امي جتلي زيارة بقلم زهرة الربيع
المحتويات
إيه.
أخدت نفس طويل، ومشيت ناحية الباب.
فتحت، ولقيت أمي واقفة بابتسامتها الطيبة المعتادة، وشها محمر من تعب السفر، وفي إيديها أكياس كتير.
أول ما شافتني قالت بفرحة
يا ضنايا... وحشتيني.
ورمت نفسها في حضني.
ساعتها حسيت بدموعي بتتحرق جوا عيني.
لكن قبل ما أتكلم، طارق ظهر ورايا فجأة.
بص للأكياس وقال ببرود
الحاجات دي تفضل برا.
أمي سكتت.
وبصتلي.
وأول مرة في حياتي أشوف في عينيها كسرة بالشكل ده.
حاولت تضحك وقالت
عادي يا ابني... دي شوية حاجات من خير البلد.
لكن طارق رد بسرعة
وأنا مش محتاجها.
الصمت نزل على المكان كله.
حتى صوت المصعد اللي كان طالع وقف.
وأمي بهدوء بدأت تنزل الأكياس جنب الباب.
وقالت
مفيش مشكلة.
ودخلت الشقة وهي شايلة وجعها جواها.
اليوم كله عدى ثقيل.
أمي كانت بتحاول تضحك وتتكلم معايا وتسألني عن الحمل.
لكن كل شوية كانت تبص ناحية الباب.
كأنها فاكرة الأكياس اللي متسابين برا.
وفي آخر الليل، بعد ما أمي نامت في أوضة الضيوف، خرجت أبص على الحاجات.
لكن اتفاجئت بحاجة غريبة.
الأكياس اختفت.
كلها.
مفيش كيس واحد موجود.
افتكرت إن حد من البوابين خدهم.
لكن لما سألت الأمن تحت العمارة، الراجل قال باستغراب
لا يا مدام... محدش لمسهم.
رجعت الشقة وأنا متوترة.
وفي نص الليل صحيت على صوت حركة خفيفة في الصالة.
خرجت أشوف.
لقيت طارق واقف لوحده.
وفي إيده حاجة ملفوفة بقماش قديم.
أول ما شافني اتوتر بشكل غريب وخباها بسرعة وراه.
قلت باستغراب
إيه اللي في إيدك؟
ارتبك للحظة وقال
ولا حاجة.
لكن لأول مرة من يوم ما عرفته، شفته خايف.
مش متعصب...
خايف.
وفي الصبح، قبل ما أمي تمشي، طلبت مني طلب غريب.
مسكت إيدي وقالت بصوت واطي
يا بنتي... الشنطة البنية الكبيرة اللي كنت جايباها... هي فين؟
قلت
مش هي مع باقي الحاجات اللي اختفت؟
لون وشها اتغير فجأة.
وقالت وهي بتبص ناحية أوضة طارق
لا... دي بالذات مينفعش تضيع.
سألتها
ليه؟
لكنها سكتت.
وبعدين قالت جملة خلتني طول اليوم مش قادرة أفكر في حاجة غيرها
لأن اللي جواها مش فطير... ولا جبنة... ولا طيور.
وبصتلي بعين مليانة خوف لأول مرة في حياتها.
وقالت
اللي جواها حاجة أبوكي قبل ما يموت وصاني أوصلها ليكي... ومحدش غيرك كان لازم يشوفها اتجمدت مكاني.
بصيت لطارق بعدم فهم وقلت
يعني إيه؟! الصورة مكتوب عليها الاسم بنفسك شايفه.
مسك الصورة بإيد بترتعش، وقربها من عينه.
وبعدين قال
أنا طول عمري أعرف إن اسم أبويا عبد الرحيم منصور... مش منصور عبد الرحيم.
في البداية حسيت إن الفرق بسيط.
لكن فجأة سكت.
لأن ملامح طارق اتغيرت كأنه افتكر حاجة قديمة جدًا.
قام بسرعة ناحية خزانة صغيرة مقفولة بمفتاح.
فتحها وأخرج ملف قديم.
