من ساعة ما جوزي اتوفى بقلم زيزي احمد
المحتويات
إنتِ جوه فعلًا؟
في ثانية واحدة، خبيت الملف ورا ضهري وقفلت باب الخزانة نص قفلة.
دخل وهو بيبص حواليه باستغراب.
أول ما شافني قال
إيه اللي جابك هنا؟
حاولت أتماسك.
كنت بدور على شوية حاجات قديمة تخص أحمد.
سكت لحظة وبص للخزانة.
وشه اتغير.
لأول مرة أشوفه متوتر بالشكل ده.
قال بسرعة
تعالي نمشي من هنا.
ليه؟
المكان مش آمن.
لكن نبرة صوته كانت بتقول إنه خايف من حاجة تانية.
حاجة جوا الخزانة نفسها.
رجعت البيت وأنا شايلة الملف في شنطتي من غير ما يحس.
وطول الطريق كنت حاسة إنه عارف.
بس ساكت.
أول ما دخلت شقتي قفلت الباب بالمفتاح.
وسحبت الملف.
كان تقيل بشكل غريب.
فتحته.
لقيت عشرات الأوراق.
عقود قديمة.
خطابات.
إيصالات.
وصور.
لكن في أول صفحة كان فيه عنوان واحد
حقيقة أرض الوادي.
مافهمتش حاجة.
بدأت أقلب.
واكتشفت إن والد جوزي قبل وفاته بسنين كان شريك في قطعة أرض كبيرة جدًا.
أرض قيمتها دلوقتي بالملايين.
لكن الأرض اختفت من الأوراق الرسمية فجأة.
وكأنها اتبخرت.
والأغرب إن اسم والد جوزي كان متشال من بعض المستندات ومضاف مكانه اسم شخص تاني.
شخص من خارج العيلة.
فضلت أقرأ لساعات.
لحد ما وصلت لورقة مكتوبة بخط إيد والد جوزي.
وكان فيها جملة واحدة
لو مت قبل ما أرجع حقي، ابني أحمد يعرف الحقيقة كاملة.
هنا فهمت.
جوزي الله يرحمه كان عارف السر.
لكن ليه عمره ما اتكلم؟
كملت تقليب.
وفجأة وقعت صورة من الملف.
أول ما شفتها شهقت.
الصورة كانت لوالد جوزي...
واقف جنب راجل غريب.
لكن الغريب مش الصورة.
الغريب إن الراجل ده كان نسخة طبق الأصل من أخو جوزي.
نفس الملامح.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
لدرجة إني افتكرت للحظة إنها صورة قديمة لأخو جوزي نفسه.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب وراها
إلى ابني الذي لم أستطع الاعتراف به.
وقعت الصورة من إيدي.
وابني؟!
مين الابن؟
ومين الراجل اللي في الصورة؟
فضلت أفتش بجنون بين الأوراق.
لحد ما لقيت جواب قديم متشمع بالشمع الأحمر.
كان واضح إنه أهم حاجة في الملف كله.
الجواب كان مقفول ومكتوب عليه
لا يُفتح إلا بحضور جميع أفراد العائلة.
وفي أسفل الظرف توقيع والد جوزي.
لكن قبل ما ألحق أفتحه...
سمعت خبط عنيف على باب الشقة.
خبط متواصل ومخيف.
قمت بسرعة أبص من العين السحرية.
واتصدمت.
لأن اللي واقف برا ماكانش أخو جوزي...
ولا حماتي...
ولا أي حد من العيلة.
كان راجل كبير في السن، أول مرة أشوفه في حياتي.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما رفع صورة قديمة قدام العين السحرية...
كانت نفس الصورة اللي لسه طالعة من الملف قبل دقائق.
وسمعته بيقول بصوت مرتفع
أنا جيت آخد حقي... بعد أكتر من تلاتين سنة انتظار.
وقتها بس أدركت إن السر أكبر بكتير من مجرد ميراث أو أرض...
وإن الأيام الجاية هتكشف حاجة محدش في العيلة كان مستعد يسمعها.
يتبع...اتجمدت مكاني وأنا باصّة من العين السحرية.
الراجل كان ماسك الصورة بإيده وبيبص ناحية الباب بثبات غريب، كأنه متأكد إني واقفة وراه.
قلبي كان بيدق بعنف.
أفتح ولا لأ؟
لكن قبل ما أقرر، لقيته بيقول
أنا مش جاي أؤذي حد... أنا جاي أنفذ وصية.
وصية؟!
فتحت الباب بحذر شديد، وسلسلة الأمان لسه راكبة.
سألته
حضرتك مين؟
بصلي للحظات طويلة، وبعدها قال
اسمي منصور... وكنت صاحب أبو أحمد الله يرحمه.
أول ما سمعت اسم جوزي، فتحت الباب أكتر شوية.
مد إيده بورقة قديمة.
وقال
دي أمانة كان المفروض تتسلم من سنين.
أخدت الورقة.
ولقيت عليها نفس ختم الشمع الأحمر الموجود على الجواب اللي جوه الملف.
هنا اتأكدت إن الراجل فعلًا له علاقة بالموضوع.
دخل وقعد في الصالون.
وكان واضح إنه تعبان وكبير في السن.
لكن عينيه كانوا مليانين إصرار.
قال
قبل ما أموت لازم الحقيقة تظهر.
سألته بسرعة
حقيقة إيه؟
بص للملف اللي جنبي.
وسكت.
ثم قال
واضح إنك عرفتي جزء بسيط بس.
وبعدين طلب يشوف الجواب المقفول.
جبته.
أول ما شافه تنهد براحة.
كأنه كان بيدور عليه بقاله سنين.
وقال
أبوكِ الروحي الله يرحمه كان ذكي.
