هربت من جوازة بقلم زيزي احمد
أحمد.
تردد الحارس وسأل
والبنت؟
سكت فؤاد لحظة، ثم قال
البنت ملهاش ذنب... لكن لازم الدفتر يرجع.
في الجهة الأخرى...
خرج أحمد ومريم وعبدالتواب من المكتبة عبر ممر خلفي يؤدي إلى فناء داخلي.
كان الليل ساكنًا، إلا من صوت الرياح.
وصلوا إلى باب المصلى القديم.
الباب كان مغطى بالغبار، وكأنه لم يُفتح منذ سنوات.
أدخل أحمد المفتاح النحاسي في القفل.
لفه مرة...
واتنين...
ثم سمعوا صوت تك.
وانفتح الباب ببطء.
دخلوا.
كان المكان بسيطًا، هادئًا، وتفوح منه رائحة الخشب القديم.
تقدم عبدالتواب حتى وصل إلى محراب صغير.
انحنى، وضغط على حجر في أسفل الجدار.
اهتزت الأرض هزة خفيفة.
ثم انزاحت إحدى بلاطات الأرض، وظهر سلم حجري ينزل إلى الأسفل.
نظر الثلاثة إلى بعضهم.
ثم بدأوا النزول.
كل درجة كانت تزيد إحساسهم بأنهم يقتربون من سر ظل مخفيًا لسنوات.
وفي أسفل السلم...
وجدوا غرفة صغيرة.
في منتصفها صندوق حديدي كبير.
لكن لم يكن هو أكثر ما لفت انتباههم.
كان هناك مصباح زيتي مضاء.
يعني...
فيه حد سبقهم إلى المكان.
وفجأة، سمعوا صوتًا هادئًا يخرج من آخر الغرفة
كنت واثق إنكم هتوصلوا.
التفت أحمد بسرعة.
لكن بسبب ضعف الإضاءة، لم يستطع تمييز ملامح صاحب الصوت.
كل ما ظهر...
ظل رجل يقف في آخر الغرفة، ساكنًا تمامًا، وكأنه كان ينتظرهم منذ وقت طويل تقدم أحمد خطوة إلى الأمام، ووضع مريم خلفه بحركة تلقائية.
وقال بحزم
مين حضرتك؟
ساد صمت لثوانٍ.
ثم اقترب الرجل ببطء حتى وقع نور المصباح على وجهه.
كان رجلاً في أواخر الستينيات، ملامحه هادئة، ولحيته يغزوها الشيب.
نظر إلى أحمد طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال
كبرت يا أحمد... آخر مرة شفتك فيها كان عندك اتناشر سنة.
قطب أحمد حاجبيه.
أنا أعرفك؟
هز الرجل رأسه.
فاكرتك مش هتسعفك دلوقتي... لكن والدك كان بيثق فيا.
سألته مريم بحذر
إنت كنت مستخبي هنا؟
أجاب بهدوء
لا... أنا جيت من مدخل تاني. الغرفة دي ليها أكتر من مخرج، وده اللي قليل جدًا يعرفه.
نظر عبدالتواب إليه، ثم قال باحترام
الحمد لله إنك لسه بخير.
فهمت مريم من نظراتهما أن الرجل ليس غريبًا عليهما.
اقترب الرجل من الصندوق الحديدي، وأخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا آخر.
قال
الصندوق ده له قفلين... مفتاح معايا، ومفتاح مع عبدالتواب. والدك عمل كده علشان محدش يفتحه لوحده.
أخرج عبدالتواب مفتاحه، وأدخلاه معًا في القفل.
دار المفتاحان في اللحظة نفسها.
ثم انفتح الصندوق ببطء.
في داخله كانت ملفات مرتبة بعناية، وعدة دفاتر قديمة، وخريطة مطوية، ومجموعة أختام رسمية.
رفع أحمد أحد الدفاتر، لكن الرجل أوقفه بلطف.
بالراحة... كل ورقة هنا لها ترتيب.
ثم أخرج ملفًا واحدًا فقط، ووضعه أمام أحمد.
وقال
ابدأ بده.
فتح أحمد الملف.
كانت أول صفحة عبارة عن كشف حسابات قديم، يوضح حركة أموال ومشروعات تمت قبل سنوات.
وبين الأوراق كانت هناك ملاحظات بخط والده، تشرح كيف اكتشف مخالفات مالية كبيرة، وكيف بدأ يجمع الأدلة بنفسه قبل الحادث.
قرأ أحمد بصمت، وملامحه تزداد جدية.
