جوزي الغني

لمحة نيوز

الورقة...
كان نفس توقيع الرجل اللي اتصل من دقائق.
لكن تاريخ الورقة كان من قبل تأسيس الشركة بسنتين كاملتين.
يعني الراجل ده كان مرتبط بالقصة من قبل ما الشركة نفسها تتولد.
وقبل ما نستوعب أي حاجة...
وصلت رسالة على هاتفي.
رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها عنوان فقط.
ولا كلمة زيادة.
ولا تفسير.
عنوان لمخزن قديم في أطراف المدينة.
وتحت العنوان جملة قصيرة
لو عايزين تعرفوا الحقيقة كاملة... تعالوا الليلة قبل الساعة 11.
بصيت لكريم.
وهو بصلي.
عارفين إننا المفروض نمشي.
وعارفين إننا ممكن نكون رايحين لمشكلة أكبر.
لكن كان فيه سؤال واحد مخلينا مش قادرين نتراجع.
إيه الحقيقة اللي لسه مستخبية كل السنين دي؟
يتبع...الساعة كانت قربت على عشرة بالليل.
المدينة هادية بشكل غريب.
وأنا وكريم ساكتين طول الطريق.
كل واحد فينا غرقان في أفكاره.
العنوان كان لمخزن قديم في منطقة صناعية مهجورة.
ولما وصلنا...
لقينا باب حديد ضخم نص مفتوح.
مافيش حراسة.
مافيش عربيات.
مافيش أي صوت.
كريم بص حواليه وقال
حاسس إن الموضوع مش طبيعي.
قلت
وأي حاجة حصلت من أول اليوم كانت طبيعية؟
دخلنا بحذر.
المخزن كان واسع جدًا.
والأنوار شغالة في جزء صغير بس من آخر المكان.
مشينا ناحيته.
وفجأة سمعنا صوت
كنتوا هتتأخروا أكتر من كده؟
لفينا بسرعة.
وكان واقف قدامنا رجل في أواخر الخمسينات.
نفس الشخص اللي في الصور.
نفس الشخص اللي اتصل بكريم.
ملامحه كانت هادية بشكل مستفز.
قال وهو بيقرب
أخيرًا بقيتوا هنا.
كريم شد أعصابه وقال
عايز إيه؟
ابتسم الرجل.
مش عايز حاجة.
أمال باعتلنا ليه؟
أشار ناحية طاولة كبيرة في منتصف المخزن.
وكان فوقها عشرات الملفات.
وصندوق خشبي قديم.
قال
عشان تشوفوا الحقيقة بنفسكم.
قربنا بحذر.
الرجل فتح الصندوق.
وأخرج منه دفاتر قديمة.
مستندات.
خطابات مكتوبة بخط اليد.
وصور عمرها سنين طويلة.
قال
القصة كلها بدأت قبل أكتر من خمسة وعشرين سنة.
كريم عقد حاجبيه.
إيه علاقة ده بالشركة؟
رد الرجل
كل العلاقة.
وبدأ يحكي.
من سنين طويلة كان والد كريم ووالد عمرو أصدقاء وشركاء.
وكان عندهم مشروع صغير جدًا.
لكن المشروع تعرض لأزمة كبيرة.
وخسائر متتالية.
وفي لحظة معينة اضطروا يبيعوا كل حاجة تقريبًا.
من يومها اتفرقت الطرق.
كل واحد راح في اتجاه.
لكن كان فيه اتفاق بينهم.
اتفاق مكتوب وموقع.
اتفاق محدش شافه من بعد اليوم ده.
فتح الرجل أحد الملفات.
وأخرج ورقة صفراء قديمة.
لما شافها كريم اتجمد مكانه.
لأن التوقيع الموجود فيها كان توقيع والده فعلًا.
قلت
إيه المكتوب فيها؟
الرجل رد
إن أي مشروع جديد يتأسس اعتمادًا على أصول المشروع القديم... يكون من حق العائلتين المشاركة فيه.
سكتنا كلنا.
ثم كمل
لكن الورقة دي اختفت.
إزاي؟
ماحدش يعرف.
بصيت ناحية كريم.
كان مركز في الورقة كأنه أول مرة يشوفها.
الرجل أكمل
ولما اتأسست الشركة الحالية بعد سنين... محدش افتكر الاتفاق.
أو على الأقل...