بدأ يقلب أوراقه بعصبية.
لحد ما طلع شهادة ميلاده.
بص فيها للحظات.
ثم جلس على الكرسي كأن الأرض اتسحبت من تحته.
قلت بقلق
في إيه؟
ناولني الورقة.
بصيت عليها.
واتفاجئت إن خانة الأب فيها ملاحظة غريبة
تم التعديل بناءً على حكم صادر بتاريخ...
رفعت عيني له.
يعني إيه تعديل؟
قال بصوت منخفض
يعني وأنا عندي خمس سنين اتغير اسمي بالكامل.
سكت لحظة.
وأمي عمرها ما رضيت تحكي السبب.
في نفس اللحظة رن جرس الباب.
أنا وطارق بصينا لبعض.
الساعة كانت قرب منتصف الليل.
مين ممكن ييجي دلوقتي؟
فتحنا الباب بحذر.
فلقينا راجل كبير في السن واقف.
ملابسه بسيطة جدًا.
لكن أول ما شافني قال
الحمد لله إني لحقتك.
قلت باستغراب
حضرتك مين؟
مد إيده بورقة مطوية.
وقال
أنا كنت شغال مع أبوكي زمان.
قلبي دق بعنف.
كمل الراجل
والدتك طلبت مني أوصل الرسالة دي لو حصلها أي حاجة.
خدت الورقة بسرعة.
لكن قبل ما أفتحها، الراجل قال
اقريها لوحدك.
وبعدين لف ومشي.
ناديت عليه.
لكن كان نزل السلم بسرعة غريبة.
قفلت الباب.
وفتحت الورقة.
كانت صفحة واحدة.
بخط أبويا.
نفس الخط اللي على الظرف.
وكان مكتوب فيها
يا بنتي...
لو وصلتي للكلام ده، يبقى السر اللي خبيناه سنين طويلة بدأ يطلع للنور.
إوعي تصدقي أي حد قبل ما تفتحي الظرف.
وإوعي تحكمي على الناس من شكلهم أو أسماءهم.
في ناس اتظلمت عمر كامل بسبب كذبة واحدة.
والكذبة دي هي السبب في كل اللي بيحصل النهارده.
الظرف موجود في المكان اللي كنت بروحله كل خميس قبل المغرب.
وقفت أقرأ السطر الأخير أكتر من مرة.
لأن أبويا فعلًا كان بيختفي كل خميس ساعتين ويرجع.
وعمري ما عرفت رايح فين.
رفعت عيني ناحية طارق.
لقيته بيبص للرسالة بذهول.
وفجأة قال
أنا أعرف المكان ده.
قلت بسرعة
إزاي؟
قال
لأن أبويا... أو الراجل اللي كنت فاكره أبويا... كان بيروح نفس المكان كل خميس.
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا.
كأن خيوط القصة كلها بدأت تتجمع في نقطة واحدة.
لكن قبل ما نتكلم أكتر...
وصلت رسالة على هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها.
وكان فيها صورة حديثة التقطت قبل ساعات فقط.
الصورة كانت لأمي داخل المستشفى.
لكن ده ماكانش المرعب.
المرعب إن في طرف الصورة ظهر شخص واقف بعيد يراقب غرفتها.
شخص لابس قبعة سوداء.
ولما قربت الصورة وكبرت الوجه...
شهقت من الصدمة.
لأن الشخص ده كان نفس الراجل الكبير اللي سلمني الرسالة من دقائق فقط...
رغم إنه وقت التقاط الصورة كان المفروض موجود عند المستشفى، مش واقف على باب شقتي!وقفت مكاني مش قادرة أستوعب اللي بشوفه.
خطفت الصورة من على المكتب، وبقيت أبص فيها مرة واتنين وعشرة.
أبويا الله يرحمه واقف فعلًا جنب الراجل الغريب، والاتنين مبتسمين كأن بينهم عشرة عمر كاملة.
رفعت عيني ناحية طارق وقلت بعصبية
مين ده؟ وإيه علاقة أبويا بيه؟
طارق سحب نفس طويل، وقعد على الكرسي وراه.