أما مريم فلاحظت أن آخر صفحة فيها جملة مكتوبة بخط واضح
إذا وصلت هذه الأوراق إلى أحمد، فليكن أول ما يفعله هو مراجعة سجلات القصر كاملة، وعدم اتهام أحد حتى تكتمل الصورة.
تنهد الرجل وقال
والدك كان حريصًا إن العدل ياخد مجراه. علشان كده كان دايمًا يقول الحقيقة لازم تقوم على الدليل، مش على الغضب.
وقبل أن يرد أحمد...
سمعوا جميعًا صوت جرس قديم يدق في أعلى المصلى.
نظر عبدالتواب إلى السقف بقلق.
وقال
الجرس ده ما بيدقش إلا لو حد فتح الباب الرئيسي.
ساد الصمت.
ثم جاء صوت خطوات متعددة فوق رؤوسهم.
واضح أن مجموعة كبيرة دخلت المصلى...
وبدأت تبحث في كل ركن، بينما بقي الأربعة في الغرفة السفلية، يحاولون أن يقرروا خطوتهم التالية قبل أن يصل إليهم أحد تبادل الأربعة النظرات في صمت.
كل واحد فيهم كان سامع وقع الأقدام فوق السقف الحجري.
ثم جاء صوت أحد الحراس
فتشوا المصلى كله... محدش يسيب ركن!
خفض عبدالتواب صوته وقال
لسه عندنا شوية وقت... لكن لازم نخرج من هنا.
أشار الرجل المسن إلى آخر الغرفة.
كان هناك جدار حجري يبدو عاديًا.
اقترب منه، وضغط على حجر صغير في جانبه.
صدر صوت احتكاك خافت.
وانزاح جزء من الجدار، ليظهر ممر ضيق.
قال الرجل
الممر ده بيطلع على المخزن القديم خلف الإسطبل.
لكن أحمد لم يتحرك.
كان ما زال ممسكًا بالملف.
وقعت عينه على ورقة مطوية في آخره.
فتحها بسرعة.
كانت خريطة للقصر.
لكن في أحد الأركان، رسم والده دائرة حمراء حول غرفة صغيرة ملحقة بالمكتبة.
وتحتها كتب
السجل الأصلي محفوظ هنا.
رفع أحمد رأسه.
يعني اللي معانا مجرد نسخة.
هز الرجل رأسه.
أيوه... والدك كان بيخبي الأدلة في أكتر من مكان.
سألت مريم
ليه؟
أجاب
علشان لو مكان اتكشف... يفضل فيه مكان تاني.
في نفس الوقت...
كان فؤاد بيه واقف داخل المصلى، يتأمل المكان في هدوء.
اقترب منه أحد الحراس.
يا بيه... فتشنا الدور كله.
ولقيتوا حاجة؟
لا.
ابتسم فؤاد ابتسامة خفيفة.
ثم رفع نظره ناحية المحراب.
وقال
هما هنا... بس أذكى مما توقعت.
اقترب بنفسه من المحراب.
مرر يده على الأحجار القديمة.
وكأنه يحاول تذكر شيء رآه منذ سنوات.
في الأسفل...
سمع عبدالتواب صوت احتكاك الحجارة فوقهم.
اتسعت عيناه.
عرف مكان المدخل.
أغلق الرجل المسن الصندوق بسرعة.
وأخذ منه ملفًا واحدًا فقط.
أما بقية الأوراق فأعادها كما كانت.
قال لأحمد
الدليل اللي معانا يكفي نبدأ بيه... لكن لو خدوا الصندوق مش هيلاقوا كل الحقيقة.
أخذ أحمد الملف، بينما حملت مريم الخريطة.
ثم دخل الأربعة إلى الممر السري.
وبمجرد أن خرج آخرهم...
عاد الجدار إلى مكانه.
بعد أقل من دقيقة...
تحرك الحجر في أرضية الغرفة.
ونزل فؤاد بيه بنفسه.
كان يحمل مصباحًا يدويًا.
نظر حوله.
الغرفة خالية.
لكن الصندوق ما زال في مكانه.
اقترب منه بسرعة.
فتح الغطاء.
وقلب الملفات واحدًا تلو الآخر.
ثم توقف.
ابتسم لأول مرة منذ أيام.
وقال في هدوء
يعني سبقوني... لكنهم أخدوا الملف اللي كنت متوقع ياخدوه.
نظر إليه أحد الحراس باستغراب.
يعني إيه يا بيه؟
أغلق فؤاد الصندوق برفق.
وقال
يعني اللعبة لسه في أولها...
ثم رفع بصره نحو الممر الذي اختفى خلف الجدار، وهمس لنفسه
يا أحمد... أبوك كان بيعلمك كويس.
وفي تلك اللحظة...
كان أحمد ومريم يخرجان من نهاية الممر السري خلف الإسطبل.