ده اللي كان الكل فاكره.
لكن قبل ما يكمل كلامه...
سمعنا صوت سيارة تقف فجأة خارج المخزن.
ثم صوت باب يُغلق بعنف.
وبعدها خطوات سريعة.
الرجل رفع رأسه ناحية الباب.
وأول مرة ظهر القلق على وشه.
قال بصوت منخفض
وصلوا أسرع مما توقعت.
كريم قال بحدة
مين؟
لكن الرجل ما ردش.
اكتفى إنه جمع بعض الأوراق بسرعة.
ثم ناولني ملفًا رفيعًا.
وقال
خدي ده.
مسكته باستغراب.
ليه أنا؟
نظر لي مباشرة وقال
لأنك الوحيدة اللي ما عندهاش مصلحة في أي طرف.
وفي اللحظة دي...
انفتح باب المخزن بقوة.
ودخل ثلاثة رجال.
أول شخص فيهم كان مألوف بشكل غريب.
فضلت أبص له ثواني...
لحد ما عرفته.
وساعتها حسيت أنفاسي وقفت.
لأن الشخص اللي دخل...
كان المفروض يكون مسافر خارج البلد من شهور.
ومستحيل يكون هنا الليلة.
لكن الأخطر من وجوده...
هو الجملة اللي قالها أول ما وقعت عينه على الملف اللي في إيدي
واضح إنكم وصلتوا للورقة الأخيرة.
يتبع...ساد الصمت في المخزن كله.
وأنا ما زلت ماسكة الملف بإيدي.
الراجل الغريب وقف عند الباب، وعينه مثبتة على الملف كأنه أغلى شيء في المكان.
كريم قرب خطوة وقال
إنت هنا إزاي؟
الرجل ابتسم ابتسامة خفيفة.
السؤال الأهم... إنتوا عرفتوا إيه لحد دلوقتي؟
والرجل الكبير صاحب المخزن رد بسرعة
ما يكفي إن الحقيقة بدأت تظهر.
تنهد القادم الجديد وقال
للأسف... لسه الحقيقة ناقصة.
أنا كنت حاسة إن كل دقيقة بتعدي بتفتح باب جديد للغموض.
قلت بعصبية
حد يفهمني! إيه اللي بيحصل أصلًا؟
نظر الرجل ناحيتي وقال
الملف اللي معاكي... افتحيه.
بصيت للملف.
ثم فتحته ببطء.
كان فيه ظرف مغلق.
عليه تاريخ قديم جدًا.
وتوقيعين.
واسمين.
أحدهما والد كريم.
والثاني والد عمرو.
اتسعت عينا كريم.
ده مستحيل...
قال الرجل
افتح الظرف.
فتحت الظرف بحذر.
وأخرجت منه عدة أوراق.
أول ورقة كانت عبارة عن رسالة قصيرة.
مكتوبة بخط اليد.
بدأت أقرأ بصوت مسموع
إذا وصلت هذه الرسالة إلى أبنائنا يومًا ما، فمعنى ذلك أن شيئًا ما حدث للاتفاق الذي عقدناه...
سكت الجميع.
وأكملت القراءة.
الرسالة كانت توضح أن المشروع القديم لم يكن مجرد تجارة عادية.
بل كان نتيجة سنوات من التعب والعمل المشترك بين العائلتين.
وكان الاتفاق واضحًا
إذا عاد المشروع للحياة بأي صورة مستقبلًا، يكون النجاح ملكًا للجميع، لا لشخص واحد.
كريم جلس على أقرب كرسي.
وكأنه فقد القدرة على الوقوف.
أما الرجل القادم حديثًا فقال
دي أول مرة الرسالة دي تخرج للنور من عشرات السنين.
قلت
لكن ده كله يثبت إن فيه حق ضاع... مش أكتر.
هز رأسه.
صحيح.
ثم أشار إلى آخر ورقة في الملف.
اقرئي دي كمان.
سحبت الورقة الأخيرة.
ولاحظت أنها مختلفة.
مختومة بختم رسمي قديم.
ومرفق معها كشف حساب.
كل الموجودين كانوا منتظرين.
فتحتها.
وبدأت أقرأ.
ومع كل سطر كانت دهشتي تزيد.
لأن الورقة كانت تثبت أن جزءًا كبيرًا من الأموال التي بدأت بها الشركة الحالية لم يأتِ من استثمارات جديدة كما كان الجميع يعتقد.