وقال بهدوء غريب
ده أبويا.
سكت ثانية وكمل
وأبوكِ كان أقرب واحد ليه.
الدنيا لفت بيا.
لأن طول عمري كنت أعرف إن أبويا فلاح بسيط عمره ما خرج برة المحافظة إلا مرات قليلة.
فإزاي يكون صاحب رجل أعمال كبير من القاهرة؟
وإزاي عمر أمي ما جابتش سيرته؟
قلت بسرعة
إنت بتكدب.
فتح درج تاني.
وأخرج مجموعة أوراق قديمة.
كلها عليها تواريخ ترجع لأكتر من عشرين سنة.
فيها صور.
وخطابات.
وإيصالات.
وحاجات كتير مش فاهمها.
لكن اللي شد انتباهي ظرف قديم مكتوب عليه بخط أبويا
لا يُفتح إلا بواسطة ابنتي.
اتجمدت.
ده خط أبويا فعلًا.
أنا حافظاه.
مديت إيدي أخده.
لكن طارق سحبه بسرعة.
وقال
لسه مش وقته.
صرخت فيه
إنت مين إنت علشان تحدد وقته؟!
أول مرة ملامحه اتغيرت.
وقال بحدة
لأن كل اللي حصل من يوم ما والدتك وصلت ماكانش صدفة.
تقصد إيه؟
قال
أنا كنت مستني الشنطة دي من سنين.
الكلمات نزلت عليا كأنها حجر.
قلت
مستنيها؟!
هز رأسه.
أيوه.
وليه؟
سكت لحظات.
وبعدين قال
لأن جواها دليل.
دليل على إيه؟
لكن قبل ما يرد...
رن تليفوني.
كان رقم أمي.
رديت بسرعة.
لكن اللي سمعته ماكانش صوتها.
كان صوت راجل غريب.
صوته متوتر جدًا.
قال
إنتِ بنت الحاجة فاطمة؟
قلبي وقع.
أيوه... مين؟
قال
أنا من المستشفى.
الدم جرى من وشي.
مستشفى إيه؟!
رد بسرعة
والدتك تعبت فجأة في الطريق وتم نقلها للمستشفى... بس قبل ما تفقد الوعي كانت بتردد اسمك وبتقول جملة واحدة.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
وسألته
قالت إيه؟
رد
قالت... أوعوا تسيبوا الظرف يقع في إيدين عائلة منصور.
بصيت تلقائيًا ناحية الصورة الموجودة على المكتب.
وناحية طارق.
لأن أسفل الصورة مباشرة كان مكتوب بخط صغير
الحاج منصور عبد الرحيم.
وهو نفس اسم والد طارق.
لكن الصدمة الأكبر حصلت في اللحظة التالية.
لما رفعت عيني ناحية طارق لقيته شاحب جدًا.
وكأنه سمع الاسم لأول مرة في حياته.
ثم قال بصوت مرتجف
مستحيل...
إيه اللي مستحيل؟
بص للصورة مرة تانية.
ثم همس
أبويا ماكانش اسمه منصور عبد الرحيم...
وساعتها فقط بدأت أحس إن السر الحقيقي أكبر بكتير من أي حاجة كنا متخيلينها أمسكت بذراع طارق بقوة، وقلبي كان يخبط في صدري كأنه هيخرج منه.
الخطوات كانت بتقرب.
واحدة... وراها واحدة...
وصوت الحديد تحت أقدامهم كان بيرن في السلم الضيق.
همس طارق
ما تتكلميش.
ثم جذب الصندوق المعدني بسرعة من فوق الترابيزة.
اتفاجئت إنه كان أخف بكتير مما توقعت.
كأنه فاضي... أو فيه أوراق بس.
اختبينا خلف مجموعة من الصناديق القديمة في ركن الغرفة.
بعد ثوانٍ ظهر ضوء كشاف من أعلى السلم.
ثم نزل رجل.
ثم آخر.
ثم ثالث.
كانوا بيدوروا في
متابعة القراءة