننا؟
آدم لم يجب فورًا.
كان يراقب السيارات السوداء التي بدأت تحاصر المبنى من كل الجهات.
ثم قال بصوت ثقيل
لأن حد سرب مكان المخزن... وحد سرب مكاننا بعد ما خرجنا منه.
مارا شعرت ببرودة تسري في جسدها.
نظرت حولها.
لم يكن
متابعة القراءة