استغربت
أبويا الروحي؟
ابتسم بحزن.
أيوة... لأن في ناس كتير في العيلة مش عارفين الحقيقة كاملة.
قبل ما يكمل، رن جرس الباب تاني.
المرة دي كان أخو جوزي.
أول ما دخل وشاف الراجل الكبير، لونه اتغير فجأة.
وقال بصدمة
إنت؟!
الراجل رد بهدوء
أخيرًا اتقابلنا.
الجو في الأوضة بقى متوتر بشكل مخيف.
وأخو جوزي بص للجواب المقفول وقال بسرعة
مين فتح الملف؟
قلت
أنا.
سكت.
وبعدين لأول مرة قال جملة غريبة
كان لازم نستنى شوية كمان.
نستنى إيه؟
نستنى لحد ما تكتمل كل الأوراق.
هنا الراجل الكبير ضرب بعصاه على الأرض.
وقال
كفاية تأجيل.
وبعدين طلع من جيبه مفتاح صغير جدًا.
أصغر من المفتاح اللي لقيته في الدولاب.
وحطه فوق الترابيزة.
وقال
ده مفتاح الصندوق الأخير.
شهقت.
صندوق إيه؟
بصلي وقال
الصندوق اللي فيه الدليل الحقيقي.
أخو جوزي قام واقف فجأة.
واضح إنه عارف الصندوق ده.
لكن ملامحه كانت بتقول إنه خايف منه.
خايف جدًا.
سألته
إنت عارف بيتكلم عن إيه؟
سكت.
ثواني طويلة.
وبعدين قال
أيوة.
ليه مخبي؟
غمض عينيه للحظة وقال
لأن الحقيقة لو خرجت... ناس هتزعل وناس هتتصدم.
الراجل الكبير رد فورًا
لكن المظلوم لازم يعرف حقه.
وساعتها لأول مرة لاحظت حاجة ماكنتش واخدة بالي منها.
الصورة القديمة اللي كانت مع الراجل...
والصورة اللي لقيتها في الملف...
فيهم تفصيلة صغيرة جدًا.
تفصيلة محدش انتبه لها قبل كده.
خاتم فضة مميز في إيد والد جوزي.
نفس الخاتم بالضبط...
كان موجود دلوقتي في إيد أخو جوزي.
ونفس الخاتم مرسوم كشعار على الصندوق المذكور في إحدى الأوراق القديمة.
ساعتها حسيت إن كل الأسرار دي مرتبطة ببعض.
الأرض.
الوصية.
الصندوق.
والراجل الغامض.
لكن لسه ماكنتش أعرف إن الصدمة الأكبر مستنياني في مكان تاني تمامًا...
لأن عنوان الصندوق الأخير كان مكتوبًا في آخر ورقة داخل الملف
يفتح داخل البيت القديم عند شجرة التوت.
والبيت القديم ده...
كان مقفول ومهجور من أكتر من خمسة وعشرين سنة، ومحدش من العيلة دخله من يوم الحادثة الغامضة اللي حصلت فيه...!
يتبع...فضلنا كلنا ساكتين للحظات.
كل واحد فينا غرقان في أفكاره.
الراجل الكبير بص لأخو جوزي وقال
هتفضل تأجل لحد إمتى؟
أخو جوزي رد بصوت واطي
أنا ماكنتش بخبي عشان نفسي.
أمال عشان مين؟
عشان العيلة كلها.
الكلام زوّد غموض الموضوع أكتر.
لكن حاجة واحدة كانت واضحة...
إن البيت القديم لازم يتفتح.
وفي صباح اليوم التالي، اتحركنا كلنا.
أنا، وأخو جوزي، والراجل الكبير، وحماتي اللي أول ما عرفت بالموضوع أصرت تيجي بنفسها.
طول الطريق كانت ساكتة.
وشها شاحب.
وكأنها راجعة لمكان هربت منه طول عمرها.
بعد حوالي نص ساعة وصلنا.
البيت كان واقف وسط أرض واسعة مهجورة.
شبابيكه مكسورة.
والتراب مغطي كل حاجة.
أول ما نزلنا من العربية، حماتي وقفت مكانها.
وبدأت دموعها تنزل.
همست
آخر مرة دخلت البيت ده كانت من خمسة وعشرين سنة.
بص لها الراجل الكبير وقال
والنهارده وقت الحقيقة.
دخلنا.
ريحة الرطوبة كانت مالية المكان.
الأثاث مغطى بملايات قديمة.
والهدوء مخيف.
مشينا لحد ما وصلنا للجنينة الخلفية.
وهناك كانت واقفة شجرة توت ضخمة.
شجرة أقدم من البيت نفسه تقريبًا.
أخو جوزي وقف تحتها.
وبدأ يدور بعينيه.
كأنه حافظ المكان.
وفجأة قال
هنا.
ركع على الأرض.
وبدأ يزيح التراب بإيده.
وبعد دقائق قليلة ظهر غطاء حديد مدفون.
قلبي كان بيدق بعنف.
رفعنا الغطاء.
ولقينا صندوق خشب قديم جدًا.
عليه نفس الشعار المنقوش.
الخاتم الفضي.
أخو جوزي طلع المفتاح الصغير.
لكن إيده كانت بتترعش.
بص للراجل الكبير وقال
بعد ما يتفتح... مفيش حاجة هترجع زي الأول.
الراجل رد
عارف.
ودار المفتاح.
صوت القفل وهو بيتفتح كان كأنه بيفتح باب مقفول من سنين طويلة.
رفعنا الغطاء.
وفي اللحظة الأولى اتفاجأنا إن الصندوق ماكانش مليان فلوس ولا عقود.
متابعة القراءة