وما إن لامست أقدامهما أرض الفناء...
حتى لمحا سيارة سوداء تقف بعيدًا عن القصر.
وبجوارها رجل يرتدي بدلة رسمية، ينظر نحوهما وكأنه كان في انتظارهما منذ وقت طويل... دون أن يعرفا إن كان جاء ليساعدهما... أم ليمنعهما من الوصول إلى الحقيقة النهاية
توقف أحمد ومريم في مكانهما، بينما اقترب الرجل الواقف بجوار السيارة ببطء.
ثم أخرج بطاقة تعريف من جيبه وقال
أنا المستشار ياسر... كنت الصديق الأقرب لوالدك.
نظر أحمد إليه بحذر، فأخرج الرجل ظرفًا مختومًا.
أبوك سلمني الظرف ده من سنين، وقال لي لو أحمد عرف الحقيقة بنفسه، سلمهوله.
فتح أحمد الظرف.
كانت بداخله رسالة قصيرة
يا ابني... لو وصلت لحد هنا، يبقى عرفت إن الحق بيحتاج صبر. متنتقمش... خليك واثق إن القانون هو اللي هيجيب لكل واحد حقه.
أغمض أحمد عينيه للحظة، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
وقال
مش هكرر أخطاء غيري.
في صباح اليوم التالي، اجتمع رجال التحقيق والنيابة داخل القصر.
وسلّم أحمد كل الملفات والدفاتر والفلاشة والأختام التي جمعها، دون أن يخفي ورقة واحدة.
بدأت مراجعة المستندات الرسمية، واكتشف المحققون وجود تزوير في عقود كثيرة، واستيلاء على أموال وممتلكات بطرق غير قانونية، وتلاعب في سجلات القصر على مدار سنوات.
أما فؤاد...
فوقف هادئًا وهو يرى الأدلة تُعرض أمامه.
لم يحاول الهرب.
ولم ينكر.
قال بصوت منخفض
كنت فاكر إني بحافظ على اسم العيلة... لكن الطمع عمّى عيني.
اقتاده رجال الأمن لاستكمال التحقيقات، وترك القصر في هدوء، بعدما انتهى زمن النفوذ الذي عاش فيه.
بعد أسابيع...
تعافى أحمد تمامًا، وعاد لإدارة القصر بنفسه.
كان أول قرار أخذه
هو إعادة الحقوق لأصحابها، وتعويض كل من ظُلم أو سُلب حقه.
ثم جمع جميع العاملين في ساحة القصر.
وقال أمامهم
من النهارده، مفيش حد هيُعامل كأنه أقل من غيره. الكرامة حق لكل إنسان.
ثم التفت إلى مريم.
الفتاة التي دخلت القصر يومًا كخياطة لا يلتفت إليها أحد، وكانت على وشك أن تُجبر على زواج لا تريده.
قال لها بابتسامة
إنتِ أنقذتي حياتي... ولولا شجاعتك، ما كانتش الحقيقة ظهرت.
ردت مريم بخجل
أنا عملت اللي يمليه عليّ ضميري.
ابتسم أحمد وقال
وده أكبر سبب يخليني أثق فيكي.
مرت الشهور...
تحولت ورشة الخياطة الصغيرة التي كانت تعمل فيها مريم إلى مشغل كبير لتعليم الفتيات حرفة الخياطة مجانًا، بتمويل من إدارة القصر.
وأصبحت مريم مسؤولة عنه، تساعد كل فتاة تبحث عن بداية جديدة، حتى لا تشعر يومًا بأنها غير مرئية كما كانت تشعر هي.
أما أحمد...
فكان يزور المشغل كل فترة للاطمئنان على العمل، وشيئًا فشيئًا نشأت بينه وبين مريم علاقة قائمة على الاحترام والثقة.
وبعد أن انتهت كل القضايا، واستقرت الأمور، تقدم لخطبتها رسميًا، فوافقت بعد استخارة وموافقة أهلها.
أقيم الزفاف في القصر نفسه...
لكن هذه المرة لم يكن زواجًا بالإجبار، بل زواجًا اختاره الطرفان برضاهما.
وفي الليلة التي وقف فيها أحمد ومريم في شرفة القصر، نظر أحمد إلى السماء وقال
أوقات ربنا بيأخر الفرج... علشان ييجي في وقته الصح.
ابتسمت مريم، وهي تتذكر الليلة التي هربت فيها خائفة، واختبأت بجوار رجل كان الجميع يظنه لن يفتح عينيه مرة أخرى.
ولم تكن تعرف...
أن تلك الليلة ستكون بداية نهاية الظلم... وبداية حياة جديدة لهما معًا.
تمت.