بل من أصول المشروع القديم نفسه.
أصول كانت محفوظة باسم جهة وسيطة طوال تلك السنوات.
كريم رفع رأسه ببطء.
وقال
يعني الشركة اتبنت على شراكة أصلًا؟
الرجل أجاب
بالضبط.
سكت كريم طويلًا.
ثم قال
وأبويا كان يعرف؟
نظر الجميع إلى بعضهم.
لكن لم يجب أحد.
لأن الحقيقة هي أن لا أحد كان يملك إجابة مؤكدة.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
رن هاتف الرجل الكبير.
نظر للشاشة.
وتغيرت ملامحه بالكامل.
رد بسرعة.
استمع لعدة ثوانٍ فقط.
ثم أغلق المكالمة.
قلت
في إيه؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
وقال
والد كريم اختفى.
اتجمد كريم مكانه.
إيه؟
خرج من البيت من ساعتين... ومارجعش.
أكيد في مكان ما.
هز الرجل رأسه.
لا.
ثم أضاف ببطء
قبل ما يختفي بدقائق... بعت رسالة واحدة.
لمين؟
للمحامي.
شعرت بأن قلبي يدق بقوة.
وسأل كريم
مكتوب فيها إيه؟
فتح الرجل هاتفه.
وقرأ الرسالة بصوت مرتجف
لو ما رجعتش الليلة... دوروا في المكان اللي بدأت فيه الحكاية كلها.
نظرنا لبعضنا في صدمة.
لأن المشكلة كانت أن أحدًا في الغرفة...
لم يكن يعرف يقينًا أين بدأت الحكاية أصلًا.
يتبع...بمجرد ما خلص الرجل قراءة الرسالة، ساد صمت ثقيل.
كل واحد فينا بيحاول يفتكر أي تفصيلة ممكن تساعد.
كريم كان أول واحد اتكلم.
المكان اللي بدأت فيه الحكاية...
وسكت فجأة.
بصيناله كلنا.
قلت
افتكرت حاجة؟
هز رأسه ببطء.
أبويا كان دايمًا يتكلم عن ورشة قديمة.
ورشة؟
أيوه... أول مكان اشتغل فيه هو ووالد عمرو.
الرجل الكبير ضرب كفه بكفه.
صح!
ثم قال بسرعة
الورشة دي كانت في المنطقة القديمة جنب محطة القطار.
خرجنا فورًا.
والساعة كانت قربت من منتصف الليل.
الطريق كان شبه فاضي.
وكل دقيقة كانت بتزود التوتر.
لحد ما وصلنا.
المكان كان مهجور.
مبنى صغير متهالك.
بابه الخشبي القديم بالكاد واقف.
نزل كريم من العربية وجري ناحيته.
فتح الباب.
ودخلنا وراه.
طبقة تراب سميكة كانت مغطية كل شيء.
كأن حد ما دخلهوش من سنين طويلة.
لكن الغريب...
إن فيه آثار أقدام حديثة على الأرض.
شخص كان هنا فعلًا.
من وقت قريب جدًا.
تبعنا الآثار.
لحد ما وصلنا لأوضة صغيرة في آخر الورشة.
وكان فيها مكتب قديم.
وكرسي مكسور.
وخزانة حديد صدئة.
كريم فتح الخزانة بسرعة.
فاضية.
إلا من ظرف واحد.
عليه اسم واحد فقط
كريم.
مد إيده وأخده.
وأنا كنت حاسة إن أنفاسي محبوسة.
فتح الظرف.
وبدأ يقرأ.
كلنا كنا مستنيين.
لكن مع كل سطر كان لون وشه بيتغير.
لحد ما وصل لنهاية الرسالة.
ونزل الورقة من إيده.
قلت بقلق
مكتوب إيه؟
رفع رأسه ناحيتي.
وعينيه كانوا مليانين صدمة.
وقال
أبويا كتب إنه اكتشف الحقيقة كاملة من شهور.
سكت.
ثم أكمل
وإنه كان ناوي يصلح كل حاجة بنفسه.
الرجل الكبير اقترب منه.
وبعدين؟
ناول له الورقة.
قرأها بسرعة.
وفجأة اتجمد مكانه هو كمان.
قلت بعصبية
حد يفهمني!
نظر الرجل ناحيتي
تم نسخ الرابط